مطار بيروت الدولي، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. رويترز
مطار بيروت الدولي، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2021. رويترز

ليست قضية الهجرة جديدة على اللبنانيين أو المقيمين في لبنان، حيث تكثر القصص عن "المغامرين الأوائل" الذين تركوا البلد المتوسطي أواسط القرن التاسع عشر باتجاه القارة الأمريكية، بحثا عن تحقيق مستقبل أفضل. منذ ذلك الوقت، كان للهجرة حيزا كبيرا من حياة العائلات اللبنانية وغير اللبنانية، وإن تصاعد أو خفت تبعا للظروف السياسية والاقتصادية السائدة في فترات تاريخية مختلفة.

خلال الحرب الأهلية (1975 – 1990)، عادت الهجرة لتشكل الملاذ الأول للكثير من اللبنانيين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، هربا من الحرب والفقر وانعدام الأمل. لكن مع انتهاء الحرب وبداية مرحلة الإعمار، عادت معدلات الهجرة للتراجع بشكل ملحوظ، إلى أن انفجرت الأزمة الاقتصادية الأخيرة، التي أطاحت بالعملة الوطنية التي خسرت نحو 95% من قيمتها الشرائية، وفرضت على الاقتصاد معدلات تضخم غير مسبوقة.

أمام كل ما سبق، عادت الهجرة لتشكل ملاذا للبنانيين وغير اللبنانيين على السواء، من جحيم الفقر وانعدام المستقبل.

وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن 1,570 شخصاً على الأقل، بينهم 186 لبنانيا، شرعوا أو حاولوا المغادرة في رحلات بحرية من لبنان خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني/يناير وتشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، غالبيتهم باتجاه قبرص.

للمزيد>>> مئات الآلاف اختاروا الهجرة.. إحصائيات "مخيفة" حول أرقام الهجرة من لبنان

المتحدثة باسم المفوضية ليزا أبو خالد قالت لوكالة الأنباء الفرنسية إن العدد الإجمالي كان 270 بينهم 40 لبنانياً عام 2019.

وفي رد على أسئلة لوكالة الأنباء الفرنسية، أكّد الجيش أنه في عام 2020، نجحت القوات البحرية "في ضبط نحو 20 مركبا وتوقيف 596 شخصا وتسليمهم إلى السلطات المختصة".

ويقول الجيش إن "عصابات التهريب" تضمّ غالباً أشخاصاً من جنسيات مختلفة، لكنّ رؤساءها "يكونون عادة من اللبنانيين لمعرفتهم بتفاصيل الشواطئ والمناطق اللبنانية".

خرجوا بالبحر وأعادتهم دوريات الجيش

عبد الرحمن، لبناني من طرابلس حاول الهجرة عبر البحر قبل نحو أربعة أشهر، لكن دورية للجيش اللبناني لحقت بالقارب الذي كان على متنه وأجبرته على العودة لليابسة. يقول عبد الرحمن لمهاجر نيوز "أكثر ما أشعر به هو القهر، بعت كل ما أملك واستدنت مبلغا ماليا لأغطي تكاليف الرحلة ومصاريفي هناك (قبرص). الخيبة التي بدت على وجوه أطفالي وزوجتي مع إعادتنا إلى طرابلس كانت لا تحتمل".

لم يكن أمام والد الأطفال الثلاثة فرصة إلا الهجرة، حسب قوله، لتأمين حياة كريمة لأسرته، "أعمل في مجال ميكانيك السيارات وأجرتي اليومية اليوم، مع تدهور الأوضاع الاقتصادية، بالكاد تكفينا خبزا وماء فقط. لم أعد أحتمل حالة الفقر التي نعيش فيها هنا. بلغ بي الأمر أنني لم أعد قادر على تأمين الطعام لأسرتي، أولادي باتوا بلا مدارس لأني لا أستطيع دفع الأٌقساط، وزوجتي توقفت عن تناول أدوية الضغط لأنها غالية الثمن للغاية، إن وجدت".

عبد الرحمن لم يفقد الأمل، ويؤكد أن لا مجال أمامه وأمام غيره من الطرابلسيين، حسب تعبيره، سوى مغادرة لبنان "بقاؤنا هنا انتحار. إذا لم نتمكن من مغادرة لبنان فسيعني هذا القضاء على مستقبل أولادنا".

الحال نفسه ينطبق على جابر، اللاجئ السوري المقيم في منطقة الضنية (شمال لبنان). جابر أيضا حاول الهجرة عبر المتوسط إلى قبرص، لكن دورية للجيش اللبناني أعادته إلى الشاطئ، "هربت من الحرب وأهوالها في سوريا، لأقع تحت سطوة الفقر وانعدام المستقبل في لبنان".

للمزيد>>> الأمم المتحدة: اللاجئون السوريون في لبنان يكافحون للبقاء على قيد الحياة

قبل نحو شهرين، خرج جابر في زورق باتجاه جزيرة قبرص، "كنت قد بعت الدراجة التي أملك واستدنت مبلغا ماليا لدفع التكاليف. حملت ابني الذي يبلغ من العمر عامين وحضنت زوجتي وتوكلنا على الله. بالبداية الرحلة كانت صعبة، الأمواج تلاعبت بالزورق كالريشة في مهب الريح، لكن مع استتباب الأحوال الجوية تفاجأنا بقارب للجيش اللبناني يأمرنا بالعودة. الخيبة والإحباط اللذان أصاباني لا يوصفان. بكيت وأنا أنظر لابني النائم في حضني، لم أحتمل".

