مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز

حادث الغرق الأخير الذي أودى بحياة 27 مهاجرا في المانش بث الرعب في نفوس المهاجرين في مخيمات شمال فرنسا، إلا أن ذلك لم يقوض من عزيمتهم على العبور إلى المملكة المتحدة. بعد يوم على حادث الغرق، التقى مهاجر نيوز بشباب ورجال ونساء يعيشون في ظروف متدهورة تدفعهم إلى اتخاذ المزيد من المخاطر من أجل العبور، بحسب وصف الجمعيات.

لا تزال صدمة غرق قارب مهاجرين أول أمس الأربعاء في بحر المانش تهيمن على تفكير الشاب العشريني نوجان، "27 شخصا ماتوا، بالطبع أنا خائف"، يتنهد قليلا قبل أن يكمل حديثه مع مهاجرنيوز "حاولت عبور البحر إلى بريطانيا خمس مرات، لكن جميع محاولاتي باءت بالفشل إما بسبب الأمواج وتعطل محرك القارب أو بسبب الشرطة".

يقف الشاب الكردي بجانب أصدقائه فيما يتناوبون على جمع أغصان وقطع خشبية تجهيزا لإشعال نيران، علها تكسر بعضا من برودة الأجواء القاسية في مدينة غراند سانت، المجاورة لكاليه شمال فرنسا حيث يعيش حوالي ألفي مهاجر في مخيمات عشوائية. رغم واقعة أول أمس لا تزال خطته بالذهاب إلى المملكة المتحدة قائمة.

على بعد أمتار قليلة يوزع متطوعون محليون وجبات ساخنة على المهاجرين الذين تشردوا في تلك المخيمات بانتظار الفرصة المناسبة للعبور إلى المملكة المتحدة. تحمل امرأة أربعينية وجبتي طعام وتتجاوز الخيم المصطفة على طرفي سكة قطار قديم فوق أرض ترابية، فيما يجبرها الطين والوحل على إبطاء حركة قدميها.

الحديث عن غرق القارب في المانش يدور بين المهاجرين في غراند سانت باثا في قلوبهم المزيد من الرعب، وتقول المهاجرة القادمة من كردستان العراق إنها كانت نائمة في خيمتها حين تسللت إلى أذنيها كلمات عن الغرق والموت، "خرجت مسرعة لأكتشف هذا الخبر المروّع".

مخيم مهاجرين في مدينة غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
مخيم مهاجرين في مدينة غراند سانت شمال فرنسا. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


المشاعر سيطرت على الأم المنحدرة من مدينة السليمانية، انهمرت الدموع من عينيها وخانتها الكلمات، اكتفت بالقول "ابني ذو الأربع سنوات بانتظاري في الخيمة، عليّ الذهاب لأطعمه"، أكملت طريقها واختفت بين الخيم القماشية الملونة.

للمزيد >>>> باريس ولندن تعلنان التنسيق المشترك لمكافحة شبكات الإتجار بالبشر وتتبادلان الاتهامات حول فاجعة المانش

"أشعر بالخوف من ماء البحر"

الرجل روبين يبدو أكثر هدوءا ويحاول جاهدا إبقاء البسمة على وجهه، "وصلت إلى غراند سانت منذ حوالي شهرين"، لكن خلف ابتسامته تكمن "خيبة أمل كبيرة" وفق قوله، "أشعر بالصدمة لم أتوقع أن تكون الأمور بهذه الصعوبة في أوروبا"، لا سيما وأنه خلال الأسابيع الماضية عانى الكثير على الحدود البولندية البيلاروسية قبل أن يتمكن من الوصول إلى شمال فرنسا.

منذ لحظة خروجه من مدينته كركوك وضع نصب عينيه خطة الذهاب إلى المملكة المتحدة، "حاولت عبور المانش مرتين، واجهنا خلال الأولى مشاكل في الإبحار، وفشلت المحاولة الثانية بسبب القارب الذي سرعان ما ملأته الثقوب وتسربت المياه إليه. كنت أشعر بالبرد وكنا على وشك الغرق. أتت السلطات لاحقا وأنقذتنا".

تجربة روبين الأخيرة ووفاة الـ27 مهاجرا يوم الأربعاء كانتا كافيتين لجعله يعدل عن عبور البحر، وباتت المياه ترهبه "لا أستطيع عبور البحر بعد الآن لأني خائف من المياه. لذلك قررت تجربة الاختباء في الشاحنات".

روبين مصطفي، كردي عراقي يعيش في مخيم غراند سانت منذ شهرين. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
روبين مصطفي، كردي عراقي يعيش في مخيم غراند سانت منذ شهرين. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


إلا أن التسلل داخل الشاحنات التجارية المتجهة إلى المملكة المتحدة يكلف ضعف مبلغ العبور على متن القوارب، إذ يدفع الشخص حوالي ألفين أو ثلاثة آلاف يورو مقابل العبور على متن قارب، فيما تتراوح تكلفة الاختباء في الشاحنات من الـ5 آلاف وتصل حتى 13 ألف يورو.

