يقول الشبان الثلاثة إنهم نادمون على القدوم إلى أوروبا

Jelka Kretzschmar/Free Elhiblu3 Campaign
يقول الشبان الثلاثة إنهم نادمون على القدوم إلى أوروبا Jelka Kretzschmar/Free Elhiblu3 Campaign

أكثر من 30 جمعية حقوق إنسان ومنظمة غير حكومية تدعو لإطلاق سراح ثلاثة مهاجرين متهمين باختطاف سفينة كانت بصدد إعادة أكثر من 100 مهاجراً إلى ليبيا قبل عامين.

تصدرت قصة ثلاثة شبان من طالبي اللجوءالمعروفين باسم (إل هيبلو/ ElHiblu3) عناوين الصحف في مالطا وخارجها منذ أكثر من عامين حتى الآن. إذ يواجه الثلاثة اتهامات باختطاف السفينة التجارية (إل هيبلو)، التي كانت بصدد إعادة أكثر من مائة شخص على متنها إلى ليبيا، الدولة التي تعتبر على نطاق واسع بلداً خطيراً للمهاجرين مع سجل حافل من الانتهاكات الجسيمة بحقهم.

في 28 آذار/ مارس 2019، دخلت السفينة المياه المالطية، حيث صعدت القوات المسلحة المالطية إلى السفينة بعد تلقي تقارير عن سيطرة المهاجرين على السفينة. ألقي القبض على الفور على ثلاثة شبان تبلغ أعمارهم بين 15 و16 و19 عاماً ووجهت إليهم تهمة خطف السفينة.

وبموجب القانون المالطي، فإن لائحة الاتهام هذه تحمل نفس وزن ومعنى النشاط الإرهابي، ويعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 30 عاماً. في الوقت الحالي، ينتظر الشبان الثلاثة- اثنان منهم من غينيا وواحد من ساحل العاج- المحاكمة، وقد قدموا التماسات "غير مذنب" أمام المحكمة، قائلين إنهم عملوا كمترجمين نيابة عن جميع الأشخاص البالغ عددهم 108 على متن السفينة، ولم يكونوا هم من يقود العملية.

ومن المقرر أن تستمر جلسات الاستماع في القضية في نوفمبر/ تشرين الثاني. فيما أكد المستشارون القانونيون من جمعية المحامين الديمقراطيين الأوروبيين (AED)، من بين أمور أخرى، أن "الاتفاقات الدولية، التي تشمل الاتحاد الأوروبي، تصنف ليبيا بوضوح شديد، على أنها ليست مكاناً آمناً لإنزال اللاجئين والمهاجرين الذين يتم إنقاذهم".

منظمات غير حكومية تطالب بإسقاط القضية

وقد دعت جماعات حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية إلى إسقاط التهم الموجهة ضد الشبان الثلاثة.

وطالبت كذلك ثلاث منظمات مجتمع مدني محلية تعمل مع طالبي اللجوء بإسقاط التهم: "محاكمة أي شخص يقاوم العودة إلى بلد يوجد فيه خطر حقيقي تحريف للعدالة".

إلى جانب منظمة العفو ومنظمات المجتمع المدني المحلية هناك حوالي 30 مجموعة مماثلة تطالب بإسقاط التهم الموجهة ضد (إل هيبلو). من بين المنظمات غير الحكومية الثلاثين المشاركة منظمات معروفة مثل Alarm Phone وSea-Eye وSea-Watch وPro Asyl وLeave NoOne Behind.

تقول المنظمات المدافعة عن الشبان الثلاثة إن الحكومة المالطية تحاول أن تجعل من المتهمين عبرة لردع الآخرين عن الاحتجاج على ممارسة الإعادة إلى ليبيا.

وقالت المنظمات في بيان: "بدلاً من مقاضاتهم، يجب الاحتفال بمساهمتهم في منع عودة 108 شخص إلى ليبيا المحفوفة بالمخاطر...يشكل سجنهم ومقاضاتهم ظلماً كبيراً".

حتى أن الأمم المتحدة أصدرت بياناً في القضية، مستشهدة بمخاوف أمنية في ليبيا ودعت السلطات في مالطا إلى إعادة النظر في اتهامات الإرهاب الموجهة للشبان.

