بالا رامالي، مهاجر من أصول هندية، يعيش في ألمانيا منذ عام 2000، تلقى خطابا عنصريا بعد ترشحه للانتخابات في هانوفر
بالا رامالي، مهاجر من أصول هندية، يعيش في ألمانيا منذ عام 2000، تلقى خطابا عنصريا بعد ترشحه للانتخابات في هانوفر

ليست الحوادث العنصرية المرتبطة بالانتخابات البرلمانية الألمانية لسنة 2021 بجديدة، فقد سبق للعديد من السياسيين ذوي الأصول المهاجرة أن عانوا من الأمر. تختلف ردود فعل المهاجرين حول التهديدات العنصرية التي تطالهم، لكنهم يتفقون على أن الرد الأقوى هو الاستمرار ومجابهة التطرف اليميني بالعمل والقانون لصون التنوع والديموقراطية.

 

لم يتوقع الدكتور بالا رامالي أن ترشحه ضمن لائحة حزبه قد تجعله عرضة لموقف عنصري، إلا أنه تفاجأ ببطاقة بريدية تتضمن ملصق المرشحين في هانوفر باسم الحزب الديمقراطي الاشتراكي SPD خلال الانتخابات الجهوية قبل شهرين، تم التشطيب فيها على صور المرشحين ذوو الأصول المهاجرة.

هذه الحركة العنصرية اتجاه المرشحين ذوو الأصول المهاجرة للانتخابات خلال الحملة الانتخابية للحزب، لم تأت من مجهول، بل من شخص ألماني أرفق الصورة برسالة تحمل اسمه وعنوانه. وقال فيها "لدي منزل به 12 شقة. كل الألمان طيبون. الكل يصوت لصالح البديل. لا إيجار لغير الألمان".

"التشبت بالحرية والديمقراطية هو الحل"

الدكتور بالا رامالي، من مواليد عام 1977، هندي الأصل. قدم منذ سنة 2000 إلى ألمانيا كمهاجر، واستقر منذ ذلك في هانوفر، وعمل في جامعتها دكتوراً متخصصاً في علم النباتات. قام بمشاركة بنشر التهديد كما وصله على حسابه فايسبوك، وقام بحجب اسم وعنوان المرسل وأرفق الصور بما مضمونه:

"لا أحد يستطيع أن يسلب قيمنا من الديمقراطية والتسامح والاحترام، بغض النظر عن مكان ولادته، وشكله أو الدين الذي ينتمي إليه، أو طريقة الحياة التي اختارها، باستثناء أنصار حزب البديل من أجل ألمانيا! سنستمر في مقاومة العنف والتمييز بكافة أشكاله ونعارضه بفاعلية!"

كما طلب رامالي في تدوينته من يحق لهم التصويت في هانوفر بإعطاء أصواتهم للمرشحين والأحزاب التي تحافظ على القيم الديموقراطية والإنسانية. وأضاف "من فضلك لا تعطي صوتك لحزب البديل من أجل ألمانيا أو لأحزاب ذات أيديولوجيات مماثلة أو التي تعرض حريتنا وديمقراطيتنا للخطر".

وفي تصريح لمهاجر نيوز، أوضح الدكتور رامالي أنه لم يستعن بالشرطة بعد التصريحات اليمينية المتطرفة التي تلقاها قبل الانتخابات الإقليمية. وقال"لم أشتكي إلى الشرطة لأن الأخبار انتشرت في جميع وسائل الإعلام المطبوعة ووسائل التواصل الاجتماعي على أي حال".

وعن ما سببته له هذه الخطوة من شخص يرفض مجتمع المهاجرين، رد بالا قائلا "لن أخاف وأختبئ أبدًا من مثل هذه الأقليات التي لديها آراء غير مقبولة حول أسلوب الحياة في ألمانيا. الحرية المكتسبة هنا ضحى الآلاف والملايين بحياتهم من أجلها".


