مقبرة "حديقة أفريقيا" في جنوب تونس. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
مقبرة "حديقة أفريقيا" في جنوب تونس. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز

على شواطئ الجنوب التونسي، تلفظ أمواج البحر المتوسط جثث الغرقى الذين لقوا مصرعهم أثناء محاولة بلوغ القارة الأوروبية انطلاقا من سواحل شمال أفريقيا. مدينة جرجيس الساحلية كانت الوحيدة التي تكفلت بالاعتناء بهؤلاء الموتى، وبات فيها مقبرتين مخصصتين للمهاجرين، لكن البلدية تشتكي من نقص الموارد وتحذر من عدم القدرة على استقبال مزيد من الجثث.

دانا البوز، موفدة خاصة إلى جنوب تونس

"رعاية الموتى باتت متروكة كليا على عاتق مدينة جرجيس"، فأمواج البحر المتوسط تلفظ جثث المهاجرين الغرقى على شواطئ الجنوب التونسي، الذين قضوا في البحر أثناء محاولة بلوغ الأراضي الأوروبية على متن قوارب متهالكة. كما ينتشل الحرس البحري أحيانا جثثا طفت على المياه التونسية المشتركة في حدودها مع ليبيا.

مدينة جرجيس الساحلية التابعة لولاية مدنين استوعبت هؤلاء الأموات على مر السنوات الماضية، ما جعل مقابرها تمتلئ بأجساد مهاجرين مجهولي الهوية غالبا.

بلهجة يطغى عليها الانزعاج، يبدو العمدة مكي لعريض، غير راض عن جعل مدينته تدفن حتى جثث مهاجرين قضوا في محافظات أخرى. ففي نهاية الشهر الماضي، توفي مهاجر أفريقي على المنطقة الحدودية بين الجزائر وتونس، لكن والي المدينة الحدودية طلب من جرجيس التكفل بالأمر، ما جعل العمدة يؤكد على أنه من "غير الطبيعي" أن تتولى جرجيس دفن جميع الموتى.

للمزيد>>> صيادون تونسيون في مهمات إنقاذ مهاجرين..وسط نيران ليبية وضغوط دولية

لا تبدو البلديات في تونس ترغب في أن تتكفل بجثث المهاجرين، بسبب عدم توافر أماكن كافية لدفنهم، حسب الرواية الرسمية. لكن في حالات استثنائية دُفنت بعض الجثث في مقابر مدن أخرى، لصعوبة نقلها إلى جرجيس أو بسبب صعوبة الإجراءات الإدارية.

في نهاية آب/أغسطس الماضي، لفظ البحر 85 جثة على شواطئ محافظة صفاقس وبقيت تلك الأجساد لأسابيع عدة في مستشفيات المدينة قبل أن يتم دفنها، كما جرت محادثات مع ولاية مدنين لنقل الجثث إلى جرجيس، في ظل عدم وجود أية مقابر مخصصة للمهاجرين الغرقى على المدن الساحلية المجاورة لليبيا.

"حديقة أفريقيا".. مقبرة متعددة الأديان

على أطراف مدينة جرجيس الساحلية، أراد الفنان التشكيلي الجزائري رشيد قريشي الذي فقد شقيقه غرقا في البحر المتوسط تكريم ضحايا المهاجرين الذين فقدوا أرواحهم أثناء محاولة عبور البحر المتوسط. وموّل الفنان السبعيني مشروع "حديقة أفريقيا" من مدخراته الخاصة.


بين الأراضي الصحراوية وحقول أشجار الزيتون، بنى الفنان قبورا حجرية بيضاء تحيطها خمس شجرات زيتون ترمز لأركان الإسلام الخمسة و12 كرمة تدل على رسل المسيح، فيما رُصفت الأرض بسراميك مزخرف ومُطعّم باللونين الأزرق والأحمر.

يعود تصميم باب المدخل الرئيسي الذي اشتد لونه الأصفر مع أشعة الشمس الحارقة، إلى للقرن السابع عشر، وعُلّقت فوقه آية من القرآن "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي".

منذ افتتاح المقبرة رسميا في حزيران/يونيو الماضي، وصل عدد الراقدين فيها إلى 300 شخص، كلهم مجهولي الهوية باستثناء شاب ليبي واحد تمكنت عائلته من التعرف عليه بعد إجراء اختبارات الكشف عن الحمض النووي.

يوجد رقم مميز يدل على الحمض النووي المسجل في مستشفى قابس، على كل شاهدة قبر، كما يحمل بعضها تاريخ ومكان الوفاة.

