أزمة إنسانية وتحركات غير كافية
أزمة إنسانية وتحركات غير كافية

صور مأساة اللاجئين العالقين على الحدود البولندية البيلاروسية أعادت للأذهان أزمة 2015، فهل لاقى هؤلاء التضامن اللازم من قبل المنظمات والمجتمعات الأوربية وحتى اللاجئين الذين سبقوهم إلى أوروبا وألمانيا على وجه الخصوص؟

يُقر معظم ساسة أوروبا أن أزمة المهاجرين على الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي لم تنته بعد، حيث يواصل المهاجرون واللاجئون دون كلل محاولة دخول التكتل عبر الحدود من بيلاروسيا إلى بولندا بالدرجة الأولى وإلى ليتوانيا بالدرجة الثانية.

أزمة أثارت العديد من ردود فعل السياسيين على الصعيد الأوربي، نظراً لتركيبتها المقعدة التي تتراوح بين ما هو سياسي وأمني واقتصادي. لكن هل لاقت تلك المأساة تضامناً من قبل المنظمات الإنسانية، والمجتمعات الأوربية، وحتى اللاجئين الذين دخلوا الأراضي الأوربية منذ سنوات؟

تراجع "ثقافة الترحيب" في ألمانيا؟

تقول آخر استطلاعات الرأي في ألمانيا إن الألمان منقسمون بشأن فكرة استقبال المهاجرين واللاجئين العالقين على الحدود البولندية البيلاروسية. ففي استطلاع أجراه معهد أبحاث الرأي YouGov، يؤيد 48 في المائة من الذين تم استجوابهم السماح للاجئين بدخول ألمانيا من أجل التحقق مما إذا كانوا مؤهلين للحصول على الحماية في هذا البلد. فيما يؤيد 9 بالمائة فقط قبولاً غير مشروط لهؤلاء المهاجرين واللاجئين. بينما يرى 18 في المائة من المشاركين في الاستطلاع ضرورة قبول اللاجئين القادمين من مناطق الحرب فقط. ويشير الاستطلاع إلى أن 45 بالمائة ممن شملتهم الدراسة يعارضون استقبال ألمانيا لهم.

وبالرغم من هذه الأرقام، إلا أن مبادرات عديدة قامت بها منظمات ناشطة في مجال دعم اللاجئين، شارك فيها نشطاء ولاجئون سعت للضغط على السياسيين في برلين لاتخاذ إجراءات عاجلة بشأن آلاف الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل على الحدود البولندية البيلاروسية. فقد أضيئت (مساء السبت 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2021) آلاف الشموع أمام البرلمان الألماني (بوندستاغ) للفت الانتباه إلى تلك المأساة. وطالب القائمون على تلك المبادرة الحكومة الفيدرالية القادمة بإنشاء ممر إنساني لهم ومنحهم إمكانية التقدم بطلب للحصول على اللجوء.

منظمات إنسانية توزع مواد غذائية على المهاجرين العالقين في المنطقة الحدودية بين بولندا وبيلاروسيا
منظمات إنسانية توزع مواد غذائية على المهاجرين العالقين في المنطقة الحدودية بين بولندا وبيلاروسيا

ماذا عن بولندا؟

تظاهر المئات وسط العاصمة البولندية وارسو رافعين لافتات كتب عليها "أنقذوا الأشخاص على الحدود!"، ورددوا هتافات مثل "لا يوجد شخص غير شرعي". كما نظمت أمهات بولنديات مسيرة دفاعاً عن حقوق المهاجرين في بلدة هاينوفكا (شرق)، حيث هتفن "الغابة ليست للأطفال".

وعلى الحدود البولندية مع بيلاروسيا، تحركت العديد من المنظمات الإنسانية هناك لتقديم المساعدة لآلاف العالقين، غير أن تلك المساعي غالباً ما تصطدم بالعديد من العقبات وعلى رأسها صعوبة الوصول إلى مناطق تواجد المهاجرين، وعدم الحصول على تصريح لتقديم المساعدة اللازمة في تلك المناطق.

