قوارب صيد في مرفأ جرجيس جنوب شرق تونس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
قوارب صيد في مرفأ جرجيس جنوب شرق تونس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز

في ظل ازدياد حركة الهجرة من ليبيا وتونس، باتجاه السواحل الإيطالية والمالطية عبر البحر المتوسط، خلال السنوات الماضية، كان الصيادون التونسيون "على الخط الأمامي" في مواجهة مآسي إنسانية، وحوادث غرق تودي بحياة مهاجرين يبحرون على متن قوارب متهالكة ومكتظة تتوه في البحر.عمل الصيادين الإنساني، جعلهم عرضة لضغوطات مختلفة، لا سيما من الجانب الليبي.

دانا البوز، موفدة خاصة إلى جنوب تونس

"لا يمكننا ترك الناس يموتون غرقا، كان علينا التدخل لإنقاذهم"، يقول لمهاجرنيوز البحار التونسي شمس الدين بوراسين الذي يعمل صيادا منذ 30 عاما، قبالة سواحل جنوب شرق تونس. اتخذ عمله في صيد الأسماك منحى مختلفا على مر السنوات الماضية، حين أصبحت رؤية قوارب المهاجرين المتجهة إلى أوروبا أمرا "روتينيا".

للمزيد>>> مهاجرون بين ليبيا وتونس.. "نهرب من جحيم إلى آخر بين البحر والصحراء" (1/2)

قوارب المهاجرين في وسط البحر المتوسط تنطلق من شمال أفريقيا، لا سيما سواحل غرب ليبيا. تجرفها التيارات البحرية إلى المياه التونسية أحيانا. عندما يلتقي الصيادون هناك بمجموعة مهاجرين على قارب يواجه صعوبات، يتوجب عليهم تنبيه خفر السواحل التونسي، المفترض تدخله لتنفيذ المهمة. لكن في حال غياب دورية بحرية تونسية قرب موقع الحدث، يصبح على عاتق الصيادين إنقاذ الأرواح.


في مرفأ مدينة جرجيس الساحلية جنوب شرق البلاد والتي تبعد عن ليبيا عشرات الكيلومترات، تصطف قوارب الصيادين الصغيرة والكبيرة التي تبحر في المتوسط، يقول بوراسي "أثناء عملنا في هذه المنطقة نكون في الواجهة الأمامية على الحدود الليبية التونسية وعلى خط سير رحلات المهاجرين المتجهين إلى إيطاليا".

منذ بداية العام الجاري شارك بوراسي في عمليتي إنقاذ كان آخرها في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، "ومثل أي يوم اعتيادي أرى فيه قوارب مهاجرين، كنت على مركب الصيد أنا وخمسة أشخاص آخرين نعمل في البحر. لكننا لاحظنا أنه هناك حوالي 23 شخصا يواجهون صعوبة في الإبحار وكانوا بحاجة للإنقاذ. بعد التواصل مع السلطات التونسية، كان علينا التدخل فورا لإنقاذ المهاجرين الذين كانوا يتحدرون من السودان ومصر وباكستان وبنغلادش". يكمل حديثه متأسفا "المهاجرون قالوا لنا إن هناك اثنين آخرين مفقودين. حاولنا البحث عنهما لكن لم نعثر على أي أثر".


ونظرا لغياب منظومة إنقاذ أوروبية، تحوّل الصيادون التونسيون إلى منقذي مهاجرين، ومنذ نحو خمسة أعوام، بدأ التعاون بين الصيادين ومنظمات دولية مثل "أطباء بلا حدود" غير الحكومية لتأهيل الصيادين وتنفيذ مهمات الإنقاذ بسلامة وأقل خطر ممكن.

للمزيد>>> بعد أربع سنوات من توقيعه.. منظمات مدنية تدعو لإلغاء الاتفاق الإيطالي الليبي حول الهجرة

وسط البحر المتوسط، الطريق الأكثر دموية

خلال عملهم، يصادف الصيادون أيضا جثث مهاجرين قضوا غرقا أثناء محاولة الهجرة. بينما يضع صلاح الدين قبعته (كاسكيت) الزرقاء التي تطابق لون قميصه، يقول بصوت متقطع ونظرات رعب هيمنت عليه مستذكرا "رأيت الكثير من الجثث التي تطفو على سطح المياه. مشهد يبث الرهبة في النفوس ورائحة وخزة لا أستطيع حتى وصفها".