للمزيد >>>> تعزيزات فرنسية لمراقبة بحر المانش.. وزيادة كبيرة في محاولات العبور

إما الموت أو الوصول إلى بريطانيا

"الشاحنات ليست خيارا مطروحا بالنسبة لي لأنها مكلفة للغاية"، الشاب الكردي عارش الذي يبلغ من العمر 27 عاما حسم أمره، "حاولت عبور المانش أربع مرات، وسأظل أحاول حتى أصل إلى بريطانيا. أريد الانضمام إلى أخي الأكبر الذي يعيش هناك منذ سنوات".

فيما تنزل أولى قطرات المطر يشد عارش سترته السوداء ويهرع آخرون باحثين عما يمنع المطر والهواء من إخماد النيران التي أشعلوها، مع بدء حلول الظلام وتدني درجات الحرارة. "أمامي خيارين لا ثالث لهما، إما الموت أو الوصول إلى بريطانيا".

مخيم غراند سانت القريب من سواحل دنكيرك، واحد من التجمعات العشوائية في شمال فرنسا.
مخيم غراند سانت القريب من سواحل دنكيرك، واحد من التجمعات العشوائية في شمال فرنسا.

الظروف "مروعة" في غراند سانت بحسب وصف الناشطة آنا ريشيل، وتعتبر المتحدثة باسم جمعية "يوتوبيا 56" أن التصريحات الرسمية لا تركز سوى على المهربين، بينما تعتقد أن الظروف المعيشية السيئة هي ما تدفع المهاجرين على اتخاذ المزيد من المخاطر وعبور المانش، "أية حياة لديهم هنا؟ الشرطة تسرق أغراضهم وحاجياتهم التي تعينهم على النجاة في هذه الأجواء الباردة".

"أنا محطمة بعد هذه المأساة التي حصلت في الأمس. ورغم موت هؤلاء الأشخاص، فرنسا لم تتخذ أي خطوات لتحسين ظروف الاستقبال. الأشخاص في غراند سانت ليس لديهم حتى ماء للشرب".

"سأظل أجرب عبور البحر حتى الموت"

في مركز مدينة كاليه، تجمع أكثر من مئة شخص تكريما لأرواح ضحايا غرق القارب أول أمس الأربعاء في المانش، والذين يقدر عددهم بـ27 شخصا على الأقل، بينهم أطفال ونساء إحداهن حامل.

تقف مجموعة من الشباب السودانيين بين جموع المتظاهرين الذين ينددون بسياسة الحكومة الفرنسية في التعامل مع المهاجرين، ويقول كمال البالغ من العمر 18 عاما، "سأظل أجرب عبور البحر حتى الموت. لا أشعر بالخوف".

سودانيون شاركوا بتكريم ضحايا الغرقى في مدينة كاليه. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
سودانيون شاركوا بتكريم ضحايا الغرقى في مدينة كاليه. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


كمال مضى على وجوده في كاليه 11 شهرا ورُفض طلب لجوئه لأن لديه بصمات مسجلة في إيطاليا، وحاول عبور البحر مرات عدة كان آخرها في اليوم نفسه الذي وقع فيه حادث الغرق المأساوي. ويقف إلى جانبه إبراهيم الذي يبلغ من العمر 22 عاما وكان معه على متن القارب نفسه برفقة ثلاثة شباب آخرين "رغم الأمواج العالية انطلق قاربنا عند منتصف الليل وأبحرنا لمدة ساعتين قبل أن يتعطل المحرك".

عادت المجموعة إلى كاليه بعد فشل المحاولة، "لكنها بالتأكيد لن تكون المرة الأخيرة. من الأفضل أن نموت ونحن نحاول عبور البحر، على أن نبقى كالأموات هنا".

جمعيات وسكان محليون يتجمعون في مركز مدينة كاليه تكريما لضحايا غرق قارب المهاجرين في المانش. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
جمعيات وسكان محليون يتجمعون في مركز مدينة كاليه تكريما لضحايا غرق قارب المهاجرين في المانش. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


وفيما كان يمشي متظاهرون بينهم سكان المدينة ومتطوعون في جمعيات محلية وبعض المهاجرين لرمي الزهور في البحر تكريما لأرواح الغرقى، يقول السوري أبو عادل "حاولت عبور البحر تسع مرات، لكننا في المرة الأخيرة كنا على وشك الغرق. كان القارب يحمل 44 شخصا، وبدأت المياه تتسرب إليه. نجونا من الموت".

فيما بدأ أبو عادل بحثه وسؤاله عن بدائل أخرى للعبور إلى بريطانيا، كان الشاب السوري عدنان الذي يبلغ من العمر 25 عاما لا يزال مصمما على عبور البحر مهما كانت العواقب "مرت سبع سنوات على خروجي من سوريا، أريد الوصول إلى بريطانيا والاستقرار هناك".

يحتدم الحديث بين السوريين المتحدرين من محافظة إدلب شمال سوريا، "انظر إلى البحر الهائج والجو السيء. سنموت بردا إن واجه القارب مشاكل". لا يأخذ عدنان كلام صديقه بعين الاعتبار ويقول "لا أخاف من الموت. ذلك أصبح شيئا اعتياديا بالنسبة لنا".

 

للمزيد