الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو
الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو

تواجه ألمانيا وأوروبا أزمة على الحدود البولندية البيلاروسية وفق معادلة صعبة تجمع بين الصرامة وحقوق الإنسان، فيما باتت دول عديدة مجاورة للتكتل القاري تعمل على استعمال المهاجرين كسلاح للابتزاز السياسي.

تسعى أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا إلى حوكمة بأقل الخسائر الممكنة للأزمة على الحدود البولندية البيلاروسية، خصوصا أمام إصرار مهاجرين تقطعت بهم السبل، معظمهم من دول الشرق الأوسط كالعراق وسوريا وأفغانستان، على اختراق الحدود البولندية تزامنا مع فرض الاتحاد الأوروبي لعقوبات على بيلاروسيا. وتواردت صور من عين المكان لمهاجرين محاصرين في بيلاروسيا حاولوا بكل السبل العبور إلى الاتحاد الأوروبي عبر البوابة البولندية، ما دفع وارسو إلى نشر تعزيزات بآلاف الجنود لمنعهم من العبور.

ولم يتردد وزراء خارجية التكتل القاري الاثنين (15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021) في توسيع العقوبات المفروضة على بيلاروسيا لمعاقبتها على توظيف الهجرة غير القانونية كسلاح سياسي ضد التكتل القاري. وبهذا الصدد قالت "كولنيشه روندشاو" الألمانية (العاشر من نوفمبر) وكتبت "لقد أصبح الآلاف من المهاجرين ألعوبة في السياسة الدولية، وأحد أدوات الصراع بين الرئيس البيلاروس لوكاشينكو والاتحاد الأوروبي. والسؤال هو ما إذا كانت بولندا ستسمح بمرور المهاجرين، وهي التي ترفض لحد الآن ذلك وتدفع بهم للعودة إلى بيلاروسيا".

 

الاتحاد الأوروبي يوسع العقوبات ضد بيلاروسيا

قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات جديدة على بيلاروسيا بهدف معاقبة الأشخاص والمؤسسات التي تدعم الهجرة غير الشرعية اتجاه أوروبا. وقال مجلس الدول الأعضاء إن الاتحاد الأوروبي سيكون الآن قادرًا على استهداف الأشخاص والمؤسسات الذين ساهموا في تمكين النظام البيلاروسي من استغلال الناس لأغراض سياسية. وزير الخارجية الدنماركي جيبي كوردول قال "إنهم يستخدمون المهاجرين غير الشرعيين كسلاح. هذا ينزع من الإنسانية وعلينا أن نتصرف بأقصى ما نستطيع من الصرامة". وتُتهم قيادة جمهورية بيلاروسيا السوفيتية السابقة باستجلاب المهاجرين إلى البلاد وتمكينهم بعد ذلك من السفر إلى داخل الاتحاد الأوروبي على الحدود مع بولندا وليتوانيا ولاتفيا.

وبهذا الصدد كتب موقع "تاغسشاو" التابع للقناة الألمانية الأولى (15 نوفمبر) "يسعى حاكم بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو للانتقام لأن الاتحاد الأوروبي لم يعترف بانتخابه وهو ما تم تعزيزه بفرض عقوبات اقتصادية، فيما يعمل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على إيلام الاتحاد الأوروبي في أكثر نقاطه حساسية: أي حقوق الإنسان، التي تتمسك بها دائمًا ولا يتشبث بها كثيرا على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا".

 


مكالمة ميركل ـ هل هي انتصار للوكاتشينكو؟

أمام تفاقم الأزمة، اضطرت المستشارة المنتهية ولايتها أنغيلا ميركل لمهاتفة، ولأول مرة، الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو. وأعلن المتحدث باسم الحكومة الألمانية ستيفن زايبرت في برلين (15 نوفمبر) أن المكالمة استعرضت "الوضع الصعب على الحدود بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي". وبحسب تقرير بثه التلفزيون الرسمي البيلاروسي، فقد استمرت المكالمة قرابة خمسين دقيقة، بحث خلالها الطرفان سبل منع تصعيد الوضع على الحدود. كما تطرقا للدعم الإنساني للمهاجرين العالقين في المنطقة الحدودية. وبحسب زايبرت، فقد اتفقت ميركل ولوكاشينكو على إجراء مزيد من المحادثات. يذكر أن الاتحاد الأوروبي يتهم لوكاشينكو بنقل اللاجئين بشكل مقصود وممنهج من مناطق الأزمات إلى الحدود الخارجية للاتحاد. ويشتبه في أنه بذلك يسعى للانتقام من عقوبات بروكسيل.

وهذه هي المرة الأولى، منذ الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في بيلاروسيا في أغسطس / آب الماضي التي تحدثت فيها ميركل مع لوكاشينكو. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الاتحاد الأوروبي يعترف به كرئيس بسبب قمع قوات الأمن للمتظاهرين السلميين، ففرض بالتالي على عقوبات على البلاد. من جهته، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين عبر الهاتف. وقال مسؤول حكومي فرنسي بعد المحادثة التي استمرت ساعتين، إنهما "اتفقا على الحاجة إلى وقف تصعيد أزمة المهاجرين. وكان الهدف من هذه الدعوة وضع حد لهذا الوضع". ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن اتفاق بشأن أصل المشكل حيث يتهم الأوروبيون لوكاشينكو باستعمال المهاجرين كسلاح سياسي. مبادرة المستشارة ميركل أثارت ردود فعل متفاوتة بين مؤيد ورافض. وبهذا الصدد علقت صحيفة "زودويتشه تسايتونغ" (15 نوفمبر) "يعتمد الأمر أكثر على نسبة المزج بين الأدوات المتوفرة وليس الاستبعاد المطلق لواحدة منها. بدون معرفة الاستراتيجية المتبعة من قبل أنغيلا ميركل وإيمانويل ماكرون (..) من السابق لأوانه تقييم هذه المبادرة المشتركة".

