يحرص الكثير من الألمان من أصل عربي على استخدام حقهم الانتخابي الذي اكتسبوه بحصولهم على الجنسية الألمانية. فمن سيختارون لمنصب المستشار خلفا للمستشارة أنغيلا ميركل؟
يحرص الكثير من الألمان من أصل عربي على استخدام حقهم الانتخابي الذي اكتسبوه بحصولهم على الجنسية الألمانية. فمن سيختارون لمنصب المستشار خلفا للمستشارة أنغيلا ميركل؟

عندما تحين لحظة الانتخاب، قد يظن البعض أن الألمان من أصل عربي ربما سيختارون المرشح صاحب الموقف الأكثر تأييدا أو الأقرب للقضايا العربية. ولكن معايير اختيار العرب لمرشحهم المفضل في ألمانيا تتنوع بتنوع وضع الناخبين في المجتمع، خاصة وأن أغلبهم يؤمن بالقدرة على ”التغيير“ أو حتي مجرد ”التأثير“ بأصواتهم الانتخابية خلال مرحلة ”انتقالية“ تمر بها ألمانيا.

”كرجل أسمر البشرة، يتم تجاهلي من خيم أغلب الأحزاب ربما لاعتقادهم بأني أجنبي أو لاجئ ليس لدي حق التصويت“، هكذا وصف الألماني من أصل أردني عمار فارع جزء من المشهد الانتخابي في ألمانيا كما يراه.

ففي خلال أقل من أسبوعين، ستشهد ألمانيا انتخابات تاريخية لاختيار مستشار جديد بعد 16 عاما بقيادة الممستشارة أنغيلا ميركل.

ويرى فارع، والذي حصل مؤخرا على الجنسية الألمانية، أن ألمانيا ”لأنها دولة ديمقراطية أعطته جنسيتها بعد عدة سنوات من الإقامة والعمل فيها“، على حد تعبيره، بما يشجعه على استخدام حقه الجديد في التصويت والمشاركة في العملية الانتخابية.

تجربة التصويت للمرة الأولى

وستكون هذه المرة الأولى التي يصوت فيها فارع لاختيار المستشار الجديد لألمانيا حيث يحرص الآن على ”عدم ضياع“ صوته الانتخابي، على حد تعبيره. وفي حوار أجراه مهاجر نيوز، يقول فارع: "الانتخابات في الأردن ليست بذات الأهمية كما في ألمانيا لأن أغلبنا ينتخب هناك بناء على العشيرة في نطاق محدود وليس لأفكار وتوجهات المرشح“.

وبدأ المواطن الألماني الجديد منذ فترة عملية البحث والاستقصاء حول المرشحين والأحزاب وبرامجهم الانتخابية، فهو يرغب في أن يساهم بصوته في ”بقاء ألمانيا كما هي دولة متقدمة وناجحة دون أن يقع إيذاء لنا كمهاجرين“. ويوضح فارع موقفه قائلا: ”تركت بلادي بسبب الظلم وغياب العدل والحرية والفرص، ولهذا لن يكون اختياري لدوافع دينية أو بسبب الموقف من قضية ما، وإنما الاختيار يجب أن يصب أولا في مصلحة المهاجر أو المواطن الجديد في ألمانيا. هذه هي الخطوة الأولى للشعور بأننا في وطن جديد“.

وكان الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، في حفل تم عقده بوقت سابق هذا العام في برلين لمنح وثيقة تجنس الأجانب المقيمين في ألمانيا، قد دعا المتجنسين إلى المشاركة السياسية معتبرا أن "الديمقراطية بحاجة إليهم وإلى وجهة نظرهم وتجربتهم“، على حد قوله. 

وفي يونيو/ حزيران 2020، أعلن مكتب الإحصاء الاتحادي عن ارتفاع عدد الأجانب الحاصلين على الجنسية الألمانية حيث حصل نحو 129 ألف أجنبي على الجنسية الألمانية عام 2019، فيما يعتبر ”أعلى عدد تجنيس تسجله ألمانيا منذ عام 2003“، بحسب بيانات المكتب.

مهاجرون ولاجئون بلحظة وصول رحلتهم إلى ألمانيا
مهاجرون ولاجئون بلحظة وصول رحلتهم إلى ألمانيا

في مواجهة ”عنصرية بعض الألمان“!

وعبر فارع عن ”إحباطه“ كمواطن جديد في ألمانيا بسبب ما وصفه بإهمال الأحزاب والحكومة لمخاطبة المهاجرين حيث يقول: ”لا يوجد خيارات مناسبة لنا ولهذا علينا النظر أكثر للمدى البعيد أي كيف لنا كمهاجرين أن نحقق ما نطمح به من خلال الانتخابات، وهو أن نقوم على الأقل بتنبيه الجميع بأننا موجودون كمواطنين جدد“.

ويشعر المواطن الألماني من أصل أردني، والمقيم حاليا في ولاية بافاريا، بأن بعض الألمان ”لديهم نظرة عنصرية لأصحاب البشرة السمراء“، ولهذا قرر أن يكون معياره لدى اختيار المرشح أو الحزب الذي سيصوت له في الانتخابات هو سياساتهم فيما يخص التعامل مع المهاجرين.

وعلى الرغم من حملها للجنسية الألمانية منذ طفولتها، توافق الألمانية من أصل سوداني ومصري ياسمين خليل على مسألة الوقوع ضحية للعنصرية من قبل البعض في ألمانيا.

