عائلة مهاجرة من أفغانستان، اعترضتها قوات الأمن التركية بعد عبورها بشكل غير قانوني إلى تركيا، تنتظر مصيرها في مدينة فان الحدودية الشرقية في 22 أغسطس 2021.| REUTERS/MuradSezer
عائلة مهاجرة من أفغانستان، اعترضتها قوات الأمن التركية بعد عبورها بشكل غير قانوني إلى تركيا، تنتظر مصيرها في مدينة فان الحدودية الشرقية في 22 أغسطس 2021.| REUTERS/MuradSezer

يعيش الأفغان في تركيا في خوف كبير، إذ أن كراهية الأجانب في أعلى مستوياتها على الإطلاق، حيث يتم إلقاء اللوم على المهاجرين في العديد من مشاكل البلاد. ويحاول السياسيون الاستفادة من تلك المشاعر السلبية.

تستضيف تركيا أكبر عدد من المهاجرين في العالم منذ عام 2016 ، عندما أبرمت صفقة مع الاتحاد الأوروبي للمساعدة في حل ما يسمى بأزمة اللاجئين مقابل المال. يُعتقد أن ما يقرب من خمسة ملايين لاجئ، فر معظمهم من سوريا، يعيشون في البلاد. في أحسن الأحوال، كان استقبالهم مختلطاً مع انتشار كراهية الأجانب ضد الأشخاص من أصل عربي في تركيا.

كان قد أدى عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد في السنوات الأخيرة، والذي تفاقم بشكل كبير بسبب جائحة كورونا، إلى تفاقم الأمور، مع تصاعد انخفاض قيمة الليرة التركية والتضخم الذي يؤثر على كل أسرة تقريباً.

على سبيل المثال، تضاعف سعر الحليب خلال العقد الماضي، وفقاً لاستطلاع ستاتيستا، وتم إدخال نوع أقل بكثير من الخبز المغذي في المتاجر في محاولة لمواكبة ارتفاع الأسعار.

يشعر العديد من الأتراك بالغضب لأن المهاجرين واللاجئين يحتفلون بحريتهم الجديدة مثل هؤلاء الأفغان في إزمير، بينما يضطر المواطنون الأتراك إلى مواجهة أزمة اقتصادية كبيرة | Photo: Uygar Ozel/Imago
يشعر العديد من الأتراك بالغضب لأن المهاجرين واللاجئين يحتفلون بحريتهم الجديدة مثل هؤلاء الأفغان في إزمير، بينما يضطر المواطنون الأتراك إلى مواجهة أزمة اقتصادية كبيرة | Photo: Uygar Ozel/Imago

في الوقت الحالي، يعبّر بعض الأفراد بشكل علني وصريح عن رفضهم للأوضاع، مستخدمين المهاجرين كـ "كبش فداء". إذ يمكن رؤية الاستياء العام ضد المهاجرين واللاجئين على شاشات التلفزيون الوطنية الأسبوع الماضي عندما بدأ الآلاف من مشجعي كرة القدم يهتفون "لا نريد أي لاجئ" في بلادنا "خلال مباراة تأهيلية لكأس العالم.

كبش فداء للاقتصاد الفاشل

أظهر استطلاع نشرته منظمة استطلاعات الرأي التركية أكسوي أن 85 في المائة من المستطلعين كانوا "قلقين" بشأن احتمال تدفق جماعي آخر للمهاجرين - هذه المرة سيكون التدفق من الأفغان الفارين من طالبان الذين سيطروا على البلاد الشهر الماضي بعد 20 عاماً من الحرب.

من جهتها، تقول دنيز سينول سيرت من جامعة أوزيجين في إسطنبول إن هذا الشعور العدائي ضد المهاجرين واللاجئين بشكل عام من المرجح أن يستمر " طالما استمرت هذه المنافسة على الموارد" في اقتصاد تركيا الفاشل.

وأضافت أن هذا الوضع سيظل أيضاً قضية سياسية رئيسية لسنوات قادمة.


يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يسير على خط رفيع بين السياسات الحزبية ومصالحه الخاصة
يحاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يسير على خط رفيع بين السياسات الحزبية ومصالحه الخاصة

وقد بدأ الآن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان - الذي حث الأتراك ذات مرة على أن يكونوا "متعاطفين" مع أولئك الذين يبحثون عن مأوى- يؤكد أن واحداً من كل 18 شخصاً في البلد بالفعل لاجئ أو مهاجر، مشيراً بشكل غير مباشر إلى تزايد التسلل الأجنبي إلى البلاد.

