بيرينيس، محمد، ودوفين / حقوق الصورة ليسلي كاريتيرو
بيرينيس، محمد، ودوفين / حقوق الصورة ليسلي كاريتيرو

كان الشاب الغيني محمد يقضي لياليه الطويلة تحت أحد جسور العاصمة الفرنسية باريس منذ وصوله إلى فرنسا في شهر آذار/ مارس 2016. إلا أن الحظ ابتسم له والتقى بيرينيس ودوفين. لحظة اللقاء كانت كافية لتضيف الأمل إلى مسار هذا الشاب المهاجر في فرنسا.

محمد، شاب غيني وصل إلى باريس في شهر آذار/مارس ولم يكن يعرف أحدا فيها، كان ينام وحيدا تحت أحد جسورها. حينها، كانت بيرينيس تمر من هناك أثناء مزاولتها هواية الركض، وغالبا ما كانت نظراتها تلتقي مع نظرات ذالك الشاب ذي 19 سنة. تعرفا على بعضهما وبدأت قصة صداقة متينة بينهما.

" كان ذلك محتوما"، تقول الفتاة الباريسية التي تكبره بعشر سنوات، وأضافت أنها لم تقم بمساعدة أحد في الشارع قبل ذلك ولم تعمل مع أي جمعية تساعد المهاجرين. نسألها، لكن لماذا هو بالذات؟ "لا أعلم لماذا توقفت ذلك النهار. كان جميل المحيا وطيب المحضر. فقلت في نفسي أنه لا يجب أن يبقى هنا تحت هذا الجسر".

طريق الهجرة

عن ماضيه في غينيا لا يصرح الشاب الغيني صاحب الوجه الملائكي بالكثير سوى بالقول إنه آت من "كانكان"، ثاني كبريات المدن في بلاده بعد العاصمة كوناكري، بعد أن طردته والدته من البيت. 

دون مأوى ولا مال، قبع محمد في الشوارع إلى أن جاء يوم قرر فيه الرحيل. فاتصل بعمه المهاجر في بلجيكا الذي أكد له استعداده للاهتمام به إذا وصل إلى أوروبا.

في أحد أيام كانون الثاني/ يناير 2016، سلك محمد طريق الهجرة عازما على الوصول إلى ليبيا. وبعد عدة أسابيع، اجتاز دولة مالي في حاوية إحدى الشاحنات، ليتوقف في مدينة غرداية الجزائرية على بعد 600 كلم الى الجنوب من العاصمة الجزائرية. هناك، عمل محمد في ورش بناء أو في مزارع كي يستطيع جمع المال لإكمال رحلته. لاحقا وصل هذا الشاب ذو البنية الرياضية إلى ليبيا، وهنا يتوقف عن إكمال الرواية.

لم نتمكن من الحصول على تفاصيل أكثر من ذلك، إلا أننا فهمنا من نظراته أن المرور في ليبيا، البلد الغارق في الفوضى، كان مريرا بالنسبة له، عدا عن أن عبور البحر المتوسط شكل فصلا آخر من رحلة معاناة محمد للوصول إلى أوروبا.

إقرأ شهادة طبيب من منظمة أطباء بلا حدود عن ظروف حياة المهاجرين في ليبيا.

بعد ستة أشهر أمضاها على طرقات الهجرة، وصل إلى إيطاليا وطلب اللجوء هناك. خلال فترة انتظار الرد على طلبه، أقام مع سبعة أشخاص آخرين في إحدى الشقق السكنية في مدينة بولونيا الإيطالية. "لم نكن نعمل شيئا هناك. ولم نكن نستطيع الأكل كما يجب لأننا لم نكن نستطيع العمل"، يقول حزينا.

 

 عندها فكر هذا الشاب أن يتصل مجددا بعمه في بلجيكا، لكن الأخير لم يرد على اتصاله. داهمه اليأس، وتعب من انتظار الرد على طلب لجوئه من قبل السلطات الإيطالية، فهرب من إيطاليا ونجح بالوصول إلى باريس في آذار/مارس 2017. لم يكن يتوقع أنه سيلتقي بعد أيام قليلة مع بيرينيس.

إنها السعادة

مع حصول هذا اللقاء يبتسم له الحظ. "إنها السعادة"، يقول مومو -اللقب الذي تناديه به بيرينيس- الذي بدأ يهتم لهندامه ومظهره الخارجي. "حتى عندما كان ينام تحت الجسر كان يرتدي ثيابا جميلة تتناسب مع أحذيته وقمصانه والكاسكيت (القبعة فوق الرأس)"، تقول بيرينيس وتضيف أنه "يعشق الموضة وينتبه لنفسه".

