الطبيب اليوناني بافليس بافليديس في مكتبه في مستفى ألكسندروبولي شمال شرق اليونان. الصورة: دانا البوز/ مهاجرنيوز
الطبيب اليوناني بافليس بافليديس في مكتبه في مستفى ألكسندروبولي شمال شرق اليونان. الصورة: دانا البوز/ مهاجرنيوز

في منطقة إيفروس الحدودية بين اليونان وتركيا، يعبر المهاجرون الغابات والسهول مخاطرين بحياتهم. يلقى البعض مصرعهم بعيدا من الأنظار، في مناطق نائية أو في نهر يمتد أكثر من 200 كيلومتر. الطبيب الشرعي، بافليس بافليديس، يسعى إلى إيجاد هوية المتوفين وفهم أسباب الوفاة قبل دفنهم. عمله المستمر منذ 20 عاما يسمح لبعض العائلات بالعثور على أحبائهم ومعرفة مصيرهم.

داخل مكتب تتكدس فيه الملفات والصناديق الصغيرة وعلى كرسي جلدي كبير، يجلس الطبيب الشرعي بافليس بافليديس مقابل شاشتي حاسوب.

في مستشفى مدينة ألكسندروبولي شمال اليونان، على بُعد عشرات الكيلومترات من تركيا، يمسك الطبيب هاتفه ليرى إن وصلته رسالة من عائلات وأفراد يبحثون عن دليل يرشدهم إلى معرفة مصير أقرباء فقدوهم في المنطقة.

أثناء عبور نهر إيفروس الحدودي من تركيا إلى اليونان، يخاطر المهاجرون بحياتهم بين الغابات والجبال. ويلقى البعض مصرعهم، في مناطق شبه نائية تكسوها الأشجار ولا تزورها سوى بعض الحيوانات.

للمزيد>>> عنف وحدود محصنة بين اليونان وتركيا.. "لا أحد يعلم حقيقة ما يجري في نهر إيفروس"

"أبحث عن أخي الذي غرق ربما في نهر إيفروس، في 22 آب/أغسطس 2021. أخبرتني في 7 أيلول/سبتمبر أنكم عثرتم على جثة واحدة فقط. هل وجدتم جثثا أخرى منذ ذلك الحين؟". يضيف الشاب في رسالته المرسلة إلى الطبيب يوم الأحد الماضي، "أتوسل إليك أن تساعدني في العثور على أخي حتى نتمكن من دفنه بكرامة".

خلال 20 عاما من عمله طبيبا شرعيا، عاين بافليديس 500 جثة تعود لمهاجرين، "عندما يجد حرس الحدود جثة ما يأخذون صورا ومن ثم يرسلونها إلى مستشفى ألكسندروبولي" للتشريح ومعرفة أسباب الوفاة.

مهمة البحث عن هوية المهاجرين المتوفين

إلى جانب كرسي بافليديس، داخل المكتب الذي تراكمت فيه رائحة الدخان، تحتل مكتبة خشبية كبيرة جدار الغرفة، تملأ رفوفها صناديق وضع الطبيب اليوناني بداخلها سجلات عن مفقودين وبعض متعلقاتهم الشخصية.

عند وصول الجثث إلى مشرحة المستشفى، يبدأ الطبيب بالتحقق، "وضعت نظاما معينا منذ بداية عملي للتعرف على جثث المهاجرين في المنطقة. نحاول التعرف على هوية الضحية ومن ثم نضع كل المعلومات في سجلات. لكل جثة رقم يرتبط بمعلومات عن الحمض النووي للشخص". بعدها يعمل الطبيب بالتنسيق مع السلطات اليونانية لمعرفة إن كانت لديهم معلومات عن هوية المتوفى.

لا يقتصر عمل الطبيب اليوناني على معرفة أسباب الوفاة فحسب، بل يسعى إلى التعرف على هوية الضحية أيضا.

يهتم الطبيب بافليس بأدق التفاصيل ليتم عمله، "الإكسسوارات جزء مهم في التعرف على الهوية". يكمل الطبيب حديثه مع مهاجرنيوز وهو يشعل سيجارته، "من الممكن انقضاء أسابيع قبل أن تعثر السلطات على جثة المهاجر، وبذلك تكون الجثة تحللت وتغيرت ملامحها لاسيما الوجه، خصوصا في حالات الغرق". ويصبح من الصعب أن يتعرف أقرباء الضحية عليها.

اكسسوارات لمهاجرين فقدوا حياتهم أثناء عبورهم إيفروس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
اكسسوارات لمهاجرين فقدوا حياتهم أثناء عبورهم إيفروس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


يُخِرج أحد الظروف المرتبة من داخل صندوق، "مثلا، هذا خاتم وجدناه على جثة هذه المرأة، ساعد في تعرّف زوجها عليها".