ويبدو أن الرئيس يستخدم الهجرة كأداة مساومة سياسية في الداخل والخارج: فمن ناحية، أخبر الغرب أن تركيا ليست على استعداد لأن تصبح "مخزناً للاجئين" في أوروبا، بينما أشار من ناحية أخرى إلى أن تركيا بحاجة إلى اتفاق آخر مع الاتحاد الأوروبي من أجل النظر في التعاون.

من جهة، قد يملأ هذا خزائن الحكومة في الوقت الحالي، ولكن مع اقتراب تركيا من "الفساد الشديد" وفقاً لتقرير أحدث مؤشر مدركات الفساد العالمي (CPI)، قد لا تدوم هذه الأموال لفترة طويلة.

المهاجرون الأفغان غير النظاميين مرعوبون من القبض عليهم واحتجازهم من قبل قوات الأمن التركية ، كما يظهر هنا خلال عملية في مدينة فان الحدودية | Photo: REUTERS/Murad Sezer<br>
المهاجرون الأفغان غير النظاميين مرعوبون من القبض عليهم واحتجازهم من قبل قوات الأمن التركية ، كما يظهر هنا خلال عملية في مدينة فان الحدودية | Photo: REUTERS/Murad Sezer<br>


الخطاب المناهض للمهاجرين

لكن في الساحة السياسية، ليس أردوغان وحده هو الذي يستخدم مشاعر كراهية الأجانب هذه، حيث انخفضت معدلات موافقته إلى 38 في المائة، وفقًا لاستطلاعات الرأي التركية Metropoll، في أعقاب سلسلة من الفضائح السياسية بالإضافة إلى سوء إدارة الأموال العامة.

بعد ما يقرب من عقدين من الزمن بوجود أردوغان في السلطة إما كرئيس للوزراء أو كرئيس، تستغل المعارضة في تركيا هذا الزخم لرفع علم كراهية الأجانب أيضاً. وقد علق حزب الشعب الجمهوري (CHP) لافتات على المباني في المدن الكبرى تظهر زعيمهم كمال كيليشدار أوغلو معلنة: "حدودنا تساوي شرفنا".

الحزب، الذي أسسه مصطفى كمال، مؤسس تركيا الحديثة، متجذر في الكبرياء القومي لكنه حول صورته من النخبوية إلى الشعبوية في محاولة للعودة إلى السلطة في الانتخابات العامة المقبلة في عام 2023. ومن أجل استقطاب الناخبين، فقد أصبح الحزب معادياً بشكل متزايد للمهاجرين في خطاباته، في محاولة لتوحيد كل من المحافظين الدينيين والتقدميين المعتدلين تحت سقف واحد.

قال زعيم المعارضة كمال كيليشدار أوغلو إنه يعارض بشدة وجود لاجئين في تركيا | Photo: Picture-alliance/dpa/AA/A.Ozcan
قال زعيم المعارضة كمال كيليشدار أوغلو إنه يعارض بشدة وجود لاجئين في تركيا | Photo: Picture-alliance/dpa/AA/A.Ozcan

كما أن حزب الشعب الجمهوري المناهض بشدة للهجرة والذي يسيطر على مدن مثل اسطنبول وأنقرة، يستغل الوضع بكل ما لديه من قوة. فمكتب محافظ اسطنبول يعلن عن توقيفات شبه يومية لأفغان ومهاجرين آخرين في أوضاع غير قانونية ووضعهم في مراكز اعتقال. وفي الوقت نفسه، فإن أقل من واحد من كل عشرة مهاجرين الموجودين حالياً في تركيا ينحدرون من أفغانستان.

وبحسب ما ورد فقد أُعيد العديد من اللاجئين السوريين إلى سوريا بعد هذه العملية التي قامت بها الشرطة - بغض النظر عن الخطر الذي قد يواجهونه هناك. إذ تحدثت منظمة العفو الدولية في عام 2019 مع لاجئين نُقلوا بشكل غير قانوني من تركيا وأعيدوا إلى سوريا دون وجود ما يسمى بـ "المنطقة الآمنة". فيما تزعم تركيا أنهم عادوا طواعية.