مثل عبد الرحمن، بالنسبة لجابر الأمر لم ينته، وسيحاول الكرّة قريبا، "لا يمكنني التسليم بقدري هنا، هذا انتحار، يجب أن أصل إلى أوروبا".

"سأهاجر بعيدا عن التمييز والعنصرية"

أمل الهجرة يراود أيضا عماد رعد، اللاجئ الفلسطيني المقيم في مخيم شاتيلا جنوب بيروت. بالنسبة لعماد الهجرة باتت حلا ليس فقط هربا من الأزمة الاقتصادية، بل لأسباب أكثر من ذلك.

لم يسبق للاجئ البالغ من العمر 50 عاما أن حاول الهجرة، لكنه لا يعارض أي فرصة قد تتاح له ولأبنائه للهروب من لبنان. "طوال عمري وأنا أعامل كغريب في هذا البلد، على الرغم من أني وأولادي ولدنا هنا. الأوضاع الاقتصادية الحالية فاقمت من معاناتنا ومن التمييز الممارس بحقنا".

ويضيف "ابني الأصغر سيتخرج قريبا من الجامعة ومستقبله يسوده شبح البطالة، أخوه الأكبر منه عاطل عن العمل. نحن محرومون من العمل في أكثر من 70 مهنة هنا، وتدهور سعر صرف الليرة اللبنانية زاد من خوفي من الغد".

للمزيد>>> منظمات أممية تدق ناقوس الخطر.. الأزمات المتلاحقة في لبنان تفاقم معاناة المهاجرين واللاجئين

مخاوف اللاجئ تكاد تكون محصورة بولديه فقط، "أخاف من أن يضطر ولداي أن يعيشا مصاعب عشتها في صغري، أخشى أن يضطرا لأن يمرا بحرب أهلية لا ناقة لهما فيها ولا جمل. أنا عشت الحرب وأهوالها، وبالتأكيد سأفعل ما بوسعي لأجنب ولداي تلك التجربة في حال وقعت... وبالتأكيد لن أخرج بالبحر وأغامر بحياة أولادي".

محاولات هجرة

أما هيثم شمص، المخرج اللبناني السينمائي والأستاذ الجامعي، لا يتخوف من حرب بقدر ما بات فاقدا للأمل من المستقبل في لبنان. "بلغت من العمر 50 عاما، مدخراتي الشخصية صادرتها المصارف، فضلا عن كونها خسرت 80% من قيمتها. معاشي بات يساوي 80 دولارا في وقت أنت تحتاج فيه لـ500 دولار كحد أدنى لتعيش بكرامة نسبية".

الهجرة لهيثم دونها عقبات قد لا تكون بارزة أمام من هم أصغر سنا. "حاولت أن أهاجر. توجهت إلى رومانيا، فأخي يعيش هناك واعتقدت أنه بإمكاني أن أبدأ من جديد. بداية لم أتمكن من التأقلم مع طقس البلاد وبردها. فضلا عن غلاء المعيشة هناك مقارنة بالمعاشات التي يحصل عليها الناس. أنا تمكنت من الحصول على وظيفة مدرس جامعي، لكن المعاش لم يتخط الـ800 يورو، في وقت أحتاج لمبلغ ألفي يورو لأتمكن من العيش بشكل كريم".

ويضيف "عدا عن ذلك، الحياة الاجتماعية هناك صفر تقريبا، وبالنسبة لشخص بعمري هذا صعب. لم أتمكن من استيعاب كل تلك المتغيرات دفعة واحدة، فاتخذت قراري بالعودة إلى لبنان".

لم يصرف الأستاذ الجامعي النظر عن موضوع الهجرة، "في المرة القادمة سأقرن هجرتي بعقد عمل، أو بتحسن الظروف الصحية العالمية لأتمكن من إطلاق مشروع اقتصادي صغير في البلد الذي سأهاجر إليه".

الأمل بالغد ورفض الهجرة

وعلى عكس كل من تحدث مسبقا، يحافظ الصحافي والكاتب خالد صبيح على أمله بأن تتحسن الأمور يوما. يرفض خالد الهجرة، فبالنسبة له "بعيدا عن العواطف والشعارات، أنا معتاد على هذا المكان (بيروت) ثقافيا واجتماعيا وحياة يومية، لم أجد مدينة مماثلة في كل البلدان التي زرتها بحياتي".

ويتابع "فرضا قررت الهجرة، إلى أين سأرحل ولماذا؟ حاليا ظروفي الاقتصادية أفضل من كثيرين. قد أكون من المحظوظين الذين يمكنهم الاستمرار بالعيش في لبنان... لكن هذا الخيار هو قناعتي الحالية، فبقائي هنا ربما قد يشكل حافزا لآخرين لأن يبقوا أيضا لنسعى لمحاسبة من سرقوا مستقبلنا وآمالنا وحياتنا".

 

للمزيد