صورة من داخل أحد مراكز الاحتجاز في ليبيا. المصدر: منظمة يورو ميد
صورة من داخل أحد مراكز الاحتجاز في ليبيا. المصدر: منظمة يورو ميد

مهاجرون سوريون خرجوا مؤخرا من مركز احتجاز غرب العاصمة الليبية طرابلس، تواصلوا مع مهاجر نيوز ليتحدثوا عما عاينوه وشاهدوه هناك. المهاجرون أكدوا وجود أطفال في المركز، كما شهدوا على عدة وفيات هناك، منها ما هو مرتبط بسوء التغذية أو إطلاق النار أو الضرب. مفوضية اللاجئين تعلم بوجود ذلك المركز، لكنه لا يقع ضمن نطاق صلاحياتها كونه لا يدار من قبل جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.

سجن "المايا"، 27 كلم غرب طرابلس، سجن أو مركز احتجاز جديد نسبيا افتتحته السلطات الليبية لاحتجاز المهاجرين الذين تعترضهم في البحر. يشرف على السجن جهاز أمني يعرف باسم "جهاز دعم الاستقرار"، شكّله رئيس الوزراء السابق فايز السرّاج بشكل رئيسي للمساعدة في حفظ الأمن في العاصمة.

لكن يبدو أنه خلال السنوات الماضية، اتسعت دائرة مهمات الجهاز لتشمل إدارة مراكز احتجاز مهاجرين، كما هو الحال في مركز "المايا".

مهاجرون خرجوا من ذلك السجن مؤخرا، رووا لمهاجر نيوز فظاعات ارتكبت بحقهم وبحق آخرين، عدا عن سقوط ضحايا وجرحى هناك دون أن يتمكن أحد من معرفة مصيرهم.


مهاجر نيوز تواصل مع مفوضية اللاجئين في ليبيا، التي أكدت بدورها علمها بوجود ذلك السجن، وأن هناك نحو ثلاثة آلاف مهاجر محتجزين هناك.

المفوضية شددت على أنها تعمل ضمن نطاق مراكز الاحتجاز المعترف بها والخاضعة لسلطة جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية فقط، ولا سلطة لها داخل المراكز التي تديرها مجموعات أخرى.

ما قالته المفوضية عزز جزءا من رواية المهاجرين الذين تواصلوا مع مهاجر نيوز، حول انعدام زيارات المنظمات الإنسانية لهم هناك.

جرب وسل وسوء تغذية

أحمد*، مهاجر سوري وصل ليبيا مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي بهدف تدبر رحلة عبر البحر توصله أوروبا. بالنسبة لأحمد ورفاقه، لم يكونوا ليتخيلوا أن رحلتهم إلى ليبيا ستقلب حياتهم رأسا على عقب، وسيمرون بتجربة من الصعب أن تنسى أو أن يتخلصوا من آثارها على نفسياتهم.

أمضى أحمد في سجن "المايا" ثلاثة أشهر، وخرج قبل نحو ثلاثة أسابيع. بالنسبة للمهاجر الشاب، منذ اللحظة الأولى لدخوله ذلك السجن، بدأ التعذيب. "لم يسمحوا لنا بالتواصل مع أحد، حتى مع أهالينا، كانوا يقولون لنا إن خروجنا من هناك مرهون بزيارة السفارة أو أي من المنظمات الدولية التي يمكن أن تكفلنا".

بقي أحمد ورفاقه على ذلك الحال أسابيع طويلة، "إلى أن عرضوا علينا الدفع مقابل إطلاق سراحنا، وبشرط أن يتم التواصل مع أهالينا عبر سمسار، وليس عبرنا نحن. العذاب النفسي لنا ولأهلنا كان شديدا. الآن أنا خرجت من ذلك السجن وأريد للعالم أن يعرف ما الذي حصل معنا هناك".