حرب المقاطع الصوتية

يدافع أحد نواب حزب الشعب الجمهوري- فرع اسطنبول برقاي دوزجه عن نهج حزبه وخطابه المناهض للمهاجرين مع اقتراب الانتخابات العامة المرتقبة في حزيران/يونيو 2023 على أبعد تقدير. وقال لوكالة فرانس برس "لا نقول إن هؤلاء الأشخاص يجب أن يسلموا إلى طالبان" لكن "المسألة هي معرفة ما يمكننا تقديمه (للوافدين الجدد) الذين يصلون". وأضاف "تركيا ليست غيتو للمهاجرين".

في هذه الأثناء، يبدو أن بعض السياسيين يفضلون التحول إلى الترويج الصريح للخوف، حيث كتب لطفي توركان نائب رئيس حزب الخير (IYI) المحافظ، الذي يتعاون مع حزب الشعب الجمهوري في المعارضة، على حسابه في تويتر أنه من بين اللاجئين الأفغان قد يكون هناك متطرفون إسلاميون.

ونقلت محطة أودا تي في الخاصة عنه قوله علنا ​​"إن السوريين ليسوا كافيين على ما يبدو والآن الأفغان يأتون أيضا".

الأفغان في حالة قلق وخوف

يبدو أن المشاعر المعادية للأجانب من مختلف الأطراف تتردد في شوارع اسطنبول، أكبر مدينة في تركيا ويبلغ عدد سكانها الرسمي 15.5 مليون نسمة. كانت هناك عدة احتجاجات ضد اللاجئين في كل من اسطنبول والعاصمة أنقرة، حيث قام الأتراك بتخريب الأعمال التجارية التي يديرها الأجانب مؤخراً.

يزعم محمد أمين، وهو من سكان إسطنبول المحليين، أن وجود المهاجرين في المدينة يؤدي إلى ارتفاع أسعار الإيجارات، وقال لوكالة فرانس برس: "يجتمع عشرة أو 15 منهم ويتشاركون شقة" مضيفًا أنه لا يرغب بوجودهم. فيما يشهد الجانب الآخر من البلاد في بلدة فان، حيث يعبر معظم المهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد، عداء متصاعداً. 

قال سلامي كي، صاحب متجر يبلغ من العمر 48 عاما في فان، لرويترز إنه على أوروبا أن تستقبل المهاجرين الأفغان، مضيفاً أن المجتمع المحلي يشعر بالإرهاق من التأثير الذي أحدثوه. "دعهم يذهبون إلى مكان آخر. نحن لا نهتم بهم".

ولا يختلف الحال بالنسبة لبعض الأفغان الذين يتواجدون في تركيا منذ عقود. ففي اسطنبول، قال حبيب أوزبك، صاحب متجر صغير مولود في أفغانستان، لوكالة فرانس برس إنه يشعر بالضغط رغم أنه حصل على الجنسية التركية في عام 1993: "سواء كان ذلك في حافلة أو في الشارع، الناس يشيرون ويقولون: الأفغان هنا."


يبقى الابتعاد عن الأضواء والاختباء هو الحل الوحيد للأفغان القادمين إلى تركيا بطرق غير نظامية | Photo: Reuters/Murat Sezer
يبقى الابتعاد عن الأضواء والاختباء هو الحل الوحيد للأفغان القادمين إلى تركيا بطرق غير نظامية | Photo: Reuters/Murat Sezer

كما أن الوافدين الجدد ليسوا محظوظين. إذ قال غوس الدين مبارز البالغ من العمر 20 عاماً إنه يقضي أوقات مضطربة ويشعر بالقلق من إعادته إلى أفغانستان، وعلى الرغم من أنه قد شعر في البداية بالترحيب في تركيا عندما فر من مدينة قندوز شمال شرق أفغانستان قبل عامين تقريباً. إلا أن الأمور قد تغيرت عندما بدأت الشرطة في اعتقال الأفغان ووضعهم في مراكز الترحيل.

وقال مبارز لوكالة فرانس برس "عندما جئت إلى تركيا لأول مرة، كان الأمر سهلاً. الآن الأمر صعب للغاية، حيث نعيش في خوف أينما ذهبنا.

"نحن خائفون من إلقاء القبض علينا وإعادتنا إلى أفغانستان. طالبان استولت على كل ما لدينا.. نحن يائسون."

 

للمزيد