مهاجرون أمام مركز إيواء تابع لمفوضية اللاجئين على أطراف مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
مهاجرون أمام مركز إيواء تابع لمفوضية اللاجئين على أطراف مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز

وجد آلاف المهاجرين أنفسهم في جنوب شرق تونس دون أن يكون ذلك ضمن خططهم، البعض حاول الهجرة من سواحل غرب ليبيا لكن خفر السواحل التونسي اعترضهم وأعادهم إلى مراكز إيواء مكتظة جنوب البلاد، بينما عبر آخرون الحدود البرية الليبية التونسية هربا من "الجحيم الليبي" وظنا منهم أن تونس ستكون خيارا أفضل.

دانا البوز، موفدة خاصة إلى جنوب تونس

على دراجته الهوائية، يخرج قاسم* من بناء أبيض ذو طابق واحد يحرس مدخله رجلان، يشد قميصه الصيفي الخفيف قبل أن ينطلق على طريق ترابي بين أراض قاحلة وحقول زيتون. ثلاث سنوات مضت "دون جدوى هنا"، وفق الشاب الذي يعيش في هذا المركز الواقع على أطراف مدينة جرجيس الساحلية، وتديره مفوضية اللاجئين.

المرور في تونس لم يكن أساسا ضمن مخطط الشاب الصومالي الذي يبلغ من العمر 17 عاما. إذ قبل دخوله إلى تونس، حاول الهجرة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط انطلاقا من ليبيا ثلاث مرات. لكن أثناء محاولته الأخيرة للهجرة في عام 2019 من سواحل مدينة زوارة غرب ليبيا، اعترض خفر السواحل التونسي قاربه وأعاده برفقة 64 مهاجرا آخرين إلى تونس.

قارب مهاجرين في مرفأ جرجيس صادره خفر السواحل التونسي بعد اعتراض المهاجرين في المتوسط. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
قارب مهاجرين في مرفأ جرجيس صادره خفر السواحل التونسي بعد اعتراض المهاجرين في المتوسط. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


مهاجرون انتهى بهم الأمر في الجنوب التونسي على نحو عرضي

اعتراض الحرس البحري التونسي لمراكب المهاجرين المنطلقة من الدولة الجارة أمرا مألوفا، خصوصا وأن القوارب التي تنطلق بكثرة من غرب ليبيا، تمر قبالة السواحل التونسية أثناء محاولة بلوغ جزيرة لامبيدوزا الإيطالية أو جزيرة مالطا.

البحار التونسي، صلاح الدين، الذي يعمل صيادا قبالة سواحل جرجيس منذ أكثر من أربعين عاما، قال إنه بات يرى قوارب المهاجرين المتجهة إلى أوروبا، على نحو شبه يومي، في الأعوام الأخيرة. وأوضح خلال حديثه مع مهاجرنيوز أن "التيارات المائية قد تحرف وجهة قوارب المهاجرين وتجرفها إلى داخل المياه التونسية"، ما يرجح كشفها من قبل الحرس البحري التونسي.

خريطة قوارب المهاجرين المنطلقة من ليبيا باتجاه أوروبا وتمر قبالة السواحل التونسية
خريطة قوارب المهاجرين المنطلقة من ليبيا باتجاه أوروبا وتمر قبالة السواحل التونسية


وتحرص السلطات التونسية على اعتراض هذه القوارب، لاسيما مع الدعم المادي السخي الذي تتلقاه من الاتحاد الأوروبي لضبط حدودها البحرية ومنع المهاجرين ليس فقط من مغادرة سواحلها، وإنما أيضا من اعتراض القوارب المارة في مياهها والمتجهة نحو أوروبا. وبعد ذلك، تضع السلطات المهاجرين في مراكز إيواء مكتظة جنوب البلاد يشتكي فيها المهاجرون من سوء الأوضاع.

