picture-alliance/dpa/S. Hoppe
picture-alliance/dpa/S. Hoppe

على نحو مفاجئ أكد اتفاق الائتلاف الحكومي القادم في ألمانيا بزعامة أولاف شولتس على فتح الباب واسعا أمام المهاجرين إلى ألمانيا عبر الطرق الشرعية. ما خلفيات ذلك، وهل يتم تجاوز مشكلة النقص في العمالة المتخصصة عبر ذلك؟

دعونا "نكون أكثر جرأة من أجل مزيد من التقدم عن طريق التحالف من أجل الحرية والعدالة والاستدامة". هذا هو عنوان اتفاق الائتلاف الحكومي القادم في ألمانيا بزعامة أولاف شولتس بين حزبه الاشتراكي وكل من حزب الخضر والحزب الليبرالي. وكما كانت التوقعات أعطى الاتفاق الأولوية لمواجهة جائحة كورونا بما في ذلك تشكيل خلية أزمة دائمة لإدارة الأزمة وتجاوزها. غير أن بعض بنود الاتفاق شكلت مفاجأة، لاسيما المتعلقة باللاجئين والمهاجرين. فعلى الرغم من حساسية موضوع اللجوء والهجرة واستغلاله سياسيا في الوقت الحالي من قبل قوى عديدة على رأسها قوى اليمني الشعبوي والمتطرف في عموم أوروبا، فإن الاتفاق يفتح أبوابا أوسع للهجرة واللجوء، ولكن بشكل منظم عبر السفارات والمؤسسات الألمانية المعنية وبعيدا على العشوائية والاتجار بالبشر واجتياز الحدود سرا، وغيرها من الطرق اللاشرعية.

بلد هجرة من "الطراز الحديث"!

وجاء في الاتفاق أن التحالف "يخطط لبداية جديدة تهدف إلى جعل ألمانيا بلد هجرة من الطراز الحديث". وفي التفاصيل نص اتفاق التحالف الذي يُطلق عليه أيضا "تحالف إشارة المرور" على وجوب تقليص "الهجرة غير النظامية والعمل على هجرة منظمة تراعي الواقع الألماني". ومما يعنيه ذلك الإسراع في إصدار الفيزا والعمل على رقمنتها. كما يعني إلغاء حظر العمل على الذين يعيشون في ألمانيا وفسح المجال أمامهم لتعلم اللغة والاندماج والحصول على الجنسية الألمانية بشكل أسهل وأبسط من خلال تقليص الاجراءات البيروقراطية الألمانية المعقدة والمنفرة.

picture-alliance/dpa/H. Schmidt | الاقتصاد الألماني يروج لتشجيع إدماج اللاجئين في سوق العمل الألمانية
picture-alliance/dpa/H. Schmidt | الاقتصاد الألماني يروج لتشجيع إدماج اللاجئين في سوق العمل الألمانية


نقص حاد في العمالة المتخصصة

يعكس ما جاء في اتفاق التحالف الحكومي القادم استمرار التزام المانيا باستقبال لاجئين ومهاجرين لأسباب إنسانية، وهو الأمر الذي برهنت عليه خلال الأزمات التي شهدتها مناطق عديدة على رأسها سوريا وقبلها العراق وأفغانستان والبوسنة والهرسك. لكنه يعكس أيضا حاجة ألمانيا الماسة إلى العمالة الأجنبية المتخصصة، لأن استمرار ازدهار الاقتصاد مرتبط باستقدامها. ومن المعروف أن التغيرات الديمغرافية التي تؤدي إلى ارتفاع نسبة كبار السن والمتقاعدين في المجتمع الألماني مقابل تراجع نسبة الشباب ومن هم في سن العمل أحد أهم أسباب نقص العمالة المتخصصة. وتقدر حاجة ألمانيا السنوية إلى العمالة الأجنبية المتخصصة ما بين 140 إلى 150 ألف شخص سنويا خلال العقد الحالي والعقود الأربعة اللاحقة.

وإذا ما أخذنا التبعات الاقتصادية لجائحة كورونا بعين الاعتبار، فإن النقص سيزداد بسبب الحاجة لإعادة هيكلة الصناعة والزراعة بهدف تجاوز مشكلة انقطاع سلاسل التوريد وارتفاع أسعار النقل العالمية. ومما يعنيه ذلك إقامة صناعات جديدة وإعادة توطين أخرى هجرت ألمانيا من قبل بهدف تقليل الاعتماد على الخارج في استيراد الكثير من مكونات الانتاج في مجالات من بينها على سبيل المثال الإلكترونيات والبطاريات ومكونات الطاقة المتجددة.

