مهرجان الشوارع في برلين
مهرجان الشوارع في برلين

ضمن هذه الجولة الانتخابية للعام 2021، يحق لـ 7.4 مليون ألماني من أصول مهاجرة التصويت لانتخاب برلمان جديد. فما مدى إقبال الناخبين من أصول مهاجرة على التصويت؟ وهل هم ضمن دائرة اهتمام الأحزاب الألمانية؟

خلال أقل من أسبوعين، تشهد ألمانيا انتخابات جديدة. تحديداً في 26 أيلول /سبتمبر ستفتح صنايق الاقتراع، وسيدلي الناخبون الألمان بأصواتهم. لاختيار حكومتهم الجديدة.  لكن فئة كبيرة من المشاركين في الانتخابات غالباً لا تؤخذ بعين الاعتبار من قبل السياسيين والأحزاب الألمانية. فمن هي هذه الفئة؟

إنهم الألمان من أصول مهاجرة. هناك نحو 7.4 مليون من الأشخاص الذين يحق لهم التصويت وهم من أصول تركية وسورية وروسية وهو ما يعادل 12 بالمئة من مجموع الأشخاص الذين يحق لهم المشاركة في الانتخابات في ألمانيا.

بالرغم من أن عدد هؤلاء الناخبين لا يستهان به، إلا أن التواصل معهم نادرا ما يكون بشكل مباشر، وفقا ما ترى عالمة الاجتماع سابرينا ماير. تجري عالمة الاجتماع دراسة عن أشخاص من أصول مهاجرة في مدينة دويسبورغ، وهي مدينة تقع في ولاية شمال الراين ويستفاليا ومعروفة بتعدد الثقافات فيها. ومن خلال جولتها في المدينة تروي ماير بدهشة وتقول "في مدينة مثل ديسبورغ حيث يكثر فيها سكان من أصول مهاجرة، نادراً ما نرى على الملصقات الانتخابية مواضيع تخصهم".

 

ربما يكون ذلك سبباً في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات من قبل الألمان من أصول مهاجرة. ففي انتخابات البوندستاغ الأخيرة التي جرت عام 2017، كانت مشاركة هذه الفئة من الناخبين كانت أقل بـ 20 بالمئة من معدل مشاركتهم في الانتخابات التي سبقت عام 2017. وتؤكد ماير على أن الانخفاض متوقعاً ولكن يدفع في الوقت ذاته لتسليط الضوء على السبب "إذا لم يشعر الناخبون بأنهم معنيون بالانتخابات، فإن مشاركتهم في التصويت ستكون أقل، ما سيؤدي بدوره إلى ابتعاد الأحزاب عن تناول القضايا التي تخص هذه الشريحة وما هو ما يؤدي بدوره إلى الاستمرار في انخفاض الإقبال على التصويت".


سابرينا ماير
سابرينا ماير

مبادرات لحث الألمان من أصول مهاجرة على الانتخاب

يعرف علي كان تماماَ مشكلة انخفاض إقبال الناخبين من أصول مهاجرة على المشاركة في الانتخابات. فكان هو ناشط اجتماعي من مواليد تركيا ومن أصل كردي. جاء إلى ألمانيا مع عائلته عام 1995. وهو من أطلق وسم هاشتاغ " MeTwo" المناهض للعنصرية على موقع تويتر. ويبذل جهوداً حثيثة لدفع المزيد من المهاجرين من أصول مهاجرة على المشاركة في الانتخابات.

ومن أجل ذلك أطلق كان تطبيقاً بلغات متعددة يشبه تطبيق "فال أو مات" المعروف. يساعد هذه التطبيق الناخبين على المشاركة في الانتخابات، حسبما يؤكد في حديثه لموقع DW "في هذا القرن، لا ينبغي أن يكون هناك عوائق تحول دون المشاركة في الانتخابات". ويشير كان إلى ضرورة مشاركة الألمان من أصول مهاجرة "هناك فشل في جعل الأشخاص من اصول مهاجرة يشعرون الشعور بأنهم ينتمون أيضًا إلى ألمانيا". ويؤكد على أن الشعور بالانتماء ضروري ويدفع للمشاركة في الانتخابات "ما نريده جميعاً هو إقبال أكبر من هؤلاء الناخبين على المشاركة في التصويت".

أسباب ربما لها دور في انخفاض الإقبال على التصويت

إلى جانب ذلك، هناك نقص في البيانات. إذ لا توجد الكثير من المعلومات حول أسباب اختيار الناخبين من أصول مهاجرة لحزب معين. وللدراسات الإحصائية دور في ذلك. ففي تحليلات نتائج الانتخابات المعتادة، غالباً  ما يكون أعداد الناخبين من أصول مهاجرة في عينات التحليل منخفض جداً، ما يجعل من الصعب على الحصول على بيانات موثوقة. من الممكن إجراء إحصائيات مصممة خصيصاً لهذه الشريحة من الناخبين، إلا أن تكاليف ذلك ستكون عالية جداً، ولن تشمل سوى أكبر المجموعات المهاجرة في ألمانيا.

وأجرت مؤسسة كونراد أديناور التابعة للاتحاد الديمقراطي المسيحي دراستين من هذا القبيل، في عام 2015 وعام 2019. وانصب التركيز في الدراسة على أكبر ثلاث مجموعات من المهاجرين في ألمانيا في ذلك الوقت وهم من خلفيات تركية (2.8 مليون) وروسية (1.4 مليون) وبولندية (2.2 مليون).