واعتبر المتحدث أنه من واجب كل ديمقراطي أن يدافع عن هذه الحرية الثمينة من خلال القدرة على الاستمرار في عيش الحياة التي يريدها المرء في هذا المجتمع دون خوف أو تهديد. ووجه كلاما لمجتمع المهاجرين قائلا "رسالتي لكل من سيشارك في الانتخابات المقبلة، أرجو منك الإدلاء بصوتك ضد التطرف اليميني والعنصرية والتمييز من أي نوع، آمل منك التصويت للديمقراطية".

"الحوادث العنصرية جزء من مصاعب الاندماج"

حسب تقرير حول التنوع في السياسة الألمانية ومدى حضور المهاجرين نشر على جريدة دويتشلاند فونك، فقد أحصت الشرطة أكثر من 3000 هجوم بدوافع سياسية على مسؤولين ومنتخبين في ألمانيا في عام 2020، أي ما يقرب من ضعف عدد الحوادث العنصرية في العام السابق. حدثت معظم الهجمات لفظيًا أو من خلال خطاب الكراهية على الإنترنت أو من خلال رسائل البريد الإلكتروني التهديدية، وتم أيضًا تسجيل 89 حالة عنف.

ومن بين الأشخاص الذين استقينا رأيهم حول ما يتعرض له السياسيون من خلفيات مهاجرة من عنصرية، كانت لمياء قدور، مرشحة لهذه الانتخابات باسم حزب الخضر وتعتبر من أشهر شخصيات حزب الخضر من ذوي الأصول المهاجرة.

لمياء قدور، مرشحة من مرشحي حزب الخضر للانتخابات المقبلة بألمانيا، تنحدر من أصول سورية
لمياء قدور، مرشحة من مرشحي حزب الخضر للانتخابات المقبلة بألمانيا، تنحدر من أصول سورية

واعتبرت قدور في حوار سابق مع مهاجر نيوز أنه "لدى المتطرفين اليمينيين تحفظات كبيرة على اللاجئين، خاصة إذا كنت ترغب في الانخراط في السياسة. حتى في المجتمع، هناك العديد من التحيزات ضد الأجانب، كل الدراسات تؤكد ذلك".

وأكدت المتحدثة أن "اللاجئون يواجهون بالتأكيد صعوبة خاصة في الاندماج في السياسة الألمانية والخطاب الألماني. لكن هذا لا يؤثر فقط على اللاجئين، بل إنه يؤثر أيضًا على الألمان من أصول مهاجرة، مثلي. أنا أيضًا أشعر بهذه التحفظات، على الرغم من أنني ولدت وترعرعت في ألمانيا. لكن الكثير من المهاجرين وكذلك أبناؤهم وأحفادهم بقوا خارج السياسة الألمانية لسنوات عديدة".

وشرحت قدور أن ألمانيا تجد صعوبة في اعتبار نفسها بلدًا للهجرة ومجتمع هجرة، لكن هذا هو الواقع. يمكنك تجاهل هذه الحقيقة لفترة من الوقت، لكن ليس على المدى الطويل. هذا هو السبب في أن التنوع الذي لدينا يجب أن ينعكس في البرلمانات. نحن فقط في بداية طريق التغيير، ويحاول العديد من الأشخاص بمن فيهم أنا، المشاركة في هذا التغيير.

من جهته، قال حسن حسين، خبير في الشؤون الألمانية في تصريحات لمهاجر نيوز، أنه "من الأسباب الأساسية التي أدعو بسببها المهاجرين واللاجئين لولوج السياسة هو مكافحة العنصرية والتطرف". رغم أنها تبقى حالات قليلة إذا ما تم مقارنتها مع ما يتلقاه الأشخاص ذوو خلفيات مهاجرة من قبول سواء داخل الأحزاب أو المجتمع، إلا أن حالات التهديد والشتائم التي ينفذها اليمين المتطرف ضد السياسيين ذوو الخلفيات المهاجرة تبقى شيئا سلبيا للغاية في رأي حسين.