لا يكتفي الطبيب الخمسيني بدليل واحد فقط للتوصل إلى نتيجة مؤكدة، "نعثر أحيانا على وثائق أو جواز سفر لكن لا نستطيع الاعتماد عليها كدليل مؤكد. يمكن للوثائق أن تكون مزورة، لذا يجب تحليل كل حالة ودراستها قبل التوصل إلى نتيجة".

من الأدلة الأخرى التي تساعد الطبيب على إتمام التحقيق هي العلامات المميزة على الجسد، مثل الندبات أو الوشوم.

عبر نافذة المكتب المغلقة دائما على رغم رائحة الدخان التي تعبق بالمكان، تقف حافظة مبردة فيها 25 جثة مهاجر مجهول الهوية. يقول "أحاول الاحتفاظ بالجثث أطول مدة ممكنة، لنحو عام في بعض الحالات. أحيانا أتلقى اتصالا من عائلة ما وأحصل على دليل جديد يساعدني في التعرف على هوية المتوفى".

لكن التوصل إلى هوية المتوفى يبقى أمرا نادرا وفق الطبيب. وترسل السلطات الجثث مجهولة الهوية إلى مقبرة خاصة بالمهاجرين في قرية صغيرة بين السهول والتلال تبعد حوالي 50 كيلومترا من مدينة ألكسندروبولي.

زيادة الوفيات في منطقة إيفروس

السجلات والصناديق المرتبة في مكتب الطبيب ليست ضمن المكتبة الضخمة فحسب، يضع بافليس نظارته بينما يبحث عن ملف على حاسوبه، فيه إحصاءات الوفيات في المنطقة.

خلال الأشهر التسعة الأولى من هذا العام تجاوز عدد الوفيات في منطقة إيفروس إجمالي عدد وفيات العام الماضي بأكمله. "وصل عدد الوفيات حتى الآن إلى 38 شخصا، ولم يأتِ فصل الشتاء بعد، حيث يزداد العبور صعوبة ويرتفع احتمال وفاة الأشخاص"، وبلغ عدد الوفيات العام الماضي 36 شخصا.

ذلك لا يشير إلى العدد الإجمالي الحقيقي لوفيات المهاجرين في هذه المنطقة، "لا ننسى أننا نتحدث هنا عن الوفيات في الجانب اليوناني من النهر. هناك بالتأكيد أعداد مماثلة على الضفة التركية، لكن للأسف ليست لدينا أية معلومات عن ذلك".

إضافة إلى أن هناك جثثا تبقى عالقة في أعماق النهر، لا يستطيع أحد رؤيتها خصوصا إذا كانت المياه ضحلة.

غرق وانخفاض حرارة وأسباب أخرى

أمام طاولته التي تتبعثر فوقها الأوراق، يطفئ الطبيب سيجارته في صحن مليء بأعقاب السجائر، شارحا لمهاجرنيوز أن أسباب الوفاة في المنطقة تتعدد.

حوادث الغرق في نهر إيفروس ليست أمرا نادرا "هناك تيارات قوية يمكنها جرف قوارب المهاجرين الصغيرة، يكفي أن تصطدم المراكب بجذع شجرة أو أي صخرة في النهر لينقلب القارب ويغرق المهاجرون على متنه". وفي فصل الشتاء ومع تراكم الأمطار، يرتفع منسوب مياه النهر ويصبح العبور أكثر خطرا.

مياه الجزء الجنوبي من نهر إيفروس ليست عميقة، لكنها ضحلة ومليئة بالطين إذ تستحيل السباحة فيها.

أحد ضفاف أذرع نهر إيفروس الحدودي بين اليونان وتركيا في الجنوب. الصورة: دانا البوز
أحد ضفاف أذرع نهر إيفروس الحدودي بين اليونان وتركيا في الجنوب. الصورة: دانا البوز


صحيح أن الغرق هو السبب الأول للوفاة، لكن في حالات أخرى يتعرض المهاجرون لحوادث سير، لاسيما أثناء العبور في سيارات تسرع في طرقات مخفية ووعرة بعيدا من سيارات الشرطة التي تجوب المنطقة.

يوضح الطبيب أنه في كثير من الحالات وبعد أن يعبر المهاجر النهر تبتل ثيابه، وفي الشتاء أو حتى الربيع والخريف تنخفض درجات الحرارة ليلا، "يجد الشخص مكانا مهجورا قرب النهر، فيدخل إليه لنيل قسط من الراحة، لكن تنخفض حرارته وينتهي به الأمر ميتا".

 

للمزيد