 

آفاق حل الأزمة ـ أولى ثمار التحركات الأوروبية

من جهتها، قالت بيلاروسيا إنها بدأت تعمل على إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، مؤكدة أنها لا ترغب في نشوب "صراع" حسبما نقلت وكالة "بيلتا" الرسمية عن الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، غير أن الأخير وكعادته يستعمل العصا والجزرة في الوقت ذاته، إذ نقلت عنه الوكالة قوله "العمل جار بشكل نشيط في هذه المنطقة لإقناع الناس. أرجوكم عودوا إلى دياركم. لكن لا أحد يرغب بالعودة". ولوح في الوقت ذاته بإمكانية إرسال المهاجرين على متن شركة الطيران البيلاروسية "بيلافيا" إلى ألمانيا، وقال في هذا الصدد "سنرسلهم إلى ميونيخ على متن طائراتنا إذا لزم الأمر". مضيفا، بأن بلاده لا ترغب بأن تتصاعد "أزمة المهاجرين" وتتحول إلى "صراع"، مؤكدا على أن ذلك سيكون "أمرا ضارا للغاية بالنسبة إلينا".

وبهذا الصدد انتقد وزير الخارجية الألماني المنتهية ولايته هايكو ماس الرئيس البيلاروسي الذي يشترط رفع جميع العقوبات. اليوم سنرد وسنزيد من تشديد العقوبات". وأشار بشكل خاص إلى "مزيد من الصرامة" بحق المتورطين في تهريب المهاجرين، معتبرا أيضا أنه "لا مفر من العقوبات الاقتصادية المشددة". مضيفا "سنواصل نهج التشديد هذا لأنه لا يوجد بديل معقول". صحيفة "تاغسشبيغل" البرلينية (15 نوفمبر) كتبت معلقة "بالنسبة للديكتاتور البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، فإن المهاجرين العالقين على الحدود مع بولندا مجرد بيادق في لعبة ساخرة. هناك عدة سيناريوهات يمكن للوكاشينكو أن يفوز فيها بهذه اللعبة التي يفرضها على الأوروبيين. كما يبدو أن حكام مينسك كانوا يأملون في أن يؤدي الدخول غير القانوني لآلاف الأشخاص من الشرق الأوسط إلى وضع مماثل لما حدث عام 2015، عندما اندلعت أزمة مريرة حول سياسة اللجوء في ألمانيا والاتحاد الأوروبي. لحسن الحظ، لم يتحقق هذا السيناريو بعد".

واقع إنساني مرير على الحدود الأوروبية البلاروسية

تقرير لـDW" (14 نوفمبر) نقل صورة حية عن تغير الوضع في حدود بولندا وبيلاروسيا، منطقة كانت مهجورة في العادة قبل أن تتحول إلى نقطة استقطاب للإعلام العالمي ويتعلق الأمر بمنطقة اسمها كامينيتس قريبة من محمية تعرف باسم بيلوفاشسكايا. التقرير رصد أن العبور القانوني بين البلدين يتم عبر معبر حدودي واحد. المهاجرون يواجهون البرد القارص في فصل الشتاء، وضع فاقمته جائحة كورونا والقيود التي فرضتها. وعلى طول الشريط الحدودي يشعر مواطنو بولندا كما بيلاروسيا بالقلق والخوف من المجهول. وهذا ما دفع بولندا إلى نشر 15 ألف جندي على طول حدودها لوقف هذا دخول المهاجرين، خصوصا بعدما حاولت مجموعات صغيرة من اللاجئين اقتحام السياج الحدودي في عدة نقاط منه.


إذا هي أزمة إنسانية بكل المقاييس حيث تكدس مئات من المهاجرين في ظروف يطبعها طقس بالغ الصعوبة، حيث تنزل درجات الحرارة إلى ما دون الصفر خصوصا بالليل. بعض مقاطع الفيديو التي انتشرت على نطاق واسع على شبكات التواصل الاجتماعي تظهر وضعا مقلقا.

وبهذا الصدد أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمة الدولية للهجرة في بيان، عن قلقهما البالغ جراء ما صفتاه بعنف قوات الأمن ضد المهاجرين. وجاء في بالبيان المشترك أيضا أن قوات الأمن استخدمت العنف لصد المهاجرين الذين حاولوا الدخول إلى بولندا ولفتت إلى انه من غير المقبول تقديم وعود مضللة للمهاجرين عبر استغلال يأسهم. يشار إلى أن عدة مهاجرين لقوا مصرعهم في في تلك المنطقة. وبهذا الصدد تساءلت "شبيغل أونلاين" (العاشر من نوفمبر) عن سبب الخوف العظيم الذي ينتاب أوروبا من بضعة آلاف من المهاجرين وكتبت "هناك شيء واحد فقط يمكن أن يساعد في مواجهة محاولات الدكتاتور البيلاروسي لوكاشينكو لزعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي: ألا يسمح الاتحاد بزعزعة استقراره بنفسه. ولتحقيق ذلك، يجب أن تأخذ القيم الأوربية على محمل الجد".

حسن زنيند

 

للمزيد