بعد اللقاء الأول بينهما برفقة صديقتها "دوفين"، عادت بيرينيس عدة مرات لرؤية محمد، واشترت له بطاقة هاتفية لتسهيل الاتصال بينها وبينه. قضى محمد مع بيرينيس ليال عديدة بالاتصال بالرقم 115 لإيجاد مسكن، لكن كل المحاولات باءت بالفشل. عندها بيرينيس ودوفين تدبر الأمر بنفسهما لإيجاد حل.

سعت الفتاتان لجمع المعلومات من البلدية عن الحلول الممكنة، ولم تترددا بطرق باب الكنائس. 

لعب الحظ دوره ثانية، التقت بيرينيس بأحد الأشخاص الذين كانت تعرفهم سابقا عبر فريق الكشافة التي كانت تنتمي إليه، واكتشفت أنه يوجد في الكنيسة غرفة مخصصة للمشردين. سارعت بيرينيس بمعاونة صديقتها للاستفادة من تلك الفرصة لإيواء "مومو" في تلك الغرفة، ريثما تتحسن الأوضاع.

والعبرة في ذلك قوية خاصة وأن محمد ينتمي إلى دين آخر، فهو مسلم وإن لم يكن من الممارسين لدينهم.

لكن هذا المأوى الكنسي المؤقت لا يفتح إلا ليلا ومن يلجأ إليه ملزم بالرحيل كل صباح، ولا يمكنه العودة إليه إلا بعد صلاة المساء.

أعتبره أخي  

تطول الأيام، يشغل محمد نفسه بالتجول في شوارع العاصمة الفرنسية وحيدا، خاصة عندما تكون الفتاتان منشغلتين بعملهما، فقد اتفقتا على تقاسم الوقت بينهما لتمضيته معه، وتؤكدان أنهما تعتبرانه أخا صغيرا لهما. "نزور الحوانيت أو نتنزه معه. نشاهد الأفلام في البيت"، تقول بيرينيس مضيفة "أتصرف معه كما أتصرف مع أخي الذي يساويه بعمره". تتوطد العلاقة بين الفتاتين ومحمد لدرجة أن الأخير لا ينام قبل أن يطمئن عليهما كل ليلة.


لا تقف الفتاتان الباريسيتان عند هذا الحد، فمحمد ترك بلاده دون أوراق ثبوتية علما أنه يتوجب عليه لإجراءات طلب اللجوء في فرنسا أن يكون على الأقل حاملا لوثيقة ولادته. نجح الشاب الغيني بالتعرف على أحد الأشخاص من بلاده الذي وعده بالمساعدة على الحصول على وثيقة تعرف عنه من سلطات بلاده في غينيا. طلبت بيرينيس من إحدى صديقاتها في كوناكري أن تقوم بإرسال هذه الوثيقة لها، ثم سلمتها لمحمد باليد مباشرة في باريس ما سهل حصوله على موعد في دائرة الشرطة بداية حزيران/ يونيو 2017، لتسوية وضعه.

يعترف الثلاثة أنهم يشعرون بلحظات من الوحدة والضعف. تشدد بيرينيس على ذلك وتقول "نحن باريسيتان ولدينا شبكة معارف بنيناها عبر الوقت على صعيد شخصي. لكن كيف يفعل أولئك الذين لا يعرفون أحدا عندما يصلون إلى فرنسا؟ وبرغم المساعدة التي تقدمها الجمعيات نشعر بالوحدة أمام المشكلة وأننا متروكتان تماما، بالكاد نتجرأ على التفكير بأوضاع الناس المهاجرين، خاصة أولئك الذين لا يتكلمون الفرنسية ولا يعرفون أحدا ليساعدهم".

يوافق "مومو" بحياء ظاهر على كل ما تقوله صديقتاه الباريسيتان، ويتنهد قائلا "أشعر وكأن بركانا سوف ينفجر في رأسي"، يقول ذلك كما لو كان يستحضر في فكره معاناته ومشاكله. لا يغيب عن باله أن الآتي من الأيام سيكون طويلا ومعقدا. وفي نفس الوقت تخشى الفتاتان ألا يؤدي طلب اللجوء إلى النتيجة المرجوة.

"إذا لم يحصل محمد على اللجوء فإن الانفصال سيكون صعبا جدا علينا. نحن لا نتجرأ حتى على تخيل تلك اللحظة، سوق نصارع من أجل نهاية سعيدة"، أكدت الفتاتان كما لو أنهما تعطيان لنفسهما بعضا من المعنويات.  

نص منشور بالفرنسية على موقع مهاجر نيوز في 09/06/2017 

ترجمة جيل واكيم    

 

للمزيد