للمزيد: ازدياد عمليات اعتراض المهاجرين قبالة السواحل التونسية ومراكز إيواء مكتظة جنوب البلاد

لم يكن قاسم يتجاوز 14 عاما حينما عبر البحر وكان شاهدا على موت أربعة أشخاص كانوا معه على متن القارب نفسه. بابتسامة خجولة ارتسمت على وجهه الذي ملأته علامات حروق الشمس، قال لمهاجرنيوز "بعد أن هربت من مدينتي مقديشو مرورا يإثيوبيا والسودان حتى ليبيا، كان هدفي الوصول إلى إيطاليا عبر البحر لكن شاءت الأقدار أن ينتهي بي المطاف في تونس".

مركز إيواء على أطراف مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
مركز إيواء على أطراف مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


بحسب تقديرات الهلال الأحمر التونسي الذي يقدم الدعم لطالبي اللجوء واللاجئين في تونس، يوجد بين ثلاثة وأربعة آلاف مهاجر في ولاية مدنين، انتهى الأمر بالكثيرين في تونس "على نحو عرضي"، وفقا لتعبير رئيس فرع الهلال الأحمر في مدنين منجي سليم.

تونس.. المفر من الجحيم الليبي

أما بالنسبة إلى اللاجئ السوداني جمال*، فكان يرى في تونس الخيار الوحيد للهرب من الجحيم الليبي، "أمضيت عاما و4 أشهر في ليبيا حاولت خلالها عبور المتوسط مرتين، الأولى كانت من سواحل القره بولي في شهر حزيران/يونيو من العام 2018 على متن قارب حمل 130 شخصا. كنا دخلنا إلى المياه الإيطالية لكن خفر السواحل الليبي قبض علينا قبل الوصول إلى البر الإيطالي وأعادنا قسرا إلى ليبيا"، يكمل حديثه وكأن المآسي تحولت إلى أمر اعتيادي قائلا، "خلال الرحلة غرق نصفنا تقريبا، أعتقد أنهم فارقوا الحياة".

أمضى الشاب نحو شهر في مركز احتجاز تاجوراء قبل أن يتمكن من الخروج، وحاول الهجرة عبر البحر من سواحل الخمس، مرة أخرى في عام 2019، لكن المحاولة باءت بالفشل أيضا وأمضى بعدها خمسة أشهر في سجن غير رسمي.

لم يكن أمام الشاب الثلاثيني خيارات كثيرة، فالعودة إلى السودان تعني الموت بالنسبة إليه، وكان يعتقد أنه سينهي ربما صفحة مآسي الجحيم الليبي، عندما يهرب إلى تونس. ففي حزيران/يونيو من العام الماضي، عبر الشاب الحدود البرية بين البلدين وقطع الصحراء وصولا إلى مدينة بن قردان التونسية.

مدن جنوب شرق تونس الحدودية مع ليبيا. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
مدن جنوب شرق تونس الحدودية مع ليبيا. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


عامان وأربعة أشهر مضوا على وجوده في مدينة جرجيس التونسية حيث يعيش في المركز التابع لمفوضية اللاجئين، مدة جعتله يدرك أن بدء حياة مستقرة وآمنة في تونس لا يزال حلما بعيد المنال.

خلال السنوات العشر الماضية منعت السلطات التونسية حوالي 42 ألف مهاجر من مغادرة سواحلها باتجاه أوروبا. لكن هذه الأرقام ازدادت هذا العام بشكل ملحوظ، إذ اعترض خفر السواحل التونسي خلال الأشهر التسعة الأولى فقط من العام الجاري أكثر من 19 ألف شخص (نحو %46 من إجمالي عدد عمليات في السنوات الأخيرة). وخلال شهر أيلول/سبتمبر كانت عمليات اعتراض خفر السواحل التونسي قوارب المهاجرين المغادرة من ليبيا تمثل حوالي الربع. 

هذه الأرقام بحسب المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية تدل على تصاعد الضغوطات الأوروبية على تونس وانخراطها "الأعمى في المقاربة الأمنیة والتي حولتها بطریقة غیر مباشرة إلى منصة لإنزال المھاجرین غیر النظامیین".

*تم تغيير الأسماء حرصا على سلامة الأشخاص

 

للمزيد