مشاريع طموحة من كل حدب وصوب

وفي مجال التعليم والرقمنة وحماية المناخ، وضع الاتفاق أهدافا طموحة تقضي بالتوفيق بين الحفاظ على الازهار في ألمانيا وفي نفس الوقت الالتزام بمعايير حماية المناخ. في هذا السياق يريد شركاء التحالف خفض انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون بنسبة تزيد على 50 بالمائة خلال هذه العقد بسبل عديدة من أبرزها الاستغناء عن استخدام الفحم الحجري ورفع مساهمة الطاقات المتجددة في استهلاك الطاقة الكهربائية إلى 80 بالمائة بحلول عام 2030. ومن متطلبات ذلك مضاعفة إنتاج الطاقة الشمسية 3 مرات وتوسيع طاقة الرياح بمعدل سبعة أضعاف خلال السنوات التسع القادمة. ولا تبدو خطط الحكومة في مجال الرقمنة أقل طموحا إذا ينبغي في هذا الإطار تحديث شبكة الاتصالات وربط المدارس ونظم التعليموالمؤسسات بشبكة انترنت تشمل الأرياف أيضا وتكون من بين الأسرع في العالم. ولا تنتهي سلسلة الأهداف الطموحة بذلك بل تذهب إلى وضع خطط لبناء 400 ألف مسكن سنويا، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 12 يورو في الساعة وزيادة عدد السيارات الكهربائية إلى 15 مليون سيارة مع نهاية العقد الحالي.

مشكلة جذب العمالة الأجنبية المتخصصة

إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب مشاريع تحتاج إلى استثمارات ضخمة بمئات مليارات اليورو، ليس بالأمر السهل على الحكومة الجديدة توفيرها. غير أن إيجاد مصادر تمويلها لن تكون العثرة الأكبر أمام تحالف حكومي يستند على رابع أقوى اقتصاد في العالم ألا وهو الاقتصاد الألماني. فعلى الرغم من التكاليف العالية لجائحة كورونا لا يزال لدى الحكومة الألمانية القادمة إيرادات ضريبية ضخمة واحتياطات وفرص كثيرة للاقتراض بهدف تنفيذ المشاريع المطلوبة. وإذا كان الحصول على رؤوس الأموال اللازمة مسألة ممكنة في إطار سياسة حكومية صديقة للاستثمار، فإن العثرة الأكبر التي ستواجه الحكومة القادمة ستكون في صعوبة توفير العدد الكافي من العمال المتخصصين من الخارج لتغطية النقص في مشاريعها الطموحة القادمة. ومن المعروف أن النقص في العمالة المتخصصة موجود حاليا بحدة في أكثر من قطاع على رأسها الصحة والمعلوماتية والبناء. ومن هنا يأتي الطلب الكبير حاليا على المتخصصين في الخدمات الطبية وهندسة المعلوماتية. وفي قطاع البناء وصل الأمر إلى حد أصبح من الصعب جدا الحصول على خدمات شركات البناء المتخصصة دون مرور أشهر على حجز موعد. ومن هذه الخدمات على سبيل المثال أعمال صيانة النوافذ والأبواب والجدران وأسطح الأبنية وتجهيزات التدفئة وتمديدات المياه. ويعتمد قطاع البناء في ألمانيا بشكل كبير على العمالة الأجنبية القادمة من شرق أوروبا وتركيا. ومن الواضح أن أسواق هذه البلدان ليست قادرة على توفير العدد المطلوب من المؤهلات لهذا القطاع حاليا، فكيف عندما يتم البدء بمشاريع لبناء 400 ألف مسكن سنويا؟

فرص للمتخصصين من العالم العربي

إن تنفيذ مشاريع الحكومة القادمة الطموحة سيعني حاجة ألمانيا إلى عشرات الآلاف من العمالة الأجنبية المتخصصة الإضافية خلال السنوات التسع القادمة. وسيتم البحث عن هؤلاء في مختلف البلدان بما فيها البلدان العربية التي ستعاني من هجرة المزيد من الكفاءات على ضوء ذلك. غير أن حاجة ألمانيا للكفاءات الأجنبية شيء، وقدرتها على جذبها شيء آخر. فالأمر في النهاية وكما أظهرت محاولات مشابهة لحكومات المستشارة أنغيلا ميركل سيكون مرتبطا إلى حد كبير بحجم وسرعة التسهيلات التي سيتم تنفيذها في مجال المعاملات البيروقراطية المتعلقة بمنح تأشيرات السفر ومعادلة الشهادات وبرامج تعلم اللغة الألمانية وتأمين السكن وبرامج الاندماج في سوق العمل.

إبراهيم محمد

 

للمزيد