نساء أفغانيات حين استقبالهن من طرف مكتب رئيس الوزراء اليوناني بعد نجاحهن في الوصول إلى اليونان
نساء أفغانيات حين استقبالهن من طرف مكتب رئيس الوزراء اليوناني بعد نجاحهن في الوصول إلى اليونان

اضطررن للهرب خوفاً على حياتهن وأفراد أسرهن، مباشرة بعد إحكام حركة طالبان السيطرة على البلاد. والسبب أنهن كن نساء يرفعن أصواتهن ضد الظلم والتمييز والفساد في المجتمع الأفغاني. برلمانية وقاضية ضمن مجموعة من النساء اللواتي تمكن من الإفلات من انتقام حركة طالبان، يروين قصة هروبهن من بلدهن نحو أوروبا مكرهات.

 في انتظار قبول طلبهن في اللجوء لأمريكا أو بريطانيا حيث يتواجد أفراد من أسرهن أو حتى إلى كندا، تعيش نساء وضعية مادية صعبة، خاصة أنهن مرفقات بأسر من بين أعضائها أطفال أو نساء ورجال مسنون يحتاجون أدوية ورعاية خاصة، وبعد نفاذ ما كن يتوفرن عليه من أموال، اضطررن اليوم للاستعانة بطلبات التبرع للصمود خلال رحلة العبور من أفغانستان نحو بلد ثالث. هكذا هو تماماً حال الأفغانتيت حميرى أيوبي وهوما علي زوي.

 فبعد تظافر جهود العديد من الأشخاص والمنظمات وسلطات بلدان خارج أفغانستان، تمكنت مجموعة مكونة من 6 نساء أفغانيات عاملات في المجال التشريعي، من النفاذ بحياتهن مرفقات بأسرهن. بلغ عدد الفارين في رحلتهن 56 فرداً، تركوا العاصمة كابول بعد وقت طويل من الاختباء وتغيير أماكن تواجدهن هربا من مصير قاتم على يد حركة طالبان، واتجهن نحو أوروبا مرورا بإيران.

يتواجدن اليوم في اليونان، تجاهد كل منهن في التعريف بقصة وطن عمه الظلام فجأة، وتحاولن الجهر بصوت الدفاع عن حقوق أفغانيات وأفغان ظلوا تحت الحصار، منهم أفراد من عوائلهم، لم يسمح لهم بالمغادرة نحو بر الأمان.

حميرى أيوبي، أستاذة وبرلمانية ومناضلة أفغانية اضطرت للخروج من أفغانستان بعد تلقي تهديدات
حميرى أيوبي، أستاذة وبرلمانية ومناضلة أفغانية اضطرت للخروج من أفغانستان بعد تلقي تهديدات

مناضلات.. في مجتمع حل به الظلام مجدداً!

إحداهن برلمانية أشادت بها سابقاً الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لعملها الدؤوب في مكافحة الفساد داخل أفغانستان، كانت عضوا فاعلا في الفترة التشريعية السادسة عشرة في برلمان أفغانستان. قبل هذا، كانت حميرى أيوبي أستاذة ومديرة في مختلف المدارس في بلدها، وناشطة حقوقية بارزة. لكن المسار السياسي جعلها تتفرد أكثر وجعل صوتها مسموعاً لدرجة إدراج اسمها في لائحة المطلوبين من قبل أعضاء حركة طالبان. 

أما الثانية، فهي هوما عليزوي، التي شغلت منصب قاضي محكمة التحقيق في جرائم العنف ضد النساء وجنوح الأحداث بالمحكمة العليا في أفغانستان. لكن منصبها لم يكن وحده من تسبب في تتبع أثرها من قبل حركة طالبان، بل لكونها كانت من أبرز مناضلات شبكة المرأة الأفغانية التي تأسست سنة 1995، وعرفت بنضالها من أجل تمكين المرأة الأفغانية والدفاع عن حقوقها في المساواة داخل البلد.

رحلة البحث عن الأمان!

قبل تغيير مكان تواجدها وهربها هي وأفراد أسرتها من منزلهم، تعرض أشقاء هوما عليزوي للضرب من قبل أربعة عناصر من حركة طالبان، أحدهم أصيبت ذراعه وآخر نزف أنفه كثيراً. كانت هذه طريقة أعضاء حركة طالبان لتسوية الحساب مع النساء المطلوبات، الوصول إليهن أو أفراد من العائلة والانتقام علناً.