في هذه الأثناء، واصل وزير الداخلية المالطي التأكيد على الحاجة إلى تعزيز التعاون مع السلطات الليبية، على الرغم من أن البلد معروف بوجود انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان فيه.

يتلقى الشبان الثلاثة رسائل دعم يوميا
يتلقى الشبان الثلاثة رسائل دعم يوميا

تصاعد الضغط العالمي

انضمت لجنة دولية إلى تلك الدعوات، بحجة أن مالطا حرمت الشبان الثلاثة من محاكمة عادلة، وبالتالي انتهكت حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بهم. وتضم اللجنة الأكاديمي الكاميروني أشيل مبيمبي، ونيلز موزنيكس، المفوض السابق لحقوق الإنسان في مجلس أوروبا والمدير الحالي لمكتب أوروبا الإقليمي لمنظمة العفو الدولية، بالإضافة إلى ريجين بسيلا، مديرة جمعية الإعلام الإفريقي في مالطا.

وقالت بسيلا لـ (صحيفة تايمز أوف مالطا): "عندما يدلي شخص مثل أشيل مبمبي ببيان، يكون لذلك تأثير كبير.. وتنتقل القضية بذلك إلى مستوى مختلف". وأضافت أن "الهيئة هي صوت من لا صوت لهم، وهي سلطة خامسة قوية ملتزمة بالتحدث نيابة عن المظلومين".

محاكمة "مسيسة"

قال أصغر الشبان الثلاثة، البالغ من العمر الآن 17 عاماً، لصحيفة (صنداي تايمز أوف مالطا) إنه لم يتخيل له أبداً أنه سيجد نفسه في مثل هذا الموقف: "كل ما كنت أحلم به هو أن أجد الحرية، لكنني الآن أخشى أن أُسجن لبقية حياتي". وأضاف: "اللحظة الأخيرة التي شعرت فيها بنوع من الفرح كانت عندما لمست قدمي الأرض، بعد أن تم إنقاذها في البحر ... لكن لم يكن لدي أي فكرة عما ينتظرني على تلك الأرض". مضيفاً أنه شعر وكأنه يُستخدم كسلاح سياسي في معركة غير عادلة.

كما يشعر المتهمون الثلاثة بالقلق من أنهم قد يواجهون محاكمة غير عادلة. إذ حتى وقت قريب، لم تستمع المحكمة إلى أي من الأشخاص الذين أنقذهم القارب. وبعد عامين من المحاكمة، تم استدعاء عدد قليل من الشهود للإدلاء بشهاداتهم - بما في ذلك زوجة أحد المتهمين الثلاثة.

وقالت المنظمات الداعمة للشبان: "بينما تم الاستماع للشرطة وطاقم السفينة على الفور بعد وصول السفينة، لا يزال من غير الواضح لماذا استغرق الادعاء عامين لدعوة شخص تم إنقاذه بعد أن هرب من التعذيب والاغتصاب والعبودية في ليبيا للإدلاء بشهادته". .

اكتسبت حملة إطلاق (إل هيليو 3) اهتماماً عالمياً
اكتسبت حملة إطلاق (إل هيليو 3) اهتماماً عالمياً

مالطا ليست استثناء في دول الاتحاد الأوروبي

تقول جماعات حقوق الإنسان إن هذه الأساليب تتكرر في دول أخرى عبر الاتحاد الأوروبي أيضاً. وتشير تلك الجماعات إلى حالات تمت فيها محاسبة المهاجرين على أفعال من المفترض بحسب جماعات حقوق الإنسان أن يتم العفو عنها أو معاملتها على أنها ظروف استثنائية. كما تطالب تلك الجماعات الحقوقية بتحسين الإجراءات القانونية لضمان جلسات استماع عادلة.

وتقول المنظمات الداعمة للشبان إن العديد من مجموعات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية في إيطاليا تواجه تهماً بـ "المساعدة والتحريض على الهجرة غير الشرعية" على خلفية إنقاذ المنكوبين في البحر. "بينما نشهد كيف تواصل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والمؤسسات في خرق القانون الدولي من خلال عمليات صد عنيفة وكذلك أشكال من عدم المساعدة، يصبح المهاجرون الذين يحاولون الهروب من الظروف اللاإنسانية والمتضامنين معهم مجرمين".