في حوار مع مهاجر نيوز، تحدث الشاب ألدو القادم من الكاميرون، وهو أحد المهاجرين الذين قد نجحوا في عبور الحدود والوصول إلى ألمانيا، عن المواقف الصعبة التي مرّ بها خلال رحلته للوصول إلى الاتحاد الأوروبي، وقال ألدو إنه لم يلاحظ وجود مجموعات أو مؤسسات منظمة للمساعدة الأشخاص العالقين عند الحدود.

ومن جهة أخرى، أكد أيضاً أحمد، وهو طالب لجوء سوري وصل إلى مدينة فرانكفورت الألمانية قبل أيام عبر طريق بيلاروسيا، لـ "مهاجر نيوز" على الظروف الصعبة التي تخلو من الإنسانية التي واجهها هناك مشيراً إلى عدم وجود جهات مختصة لتقديم المساعدة في بيلاروسيا، إلى جانب المعاملة السيئة من قبل البيلاروسين، في حين أشار إلى وجود جمعيات ومنظمات تقدم العون والمساعدة لطالبي اللجوء الواصلين في بولندا، حيث تؤمن لهم الملابس والطعام والمياه. 

ويمكن وصف ما يواجهه المهاجرون العالقون عند الحدود البولندية أزمة إنسانية بكل المقاييس، حيث يتكدس مئات من المهاجرين في ظروف قاسية ومعاملة غير إنسانية بالتزامن مع الطقس البارد، حيث تنزل درجات الحرارة إلى ما دون الصفر خصوصاً أثناء الليل.

ويبدو أن مجموعات المساعدة لم تتمكن من الوصول إلى المنطقة الحدودية التي تخضع لقيود مشددة في الفترة الحالية، ووفقاً لما صرحه الشاب العراقي حسن لـ "مهاجر نيوز"، حيث قال إن المساعدة كانت متوفرة في بولندا فقط.

مهاجرون لدى وصولهم جزيرة ليسبوس اليونانية بواسطة القوارب المطاطية في عام 2015
مهاجرون لدى وصولهم جزيرة ليسبوس اليونانية بواسطة القوارب المطاطية في عام 2015

تخوف من تباعات قانونية

تعيد هذه المعاناة والظروف القاسية الذكريات المؤلمة للعديد من اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا قبل عدة سنوات، وكانوا قد اتخذوا طرقاً محفوفة بالمخاطر سواء كانت عن طريق البحر أو البر. وقالت سعاد، (اسم مستعار) لـ "مهاجر نيوز"، إن الصور ومقاطع الفيديو التي تصلها من بيلاروسيا تعيد إليها مواقف مريرة قد واجهتها خلال "رحلة الموت" كما تسميها عند قدومها إلى أوروبا في عام 2016، وخصوصاً أنها قد وصلت في برد الشتاء القارس. وقالت "أشعر بالأسى عليهم، وأرغب بشدة بالمساعدة ولكنني لا أعلم إلى أين يجب أن أتوجه، أو كيف يمكنني أن أساعد".

وبحسب الصحفي رشدي شياحي، هناك منظمات بولندية تقدم المساعدات للاجئين ولكنها تتجنب التصريح بأسمائها خوفاً من تقييد النشاط بتهمة "الإتجار بالبشر" وغيرها من التهم. وهذا السبب أيضاً الذي قد يقف أمام اندفاع كثير من اللاجئين في ألمانيا على سبيل المثال من محاولة المساعدة المباشرة خوفاً من المشاكل القانونية التي قد تخلفها "حسن النية".

وتعليقاً على هذه النقطة خصوصاً يقول ثائر، لاجئ سوري وصل إلى ألمانيا عام 2018، لـ "مهاجر نيوز"، إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو، وعبر عن قلقه من أن تتسبب "محاولة المساعدة" بمشاكل قانونية أو حتى "سحب الإقامة" بحسب تعبيره.

وانسحب التخوف وغياب التضامن على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ لم نرصد حملات أو منشورات من المهاجرين الذين وصلوا قبل سنوات لدعم المهاجرين العالقين اليوم على الحدود البولندية البيلاروسية.

 

للمزيد