وفي حوار أجراه مهاجر نيوز، تحكي خليل، والتي تعيش حاليا بإحدى مدن ولاية شمال الراين ـ وستفاليا، عن تعرضها لما وصفته بـ ”التهميش أو التمييز ضدها“ حيث تقول: "كمرأة مسلمة لا تتمتع بملامح ألمانية تقليدية تعرضت من قبل لتجربة التهميش أو التمييز ضدي بسبب ديني أو شكلي. ولهذا يجب على الحزب السياسي الذي أصوت له ألا يتعامل مع ذلك الأمر باعتباره مجرد مشكلة وفقط، وإنما أن يرى محاربة ذلك كهدف رئيسي في برنامجه الانتخابي“.

وتضيف خليل: ”أشعر بأني ألمانية وارتباط بهذا البلد. ولكن في نفس الوقت عندما يشعرك المجتمع أو الحكومة بأنك لست ألماني بشكل كامل لأن شكلك أو دينك يختلف عن الأغلبية، فتشعر حينها وكأنك لست ألماني مئة في المئة أو على الأقل بأن تمثيلي لا يتم بشكل كاف“.

وأشار التقرير السنوي لمكتب مناهضة التمييز، والصادر عام 2020، إلى ارتفاع عدد حالات العنصرية المسجلة في ألمانيا حيث وصلت لحوالي 1200 شكوى. كما نبه التقرير السنوي للمكتب، والذي تأسس عام 2006 لتقديم المشورة لدى التعرض للتمييز بسبب العرق أو الدين أو الميول الجنسية أو العمر، إلى أن الكثيرين من الأشخاص المعرضين للتمييز لديهم شعور بأن ”الوضع العام لا يتحسن منذ سنوات“.

lمظاهرة ضد العنصرية في ألمانيا عقب الهجوم على مقهى بمدينة هاناو
lمظاهرة ضد العنصرية في ألمانيا عقب الهجوم على مقهى بمدينة هاناو

”واجب المشاركة لمنع وقوع ضرر“

ولا يقتصر معيار خليل في اختيارها للمرشح أو الحزب المفضل لها على موقفه من القضايا المتعلقة بالمساواة والعدالة فقط حيث قررت الشابة الألمانية، والتي تعمل بجهة حكومية ألمانية، أن تكون السياسة الخارجية معيار إضافي أساسي للحكم. 

أما الألماني من أصل مصري أحمد، والذي فضل عدم ذكر اسمه الحقيقي، فينظر بالدرجة الأولى صوب السياسة الداخلية ويسعى من خلال مشاركته في عملية التصويت القادمة لمواجهة التطرف، على حد تعبيره، حيث يقول: ”خلال السنوات الماضية أدركنا زيادة الاتجاه نحو اليمين المتطرف في ألمانيا، ولهذا أداء الواجب الانتخابي هو أمر يجب علي الجميع القيام به، خاصة هذه الفترة مع رحيل ميركل“.

وكان المكتب الاتحادي لمكافحة الجريمة في ألمانيا (BKA) قد سجل في عام 2020 إحدى عشرة جريمة قتل بدوافع سياسية راح ضحيتها أحد عشر شخصا، منهم تسعة ضحايا في الهجوم على مقهى للشيشة في مدينة هاناو الذي نفذه يميني متطرف. ووصف وزير الداخلية، هورست زيهوفر، ذلك بـ ”تطور مثير للقلق“ حيث ارتفع عدد الجرائم ذات الدوافع السياسية ليصل إلى ”رقما قياسيا منذ بدء إحصاء هذا النوع من الجريمة عام 2001“.


ألمانيا تخوض انتخابات حاسمة بعد 16 عاما تحت قيادة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل
ألمانيا تخوض انتخابات حاسمة بعد 16 عاما تحت قيادة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل

”ما يتمناه الكثيرون في العالم العربي“؟

ووسط هذا الصراع الانتخابي الذي تشهده ألمانيا حاليا، يرى أحمد أن ”الطريقة الكلاسيكية لاختيار المرشح على أساس برنامجه ومدى توافقه مع مواقف الناخب وأرائه السياسية“ لن يكون بمقدور الكثيرين هذا العام تطبيقها بسهولة حيث يقول: ”أعتقد أن عدد كبير من الناس لن تقوم بانتخاب المرشح المفضل لديها حيث سيقوم البعض بالتصويت لمرشح ما بالرغم من عدم الاقتناع الكامل به لمجرد تجنب فوز مرشح أو حزب أخر ما من باب الشعور بالمسؤولية وواجب المشاركة لمنع وقوع ضرر بالمجتمع“.

ويحاول أحمد، والذي يعيش حاليا في إحدى مدن ولاية هيسن، اختيار المرشح أو الحزب ”القادر على التعامل مع الأزمات الحالية“ موضحا: ”كثير من البرامج المطروحة ينقصها الواقعية في وجهة نظري، وبالتالي أفضل صاحب البرنامج الأكثر واقعية وأتوقع نجاحة بشكل أكبر“.

ويحكي أحمد، في حواره مع مهاجر نيوز، عن خوضه لتجربة التصويت في مصر من قبل، إلا أنه يرى أن النظام في ألمانيا ”يجعلك تشعر بأن كل صوت له قيمة حقا“، على حد قوله. فبعد حصوله على الجنسية الألمانية منذ بضعة سنوات، يشعر الشاب الألماني من أصل مصري بأن لديه فرصة حقيقية للتأثير حيث يقول: ”لدى تصويتي للمرة الأولى في ألمانيا شعرت بمزيج من الفخر والسعادة. أعتقد أن هذا ما يتمناه الكثيرون في العالم العربي، الشعور بأنهم يساهمون بشئ ما لبلدهم“.

 

للمزيد