حتى أن إيطاليا أصدرت حكما بالسجن 13 عاماً الشهر الماضي ضد دومينيكو "ميمو" لوكانو، رئيس بلدية رياتشي السابق في جنوب إيطاليا، والذي احتل عناوين الصحف العالمية لاستقباله المهاجرين في القرية في محاولة لتعزيز الوظائف والتنمية. إلا نه قد أُدين بسلسلة من الجرائم، بما في ذلك تهم التآمر وإساءة استخدام المنصب والاحتيال والابتزاز والاختلاس. ولا يزال لوكانو خارج السجن في الوقت الحالي، في انتظار نتيجة الاستئناف النهائي في المحاكمة.

دومينيكو "ميمو" لوكانو، رئيس بلدية رياتشي السابق في جنوب إيطاليا
دومينيكو "ميمو" لوكانو، رئيس بلدية رياتشي السابق في جنوب إيطاليا

وفي الوقت نفسه، في اليونان، حُكم على قاصرين بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة إحراق متعمد، في أعقاب ما تصفه منظمات حقوق الإنسان بالمحاكمة "غير عادلة للغاية"، والتي استمرت ليوم واحد فقط، ولم يقدم فيها دليل موثوق.

وهناك حالة أخرى في اليونان تذكرنا بمحنة (إل هيبلو3)، ففي كانون الأول/ ديسمبر 2020، أفادت التقارير أن مهاجراً صومالياً أخذ بنفسه زمام الأمور وقاد قارب مهاجرين قبالة جزيرة ليسبوس في بحر إيجه في محاولة يائسة لإنقاذ نفسه و33 شخصاً كانوا على متن السفينة. غير أن اثنين من المهاجرين قد لقوا حتفهم في البحر. وهو الآن في السجن، حيث حُكم عليه بالسجن 142 عاماً بتهمة تهريب البشر، ومن المتوقع أن يقضي منها 20 عاماً. ورفضت المحكمة قبول حجة الدفاع التي تجادل بأن المهاجر كان يقود القارب وبالتالي قد أنقذ أرواحاً وليس مستفيداً بأي شكل من الأشكال من هذا العمل، وهو ما ينبغي أن يعفيه من تهمة التهريب.

من جهته، قال فرانسوا كريب، الخبير في القانون الدولي والمسؤول الكبير السابق في الأمم المتحدة المعني بحقوق المهاجرين ، لصحيفة (نيويورك تايمز) إن "تجريم المهاجرين كوسيلة للردع أضحى استراتيجية منذ زمن".

انتقادات لاذعة

 تتصاعد الاتهامات ضد الأساليب القاسية للحكومة في مالطا، حيث بدأ المراقبون في تقديم شكاوى في حالات أخرى غير (إل هيلبو3). وكان المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين (ECRE) قد نشر تقريراً يقول إن المهاجرين احتُجزوا في ظروف "غير جيدة" في مراكز استقبال عدة في مالطا. وجاء في الوثيقة أن "مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان، دنيا مياتوفيتش، تحث بشدة السلطات المالطية على اتخاذ إجراءات فورية لتحسين ظروف الاحتجاز وتجنب تعريض الأشخاص المعرضين للخطر في البحر".

كما انتقد المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين المسؤولين المالطيين، بما في ذلك كبار السياسيين مثل رئيس وزراء البلاد ووزير الداخلية ومحامي الدولة بشكل لاذع، قائلاً إن العديد من المهاجرين المحتجزين "لم يتم إبلاغهم بشكل روتيني أبداً بحقهم في طلب اللجوء، ولم يتم إخطارهم أبداً.. أصدروا أمر اعتقال، ولم يشرح أحد على الإطلاق حقوقهم في طلب الإنصاف".

ومازال الشبان الثلاثة ينتظرون نتيجة محاكمتهم. وحتى ذلك الحين، يتعين عليهم أن يحضروا إلى مركز شرطة محلي يومياً لإثبات أنهم لا يحاولون الهروب من العدالة المالطية.

سيرتان ساندرسون/ر.ض

 

للمزيد