منظر عام للمنطقة المخصصة لاستقبال المهاجرين في ميناء "بويرتو نوفو" في لامبيدوزا، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2021. شريف بيبي
منظر عام للمنطقة المخصصة لاستقبال المهاجرين في ميناء "بويرتو نوفو" في لامبيدوزا، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2021. شريف بيبي

في عام 2013، وصل آلاف المهاجرين إلى جزيرة لامبيدوزا، ما دفع إيطاليا إلى بناء نظام استقبال جديد على عجل، للتعامل مع الموقف. بين الحماية الإنسانية والقوانين الدولية، والاتفاق المثير للجدل مع ليبيا، هل أثبتت سياسة إيطاليا للتعامل مع أزمة الهجرة جدواها؟

وصل خلال هذا العام، ما يقرب من 63 ألف مهاجر إلى إيطاليا، قادمين من ليبيا أو تونس، أو من الحدود الشرقية لأوروبا.

وكانت أزمة إيطاليا مع قضية المهاجرين قد بدأت في عام 2013، عندما هبط عشرات الآلاف من الأشخاص في جزيرة لامبيدوزا. في ذلك الوقت، تم وضع نظام استقبال للتعامل مع الأزمة. لكن بعد ثماني سنوات، تفاوتت ردود الفعل على هذا النظام. تعلق "فونداسيون ميغرانت" وهي منظمة غير حكومية كاثوليكية إيطالية، "نموذج الاستقبال التحرري والمتكامل والمعمم لم يصبح بعد معيارا لسياسة اللجوء الوطنية".

حتى أن الرابطة الملحقة بمؤسسة كاريتاس، انتقدت في تقريرها الأخير عن اللجوء في إيطاليا "إضفاء الطابع المؤسسي على حالة الطوارئ"، الأمر الذي يولد "تناقضات كبيرة" في نظام الاستقبال.

يؤكد ألدو ليجا، الباحث في (ISPI)، وهو معهد أبحاث مقره في ميلان، أنه "على الرغم من استمرار وفود المهاجرين، لم يتغير شيء حقا. في 2013، لم تكن الدولة مستعدة لمواجهة هذه الأزمة، لكن منذ ذلك الحين، لم تملك أي حكومة رؤية حقيقية لإدماج المهاجرين، أو مشروع سياسي قوي ومخصص".

المثال الأكثر دلالة على سياسة "التجريب" المعمول بهما منذ سنوات: الحجر الصحي الذي أمرت به السلطات للمهاجرين منذ بداية الأزمة الصحية، حيث يقضي المهاجرون أسبوعين في سفن راسية قبالة الموانئ. علق ألدو ليجا "يمكننا عزل هؤلاء الأشخاص في أماكن محددة. وبدلا من ذلك، نفضل إبقاءهم عالقين في البحر وفي ظروف خطرة مرتبطة بالتباعد الاجتماعي، مع العلم أن معظمهم عانى من الفظائع في ليبيا. ما قد يدفع بعضهم إلى الانتحار".

للمزيد >>>> إيطاليا: 35 ألف مهاجر وصلوا إلى لامبيدوزا خلال العام الحالي

إعادة المهاجرين إلى ليبيا بدلاً من الترحيب بهم

بدلاً من نظام استقبال مُكيَّف، فضلت الدولة خياراً آخر لإغلاق حدودها. في عام 2017، وقعت روما صفقة مثيرة للجدل مع ليبيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي. الغرض من هذا العقد واضح: توافق إيطاليا على تقديم مساعدات مالية وتدريب خفر السواحل الليبي، وهو ما يضمن في المقابل منع مغادرة المهاجرين من ليبيا باتجاه الاتحاد الأوروبي. في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2019، تم تمديد الاتفاقية ثلاث سنوات إضافية.

برر رئيس الدبلوماسية الإيطالية لويجي دي مايو هذا القرار، أمام البرلمان في عام 2019، قائلاً "لا أحد يستطيع أن ينكر أن أعداد المهاجرين الوافدين قد انخفض من 170 ألف مهاجر في عام 2016، إلى 2200، في غضون عامين فقط". (في الواقع، وصل 11439 شخصا إلى إيطاليا في عام 2019، أي 50.72٪ أقل من عام 2018). ورد ماركو بيرتوتو، عضو منظمة أطباء بلا حدود، "تقول الحكومة الإيطالية إنها تريد تحسين الوضع ولكن في الواقع، نحن نواصل سياسات الفصل والاحتجاز بالوضع الحالي. ويزداد الأمر سوءا لأن عمليات الإعادة القسرية تعيد المهاجرين إلى السجون الليبية، والتي يمكن اعتبارها جحيم على الأرض".