تحدث أحمد عن الظروف الصحية المعدومة داخل السجن، والمراحيض غير الصالحة للاستخدام والتي تفيض معظم الأوقات عليهم. تحدث أيضا عن الجرب المنتشر في صفوف المهاجرين المحتجزين هناك والأمراض الصدرية، خاصة السل، "السعال شائع جدا في العنبر الذي كنا فيه، معظمهم كان يبصق دما بعد السعال. أما الجرب فحدث ولا حرج، يمكنك مشاهدة العفن يحيط بالبقع الجلدية المصابة".

"بالنسبة للطعام، كانوا يعطونا خبزة وقطعة جبن في الصباح، فقط. جميع المتواجدين هناك خسروا الكثير من أوزانهم، بعضهم باتت عظامهم ناتئة من تحت جلدهم. وبالنسبة للرعاية الصحية، فهي شبه معدومة، إلا للحالات القصوى كالجروح والكسور، أما باقي الحالات فلا أمل لها بالعلاج".

بالنسبة لأحمد ورفاقه، وجميعهم يسكنون حاليا في طرابلس، لا يمكن أن يكون الجهاز المشرف على ذلك السجن "جهازا نظاميا. بينهم أطفال، بالكاد بلغوا 15 عاما، كانوا يقتحمون العنبر وبأيديهم أسلحة، يضربون ويعذبون ويشتمون دون أن يكون لديهم أي رادع. كان بينهم أشخاص من جنوب السودان، ومصريين أيضا، كانوا جميعهم يتفننون بضربنا".

وفيات متعددة

وفقا لعدد من المهاجرين الذين خرجوا من ذلك السجن مؤخرا، وقعت عدة حالات وفيات هناك، إحداها كانت لرضيع من أم أفريقية، توفي بعد ولادته بساعات نتيجة البرد وانعدام البنى التحتية في السجن. المأساة استمرت مع وفاة الأم بعده بأيام، أيضا نتيجة الإهمال وسوء التغذية.

عبد الله*، مهاجر سوري أيضا خرج من "المايا" يوم الأحد الماضي، أكد خلال حديثه لمهاجر نيوز وجود أطفال هناك، "هناك 18 طفلا سوريا مع أمهاتهم، وهناك 28 امرأة مغاربية، وهناك أكثر من 200 طفل وامرأة من أصول أفريقية. جميعهم محتجزون في عنبر آخر، لكننا نسمع أصواتهم وصراخهم وبكاء الأطفال واستجداء الأمهات للحصول على بعض الطعام للصغار".

عبد الله أمضى في "المايا" نحو ثلاثة أشهر أيضا، شهد وفاة الطفل وأمه، كما شهد على وفاة مهاجر مصري قبل خروجه بيوم واحد، "نحاول أن نقدم للمتوفين كافة المراسم والطقوس المناسبة، نصلي عليهم ومن ثم يأتي المسلحون ويأخذون الجثث، لا أعلم إلى أين".

كما شهد المهاجر السوري القادم من لبنان على ضرب مجموعة من المهاجرين الأفارقة بشكل مبرح، "حاولوا الهرب، أمسك بهم المسلحون وبدأوا بضربهم بقضبان حديدية. قتل أحد المهاجرين على الفور في حين تم نقل أربعة إلى المستشفى وهم بحالة حرجة جدا".

أحمد أيضا بدوره كان شاهدا على إطلاق نار حصل باتجاه مجموعة من المهاجرين الأفارقة، "حاولوا الهرب أيضا، أطلق المسلحون النار عليهم بشكل مباشر، قتل سبعة منهم وأصيب 12 آخرون. تركوا الجرحى على الأرض ينزفون ومنعونا من مشاهدة ما حصل بعد ذلك. لا أعلم إلى أين أخذوهم".

حالات الوفاة متعددة في ذلك السجن، حسب رواية المهاجرين الذين خرجوا من هناك مؤخرا. معظم تلك الحالات مرتبطة بسوء التغذية، وهذا إن تم التثبت منه يشكل إنذارا حقيقيا حيال الأوضاع المأساوية التي يعيشها المهاجرون في تلك المراكز، خاصة التي لا يمكن لمفوضية اللاجئين أو أي منظمة أخرى زيارتها.

 

للمزيد