في ظل استمرار التهديدات، اضطرت القاضية عليزوي إلى الاختباء رفقة عائلتها، وبدأت رحلة التخفي داخل مجموعة من المناطق في كابول. فالخوف من وصول عناصر الحركة لهم مرة أخرى، حرمهم من حرية التنقل، وجعل المخابئ أملهم في الحفاظ على سلامتهم.

وما عليزوي، قاضي محكمة التحقيق في جرائم العنف ضد النساء وجنوح الأحداث بالمحكمة العليا في أفغانستان
وما عليزوي، قاضي محكمة التحقيق في جرائم العنف ضد النساء وجنوح الأحداث بالمحكمة العليا في أفغانستان

تردد عناصر حركة طالبان على منزل عليزوي رغم أن الأسرة غادرته، فقد حذرها جيرانها من العودة إليه لأنه ظل تحت المراقبة وتعرض للتفتيش أكثر من مرة.

ولم يختلف حال أسرة البرلمانية حميرى أيوبي عن القاضية عليزوي أو غيرها من البرلمانيات اللواتي تمكن من الخروج من أفغانستان والنجاة، فقد اضطرت هي الأخرى لإخراج عائلتها من المنزل والبحث عن مخبئ فور سماع خبر سيطرة طالبان على كابول.

المقاتلون فتشوا منازل البرلمانين الأفغان في كل مدن البلاد، ولم يسلم منزل الأيوبي من ذلك، لكن من حظها أنها كانت قد اختفت هي وعائلتها منه. عندما لم يفلحوا في إيجادها، تلقت أيوبي مكالمات هاتفية تهديدية. لم يحدد المتصلون هوياتهم أو الجهة التي ينتمون إليها، وبينما تظهر أيوبي مقتنعة بأن عناصر حركة طالبان هم المتصلون، اعتبر ابنها الذي رافقها خلال الرحلة، أن عملها في البرلمان واستماتتها في محاولات فضح الفساد، جعلها عرضة لعداوات كثيرة إضافة لحركة طالبان.

المجتمع الدولي ومنظماته.. طوق النجاة!

لم تكن البرلمانيات زميلات أيوبي ولا القاضية عليزوي لينفذن بأرواحهن رفقة بعض أفراد أسرهن، لولا المجهودات الكبيرة التي بذلت من طرفهن أولا للوصول إلى المساعدة، وأيضا من قبل العديد من المنظمات غير الحكومية والمسؤولين الغربيين الذين قرروا التحرك من أجل مد يد العون في سبيل إخراجهن قبل عثور حركة طالبان عليهن.

نقابة المحامين الدولية في إنجلترا والاتحاد الدولي للقاضيات في أمريكا كانتا من عرضا المساعدة على القاضية عليزوي، وتمكنت فعلا نقابة المحامين من تحقيق وعدها وساعدتها في تفاصيل الخروج من البلد. كما استعانت البرلمانية أيوبي بالمنظمات الدولية التي سبق لها أن شاركت في برامجها وكان التواصل معها فعالا.

تمكنت النساء وأسرهن من الخروج من كابول إلى مزار الشريف في شمال أفغانستان، وبعد المرور بإيران، استطعن الوصول إلى اليونان حيث تم استقبالهن من طرف مكتب رئيس الوزراء ووزير الهجرة ومكتب الرئاسة. وهن اليوم في انتظار تدارس ملفات طلبات اللجوء في بلدان ثالثة.

حميرى أيوبي رفقة أفراد من أسرتها الذين تمكنوا من مرافقتها إلى اليونان
حميرى أيوبي رفقة أفراد من أسرتها الذين تمكنوا من مرافقتها إلى اليونان

أزمة خانقة في انتظار الفرج!

لتلبية الاحتياجات اليومية، وضعت العائلات طلباً للمساعدة على الانترنيت، حيث تعرف أيوبي بقصتها وتطلب الدعم لها ولغيرها.

تأمل أيوبي كما غيرها من النساء الأفغانيات الناجيات في نقل عائلتها إلى الاستقرار في مكان أكثر أمناً من أفغانستان، لكنها تؤكد أنها ستواصل القتال من أجل القضايا الأفغانية من الخارج، مذكرة بأن احتجاج الأفغانيات من أجل حقوقهن في في كابول ومدن أخرى، مدها بأمل كبير.

لقد نجحت هذه النساء في الخروج من أفغانستان، لكن طريقهن نحو الاستقرار والأمان مازال طويلا، وخلاله هم في حاجة ماسة للمساعدات.

م.ب

 

للمزيد