في اتصال هاتفي مع مهاجرنيوز، أوضح قريشي المقيم في فرنسا، أنه بدأ بالعمل على هذا المشروع منذ العام 2018، "أردت بناء هذا المكان، لأنني أعرف جيدا معاناة العائلات التي تفقد أولادها. وأرى أنه من غير الإنساني أن يُرفض دفن الأجانب خارج بلدهم".

أطفال ونساء وشباب دُفنوا في "حديقة أفريقيا" جنوب تونس. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
أطفال ونساء وشباب دُفنوا في "حديقة أفريقيا" جنوب تونس. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز


الهلال الأحمر التونسي الذي يتعاون مع الدولة في إدارة ملف الهجرة، أشار إلى أن نصف قبور "حديقة أفريقيا" باتت ممتلئة خلال خمسة أشهر فقط، "بتنا نفكر من الآن في إمكانية توسيع المقبرة التي تتسع في حدها الأقصى لـ600 مهاجر". ويأمل منجي سليم، رئيس فرع الهلال الأحمر لولاية مدنين، ببدء استخدام المكان المخصص للتشريح في المقبرة من أجل تسهيل اختبارات فحص الحمض النووي، بدلا من الذهاب إلى مستشفى قابس الذي يبعد 135 كيلومترا عن جرجيس.

للمزيد>>> مهاجرون بين ليبيا وتونس.. "نهرب من جحيم إلى آخر بين البحر والصحراء" (1/2)

طريق الهجرة عبر وسط البحر الأبيض المتوسط يعد الأكثر فتكا على مستوى العالم، بسبب طول مدة الرحلة التي قد تستغرق أياما، فضلا عن أنماط التهريب الخطرة، إضافة إلى الفجوات في قدرات البحث والإنقاذ. ومنذ العام 2014، سجلت أكثر من 17 ألف حالة وفاة واختفاء في وسط البحرالمتوسط، بحسب برنامج المفقودين التابع لمنظمة الهجرة الدولية، وهناك الكثير من الحوادث غير المسجلة.

جثث في مكب نفايات

مئات الأمتار تفصل هذه المقبرة عن أخرى يوجد فيها مئات القبور، تقع على قطعة أرض محاطة بسياج حديدي ولائحة أكلها الصدأ، كُتب عليها "مقبرة الغرباء".

مقبرة الغرباء في مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
مقبرة الغرباء في مدينة جرجيس التونسية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز


قبل أن تُفتتح مقبرة "حديقة أفريقيا"، كانت السلطات المحلية تضع جثث المهاجرين في هذه الأرض وسط مكب نفايات (منذ العام 2005). وعلى نحو يناقض مشروع الفنان الجزائري، تبدو المأساة أكثر وضوحا في هذه المقبرة التي يصعب فيها حتى احتساب أعداد القبور التي وضع على بعضها حجر أبيض صغير، ويقدر عددها بحوالي 500 على الأقل، بحسب مسؤول الهلال الأحمر.

وكان الصياد التونسي شمس الدين مرزوق يحاول منذ أعوام بإمكاناته المتواضعة نقل الجثث ودفنها في "مقبرة الغرباء" والاعتناء بها قدر الإمكان.

جثث تملأ مقبرة الغرباء وسط مكب نفايات. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
جثث تملأ مقبرة الغرباء وسط مكب نفايات. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز


خلف السياج الحديدي، يقف منجي سليم مستذكرا مشهد شاحنات القمامة التي كانت تفرغ جثث المهاجرين أو الرفات البشرية التي تصل إلى الشاطئ في مكب النفايات دون العناية بهم. ومن خلف السور الحديدي، يضيف سليم "هذه الأرض مليئة بالجثث"، إذ إن بعضها مدفونة في مواقع غير محددة ومن دون ما يدل على وجودها.

يتساءل عمدة جرجيس، "ماذا سنفعل بعد أن تمتلأ مقبرة حديقة أفريقيا؟ أين سندفن كل هؤلاء الموتى؟"، لا سيما وأن البحر المتوسط مستمر في سلب أرواح الهاربين من بلادهم بحثا عن حياة آمنة.

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، كان قد نبه في مناسبات عدة من نقص الموارد الحكومية لنقل الجثث، ومن عدم تهيئة موظفي البلدية للتعامل مع جثث المهاجرين، التي يكون بعضها قد تحلل بفعل مياه البحر.

 

للمزيد