صلاح الدين مشارك رئيس "جمعية البحار التنموية البيئية" في جرجيس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
صلاح الدين مشارك رئيس "جمعية البحار التنموية البيئية" في جرجيس. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز

يعد طريق هجرة وسط البحر الأبيض المتوسط الأكثر فتكا على مستوى العالم، بسبب طول مدة الرحلة التي قد تستغرق أياما، فضلا عن أنماط التهريب الخطرة، والفجوات في قدرات البحث والإنقاذ، إضافة إلى القيود المفروضة على عمل المنظمات غير الحكومية.

منذ العام 2014، سجل أكثر من 17 ألف حالة وفاة واختفاء في وسط البحر المتوسط، بحسب برنامج المفقودين التابع لمنظمة الهجرة الدولية، كما أن هناك الكثير من الحوادث غير المسجلة، وعُثر على مئات الرفات البشرية على الشواطئ الليبية ولم تكن مرتبطة بأي حطام سفينة معروف.

ضغوطات ليبية وأوروبية

صلاح الدين مشارك الناشط ورئيس "جمعية البحار التنموية البيئية" بدأ بالصيد وهو في الخامسة عشرة من عمره. يقول إن المنطقة باتت "أكثر تعقيدا"، في السنوات الأخيرة، ويندد بالانتهاكات المستمرة التي يواجهها البحارة من الجانب الليبي.

مرفأ جرجيس
مرفأ جرجيس


"في كل مرة يتدخل فيها الليبيون عند وجود قارب مهاجرين، يحصل إطلاق نار. إنه لأمر مروع رؤية هذه الميليشيات المسلحة وتجار البشر في البحر. نشعر بالخوف لأننا نصبح في مواجهة أشخاص مسلحين لا يتبعون لدولة، ونحن صيادون عزّل لا نستطيع مقاومة السلاح". مضيفا، "المهربون الليبيون يفضلون موت المهاجرين، في حال حصلت مشكلة أثناء الإبحار إلى إيطاليا، لا يرغبون في أن يتم إنقاذ المهاجرين، لأنهم ربما يكشفون عن الانتهاكات التي كانوا عرضة لها ويطالبون بتعويض أموالهم".

إطلاق النار لا يقتصر على المهاجرين فحسب، فمن الممكن أن "تطلق الميليشيات الليبية النار على الصيادين أيضا"، وتحدث مشارك عن مشاكل عدة يواجهها الصيادون أثناء عملهم بسبب الاتفاقات المبرمة بين ليبيا والاتحاد الأوروبي، والتي تدفع خفر السواحل الليبي إلى الدخول إلى المياه التونسية لصد قوارب المهاجرين.

"نحن كصيادين نتعرض لتهديدات ومضايقات مستمرة من الميليشيات الليبية الذين احتجزوا سابقا قوارب لصيادين وصادروا منتجاتهم واقتادوهم قسرا إلى الموانئ الليبية". وطالبت جمعية "البحار التنموية البيئية" السلطات التونسية بالتدخل العاجل "والقيام بدورها في حماية مراكب الصيد التونسية"، ونددت بالاتفاقيات الدولية التي فرضت قيودا على مناطق صيد التونسيين.


الضغوطات، بحسب الصيادين لا تقتصر على الجانب الليبي فحسب، بل حتى "الجانب الإيطالي يضيّق علينا".

في نهاية عام 2018، واجه ستة صيادين من جرجيس القضاء الإيطالي لإنقاذهم مهاجرين على بعد 35 ميلا جنوبي لامبيدوزا وسحبهم إلى الجزيرة الإيطالية.

أمضى شمس الدين بوراسين 25 يوما في السجون الإيطالية. "عثرنا على مهاجرين بحاجة للمساعدة في المياه الدولية، تدخلنا لإنقاذهم لكن السلطات الأوروبية اتهمتنا بتهريب البشر وزجتنا في السجون إلى أن أُثبتت براءتنا".

للمزيد>>> إيطاليا تحتجز طائرة الاستطلاع "مونبيرد".. محاولة "لإغماض أعيننا عن البحر المتوسط"

من جهته استنكر مشارك بشدة تجريم مهمات الإنقاذ، وقال "منذ هذه الحادثة بات الصياد يشعر بالخوف من العقوبات والغرامات أثناء تنفيذه لعمليات إنقاذ".

هذه الظروف تدفع الصيادين الشباب التونسيين إلى الهجرة على نحو متزايد، يقول البحّار "منذ العام 2015 بتنا نرى المزيد من الصيادين الشباب يبيعون مراكبهم وأدواتهم من أجل الهجرة إلى أوروبا. ظروف العمل غير الملائمة لا تشجعهم على البقاء".

 

للمزيد