مهاجرون محتجزون في مونبلييه. الصورة: Google street view
مهاجرون محتجزون في مونبلييه. الصورة: Google street view

منذ عام 2016، حكمت محكمة في مدينة مونبلييه جنوب فرنسا على حوالي 40 مهاجرا قاصرا غير مصحوبين بذويهم، بالسجن لعدة أشهر بتهمة الكذب بشأن سنهم. جمعية "سيماد"، المعنية بشؤون المهاجرين في فرنسا، اعتبرت أن الحكم على هؤلاء فاضح وغير متناسب، خاصة وأن معظمهم تمكن من إثبات أنهم قاصرين.

بدلا من العثور على فرصة لتعلم مهنة أو مهارة ما، وجد مهاجرون قاصرون جاؤوا إلى فرنسا سعيا وراء أحلامهم أنفسهم في السجن. 

عام 2016، انتهى الأمر بمجموعة من المهاجرين القاصرين غير المصحوبين بذويهم أمام المحكمة في مونبلييه جنوب فرنسا، بتهمة الكذب وتزوير وثائق إدارية. وفقا لجمعية "سيماد" غير الحكومية، رفع مجلس مقاطعة إيرولت دعوة ضد هؤلاء متهما إياهم بالاحتيال حول أعمارهم الحقيقية. 

عند وصولهم إلى فرنسا، تقدم هؤلاء القاصرون بطلبات مساعدة إلى الهيئة الاجتماعية للأطفال (ASE) في مونبلييه بصفتهم دون السن. وأثناء انتظار البت بطلباتهم، خلص تحقيق إلى أن وثائق الهوية التي تقدموا بها مزورة. 

"عاملوني كمجرم" 

تييري ليرش، من جمعية "سيماد" في مونبلييه، قال لمهاجر نيوز "الأوراق الثبوتية في بعض البلدان الأفريقية لا تراعي نفس المعايير التي تتبعها فرنسا. وفي كثير من الأحيان، تعتبر شرطة الحدود أن هذه الوثائق مزورة". القاصرون أخضعوا لفحص العظام، الذي جاء مغايرا للمعطيات التي تقدموا بها، وأظهر أنهم تخطوا السن القانونية. لكن على مدى سنوات، أثبتت تلك الفحوصات الطبية المثيرة للجدل أن هامش الخطأ في نتائجها كبير نسبيا، وبالتالي لا يمكن اعتبارها موثوقة ودقيقة. 

موقع " StreetPress" الإعلامي نشر تقريرا حول تلك القضية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ذكر فيه أن الأطفال خضعوا لاختبارات البلوغ في مستشفى جامعة مونبلييه، "كان عليهم أن يتعروا أمام الأطباء، الذين يفحصون الأسنان وكذلك أثداء الفتيات وخصى الأولاد". هذه الممارسة اعتبرت غير قانونية منذ عام 2016 وتوقف العمل بها عام 2020، بناء على إجراءات قام بها المدافع عن الحقوق في الجمهورية الفرنسية. 

وبعد مثولهم أمام المحكمة، حُكم على الأطفال، الذين اعتبرتهم السلطات أنهم بالغين عقب صدور نتائج الفحوصات الطبية، بالسجن لفترات تراوحت في معظمها من ثلاثة إلى أربعة أشهر. يقول تييري ليرش "لقد رأينا أحكاما تصل إلى 12 شهرا". 

"عوملت كمجرم. كنت في نفس الزنزانة مع أشخاص ارتكبوا جرائم حقيقية"، يقول أحد هؤلاء الأطفال (حينها) لموقع قناة فرانس بلو، وهو مواطن من ساحل العاج حكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر في عام 2016. 

وكان لتجربة السجن أثر سلبي كبير على نفسية الأطفال، يضاف إلى الصدمات التي تعرضوا لها وهم على طريق الهجرة، خاصة في ليبيا. يوضح أحد المهاجرين لموقع "StreetPress" أنه تعرض لأزمات نفسية لاحقا مرتبطة بتجربته في ليبيا، "لم أستطع التحرك، كنت أفقد الوعي". شاب آخر قال "لن أتمكن من نسيان السجن. في أول يوم لي، قضيت الليل كله أبكي". 

"العدالة الاستعمارية" 

بالإضافة إلى الاعتقال، فُرض على الشبان دفع غرامة مالية، وهي عبارة عن المبالغ التي صرفتها الدولة لرعايتهم. ووفقا لموقع "StreetPress"، ثُقدر المبالغ ما بين "الدعم التعليمي بـ284 يورو في اليوم والإقامة بـ 56 يورو". وهكذا، طالبت السلطات الشبان بدفع مبالغ وصلت لـ99 ألف يورو، كما يؤكد تييري ليرش. 

الأحكام الصادرة بحق المهاجرين اعتبرتها "سيماد" فاضحة وغير متناسبة. "محكمة مونبلييه لا تحترم القانون وتمارس العدالة الاستعمارية"، حسب تعبير تييري ليرش. "الأفريقي محكوم لأنه أفريقي، كما يعتقد. حتى لو كذب الشخص، فهل يستحق عقوبة السجن. ما هي جريمة الرغبة في الذهاب إلى المدرسة في فرنسا؟". 

بمساعدة من الجمعيات الإنسانية والمنظمات، تمكن معظم الشبان من إثبات أنهم قاصرين وتم إطلاق سراحهم. ووفرت لهم المنظمات لاحقا أماكن في مراكز إيواء وفرص تعليمية في مدارس في مونبلييه. 

وأوردت "سيماد" أن بعض القاصرين تمكنوا من الاستفادة من خدمات هيئة رعاية الأطفال، بعد أن تم إطلاق سراحهم. 

ورفع بعض المهاجرين، الذين تمت إدانتهم ظلما، دعوى أمام محكمة النقض، لإلغاء الحكم الصادر بحقهم والحصول على تعويض. فوفقا لحكم الإدانة، باتوا ملزمين مغادرة الأراضي الفرنسية، ما يجعل الحصول على إقامة شرعية في البلاد معقدا، إن لم يكن مستحيلا.

 

للمزيد