بالنسبة إلى ألدو ليجا، فإن هذه السياسة "حدت بالتأكيد من وصول الوافدين إلى الأراضي الإيطالية. ولكن بأي ثمن؟ لقد أدت أيضا إلى زيادة عدد الوفيات في البحر الأبيض المتوسط ​​وتسببت في الكثير من المعاناة". هذا العام، تم اعتراض 31500 مهاجر في البحر من قبل خفر السواحل الليبي وإعادتهم إلى مراكز الاحتجاز في جميع أنحاء البلاد. وفقد ما لا يقل عن 1500 شخص حياتهم في البحر المتوسط، مقارنة بـ999 العام الماضي.

للمزيد >>>> أعداد طلبات اللجوء في الاتحاد الأوروبي تصل إلى المستويات التي كانت عليها قبل جائحة كورونا

جهود لتحسين سياسة الاستقبال

أدى تعيين لوسيانا لامورجيز في وزارة الداخلية، بعد السياسي اليميني ماتيو سالفيني، إلى تغيير الوضع إلى حد ما. قال ألدو ليجا "لقد نجح سلفها في تفكيك نظام الاستقبال المشيد حديثا. والوزيرة الجديدة لا تتبع النهج نفسه على الإطلاق". عند وصولها إلى حكومة جوزيبي كونتي في أيلول/سبتمبر 2019، شرعت لامورجيز في تفكيك السياسة التي اتبعها ماتيو سالفيني لمدة عام ونصف، عبر وضع حد لاستراتيجية "الموانئ المغلقة" في البحر الأبيض المتوسط، وإعادة توفير الحماية الإنسانية للمهاجرين الأكثر ضعفاً.

كما أطلقت المرسوم التشريعي 130/20. تعلق "فونداسيون ميغرانت" بأنه "ابتكار هام للنظام الإيطالي لحقوق الأجانب". ويقوم هذا المرسوم على منح تصريح إقامة للحماية الخاصة، والذي يمنح حقوقا أساسية للمهاجرين الذين يطلبونها. توضح الدراسة "إنه شكل من أشكال الحماية الدائمة للأجانب الذين يتواجدون أو يصلون إلى بلادنا، حتى على نحو غير نظامي، والذين لا تتوافر لديهم جميع الشروط للحصول على الاعتراف بالحماية الدولية".

وتعتبر هذه الخطوة مفيدة لتسوية أوضاع المهاجرين، لكنها في الواقع ليست مضمونة إلا في حالات قليلة. تم إصدار 3241 تصريحا هذا العام، بين 1 كانون الثاني/يناير و24 آب/أغسطس، ما يمثل 11٪ من الطلبات. أما طلبات الحماية الأخرى، فهي أبعد ما تكون عن كونها مضمونة. وبحسب التقرير، فإن "حوالي 40٪ من المتقدمين، ولا سيما الباكستانيين والنيجيريين والمصريين والصوماليين، حصلوا على الحماية في عام 2021". وتمثل هذه الأرقام ارتفاعا كبيرا مقارنة بما كان عليه الوضع في عهد ماتيو سالفيني، ففي عام 2019، بلغ معدل الرفض لجميع أشكال الحماية 81٪، وفقًا لوزارة الداخلية.

في نهاية عام 2020، كان يعيش في إيطاليا 128 ألف مهاجر ممن يستفيدون من وضع الحماية، أي ما يزيد قليلاً عن اثنين من اللاجئين لكل 1000 نسمة. وهذا أقل بكثير مما هو عليه في فرنسا (ما يقرب من سبعة لاجئين لكل 1000 نسمة)، ومقارنة بألمانيا (14 لكل 1000)، أو في السويد (25 لكل 1000).

للمزيد >>>> منظمة إيطالية توزّع مساعدات على المهاجرين في البوسنة والهرسك

الطابع الأمني مهيمن على سياسة معامة المهاجرين

يقول ألدو ليجا "ليس لدى لوسيانا لامورجيز مجال كبير للمناورة، فهي لا تزال تحت ضغط الحكومة. وعلى الرغم من تغيير اللهجة، لا يزال الطابع الأمني ​​مهيمنا على سياسة معاملة المهاجرين. لكن آليات القمع باتت محدودة. فلم نعد نرى مثلاً اتهامات قانونية للسفن الإنسانية، لكن يتم تجميد عملها بإجراءات إدارية منتظمة".

ومن جانب آخر، لا تزال الممرات الإنسانية "نادرة". باستثناء ردة فعل السلطات الإيطالية بعد سقوط كابول في 15 آب/أغسطس 2021، حيث أنقذت إيطاليا 4890 مواطنا أفغانيا عبر الجسر الجوي الذي أقيم بين الدولتين. ما تعتبره "فونداسيون ميغرانت" إثباتا على أن البلاد لديها "القدرات والموارد الكافية" للقيام بأكثر مما تفعله في الوقت الحاضر.

بالنسبة إلى ألدو ليغا، فعلى الرغم من الوافدين المنتظمين على أراضيها، "تظل إيطاليا بلد عبور لجزء كبير من الوافدين. هذه السياسة المتغيرة تزعزع استقرار المهاجرين، الذين يتعين عليهم التكيف باستمرار. وبالتالي، فمن المنطقي أن معظمهم لا يبقون في إيطاليا". 

 

للمزيد