حسن حسين خبير في الشؤون الألمانية
حسن حسين خبير في الشؤون الألمانية

ويرى المتحدث أنه على مجتمع المهاجرين "مواجهة هؤلاء وفضحهم وكشفهم وجعلهم يفهمون أنهم ليسوا سوى أقلية في هذا المجتمع على هامشه وليسوا في قلبه"، والدعوة للترشح أو الانتماء السياسي أو ممارسة حق التصويت هي "دعوة لتقديم هذه الفئة العنصرية من اليمينيين المتطرفين لنقول لهم نحن الأغلبية هنا وأنتم الأقلية".

"التراجع لا يخدم مصلحة مجتمع المهاجرين"

بينما جابه بالا راماني العنصرية وتصدى لها بصوت مسموع عبر كل الوسائل المتاحة مثله مثل العديد من السياسيين الألمان من أصول أجنبية، تأثر مرشح آخر وقرر سحب الترشيح نهائيا خوفا من تنفيد التهديدات التي وصلته، ويتعلق الأمر بطارق الأوس، اللاجئ السوري الذي ترشح للانتخابات مع حزب الخضر.

انسحاب أثار تضامناً كبيراً من مختلف شرائح المجتمع الألماني وتداولته وسائل الإعلام الوطنية والعالمية وسلط الضوء على ما يعانيه السياسيون الألمان من خلفيات مهاجرة، وصار بسببه اسم طارق الأوس أشهر من قبل. لكن لم يكن الجميع مع هذا القرار، رغم التبريرات التي قدمها الأوس.

ومن نماذج المهاجرين الجدد الذين قرروا خوض عالم السياسة في ألمانيا، الصيدلانية منال الجندي، التي قدمت إلى ألمانيا منذ سنة 2010، وانتمت لحزب سياسي بهدف الدفاع عن حقوق اللاجئين والمهاجرين والمساهمة في تغيير الصورة النمطية عنهم.

منال الجندي
منال الجندي

وتعتبر الجندي أن "التطرف السياسي موجود فعلا، لكن الإعلام الألماني في الكثير من الأحيان يغذيه"، معللة قولها بأنه يتم التركيز دائما على النماذج السيئة من المهاجرين أو اللاجئين، بينما يتم التغاضي عن النماذج الناجحة فعلا والتي حققت الكثير من التقدم واندمجت بشكل جد إيجابي وتساهم في تطور مختلف المجالات في ألمانيا".

وقالت منال الجندي أنها إن تعرضت لهذا الموقف، أي تهديدات عنصرية بسبب نشاطها السياسي، فإنها "لن أنسحب ولن أخاف أبدا، بل سأواجهه بكل ثقة وقوة. هدفي هو تغيير صورة خاطئة حول المهاجرين واللاجئين، وخاصة المرأة المسلمة المحجبة، لن أتراجع خوفا من تهديد من يرفض التنوع داخل هذا المجتمع بل سأواجهه. يجب أن نقاوم أكثر كمجتمع مهاجرين، كما لابد للألمان أن ينفتحوا أكثر".

من جهته، اعتبر حسن حسين، الخبير بالشؤون الألمانية، أن هذه الحوادث لن تؤثر كثيراً ولن تثني الكثيرين على الاستمرار في عملهم واندماجهم إلا إذا كانت فعلاً تهدد حياة الشخص المعني بالأمر. "كثيرون مروا بهذه التجربة للأسف، لكنهم تصدوا لها وضحكوا منها، لأنهم اعتبروا أن نجاحهم هو ما يدفع المتطرفين لمثل هذه الهجمات عليهم".

وأوضح الخبير أن الظاهرة برزت بشكل أقوى بعد صعود حزب البديل "الذي لا تتضمن أجندته سوى العداء للمهاجرين أو لأوروبا أو للمسلمين، ولا يقدم أي بديل للسياسات الاجتماعية أو الاقتصادية، إلا بديلا "قبيحا" يجب مقاومته فعلا".

 

ماجدة بوعزة

 

للمزيد