ففي إحدى الدراسات تبين أن نتائج التصويت كانت ثابتة نسبيا لوقت طويل لدى مجموعتين من فئة الناخبين من أصول مهاجرة.  حيث أظهرت نتائج الدراسة الأولى أن الألمان من أصول روسية تصوت في الغالب للحزب المسيحي الديمقراطي وشقيقه الحزب الاجتماعي المسيحي. في حين دعم الألمان من أصول تركية الحزب الاشتراكي الديمقراطي. بيد أن هذه النسب بدأت تضعف، حيث تشير الدراسة الأحدث إلى تغيير نحو حزب البديل من أجل ألمانيا في صفوف الألمان المنحدرين من أصول روسية، في حين زادت نسبة الألمان من أصول تركية الداعمين للحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاجتماعي المسيحي. أما شريحة المنحدرين من بولندا فقد صوتت لصالح حزب الخضر.


علي كان
علي كان


انخفاض في الولاء للأحزاب

وفقاً للباحثين في مؤسسة كونراد أديناور، فإن التحركات في صناديق الاقتراع غالبا ما تُقيم إيجابياً. علماً أن هذه التحركات في الأصوات الانتخابية أصبحت تشهد تزايداً ملحوظاً بشكل عام لدى الناخبين من أصول غير مهاجرة أيضاً. وهو ما تراه الباحثة الاجتماعية ماير أيضا "إن الولاء للأحزاب انخفض، وأصبحت الأصوات مرتبطة بشكل كبير بالبرامج الانتخابية وما يناسب الناخبين بدلاً من انتخاب الحزب بحد ذاته، والذي غالبا من يكون مرتبطاً بمجموعاته الخاصة".

لكن يبدو أن الأحزاب لا تريد اغتنام هذه الفرصة. "فبالنسبة للأحزاب يشكل الناخبون من أصول مهاجرة مكسباً كبيرا للأصوات" حسبما ترى منظمة "مواطنون من أجل أوروبا" مشيرة إلى أن تحقيق ذلك مرهون بـ"أن تركز هذه الأحزاب في برامجهم الانتخابية على تطللعات مختلف الفئات من الناخبين".

بيد أن البرامج الانتخابية تعكس صورة مختلفة. إذ انتقد موقع "خدمة الإعلام والإندماج" الألماني البرامج الانتخابية مشيراً إلى أنه "بالنسبة لجميع  الأحزاب فإن التركيز في البرامج الانتخابية يكون بالدرجة الأولى على قضايا "النزوح واللجوء" عندما يتعلق الأمر بمواضيع الهجرة"، بينما نادرا ما تتناول الأحزاب في برامجها الانتخابية مواضيع مثل "فرص العمل والتعليم التي تخص شريحة كبيرة من المهاجرين".

يعيش في ألمانيا ولا يحق لهم الانتخاب!

وجدير بالذكر أن هناك مجموعة كبيرة لم تؤخذ بعين الاعتبار ولا تقل حجماً عن الناخبين من أصول مهاجرة. وهي فئة المهاجرين الذين يعيشون في ألمانيا ولا يحق لهم التصويت، لعدم امتلاكهم جوازاً ألمانياً. يقدر حجم هذه الفئة بنحو 8.7 مليون شخص، من بينهم الكثير من اللاجئين الذين وصلوا إلى ألمانيا.

أحمد مبيض هو واحد من هؤلاء اللاجئين. قدم مبيض من سوريا إلى ألمانيا في عام 2015، "من المحبط جداً عدم السماح لنا بالتصويت والمشاركة في الانتخابات، حتى عندما يتعلق الأمر بالمواضيع التي تخص اللاجئين" يقول مبيض في حوار خاص لـ DW.

ليست ألمانيا هي البلد الوحيد الذي يسمح فقط للأشخاص الذين يحملون الجواز السفر الألماني بالمشاركة في الانتخابات. علماً أنه، قليلة هي الدول التي لا يرتبط فيها حق التصويت بجنسية البلد. وهو ما يدفع مبادرات كثيرة للمطالبة بإعادة التفكير في ذلك.

ويرى مبيض أن الجنسية الألمانية سيتم منحها لكثير من السوريين. وهو ما سيتيح لهم إمكانية المشاركة في الإنتخابات "لا توجد جهود كافية لفهم ما يحتاجه السوريون ويأملونه في الانتخابات المقبلة". ويشير إلى أن أي مساهمة للاعتراف بحقوق اللاجئين في الانتماء والمشاركة بجدية في صنع القرار هو مكسب كبير. "فالتهميش مؤلم ويدفع بالابتعاد عن الحياة السياسية بشكل سلبي".

ويرى مبيض أن السياسيين من أصول مهاجرة يمكن أن يكون لهم دور كبير في ذلك. وهذا ما دفعه لإطلاق ما يعرف بـ"بلدك ألمانيا""Dein Almanya". وهو عبارة عن قاعدة بيانات تضم أسماء المرشحين للانتخابات الألمانية ولكن من أصول مهاجرة. حتى الآن، نسبة تمثيل هؤلاء الأشخاص منخفضة جدا في البرلمان الألماني. فمن بين 709 برلمانيا في البوندستاغ هناك 58 عضوا من أصول مهاجرة فقط.

 

كاي الكساندر شولتس

 

للمزيد