مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. استمرار محاولات عبور المانش على الرغم من الطقس البارد. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
مهاجرون في مخيم غراند سانت شمال فرنسا. استمرار محاولات عبور المانش على الرغم من الطقس البارد. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز

قبل نحو شهرين ونصف، خرج 29 مهاجراً من مخيم غراند سانت شمال فرنسا، وأبحروا على متن قارب مطاطي من شواطئ دانكيرك، لمحاولة عبور المانش باتجاه المملكة المتحدة، لكن 27 منهم غرقوا. فريق مهاجر نيوز زار المخيم الأسبوع الماضي، وتحدث مع المهاجرين والجمعيات العاملة فيه، والذين لا يستبعدون حدوث "فاجعة جديدة" في ظل استمرار محاولات العبور.

في مخيم غراند سانت شمال فرنسا، يحمل علي* وهو مهاجر كردي، ابنه الرضيع ويعرضه على طبيب من منظمة "أطباء العالم"، فالطفل الذي لا يتجاوز عمره العام والنصف، لا ينام منذ عدة أيام، ولا يتوقف عن البكاء. يقول الأب لمهاجر نيوز "منذ نحو شهرين ونصف، أعيش أنا وزوجتي وأطفالي الأربعة في هذا المخيم، الوضع مزرٍ جداً، والبرد لا يحتمل، والحياة هنا لا تطاق. كل ما نتمناه الآن هو أن نعبر المانش إلى المملكة المتحدة".

للمزيد >>>> "معزولون وغير مرئيين".. 50 سودانياً يعيشون في مخيم عشوائي شمال فرنسا

يعيش في هذا المخيم مئات المهاجرين، أغلبهم أكراد وأفغان، ويتشاركون حلماً واحداً، وهو العبور نحو المملكة المتحدة، إما على متن قوارب عبر بحر المانش، أو مختبئين في شاحنات تعبر النفق الذي يصل فرنسا بالمملكة المتحدة. ظروف الحياة في المخيم "غير إنسانية" كما يصفها المتطوعون العاملون فيه، فلا توجد دورات مياه نظيفة، ولا أماكن مناسبة للاستحمام، ناهيك عن تراكم القمامة في كل أنحاء المخيم، ورائحة الدخان الخانقة المنبعثة من النار التي يشعلها المهاجرون للتدفئة.

ظروف الحياة في المخيم "غير إنسانية" وفقاً للجمعيات العاملة فيه. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
ظروف الحياة في المخيم "غير إنسانية" وفقاً للجمعيات العاملة فيه. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز


يقول علي* إنه حاول عبور المانش سبع مرات، "آخرها يوم 9 شباط/فبراير الجاري، ولكن في كل مرة تفشل المحاولة قبل أن نصعد على متن القارب. حيث يعترضنا عناصر من الشرطة الفرنسية، ويمزقون القوارب المطاطية بأدوات حادة". أما بالنسبة للتكلفة المادية، يوضح علي أن "المبلغ المتفق عليه يصل إلى 2000 جنيه إسترليني (2400 يورو) للشخص الواحد، والأطفال مجانا. نتفق مع مكتب حوالات مالية في العراق، يكون المسؤول عن سحب الأموال عندما نصل إلى وجهتنا، وعلى هذا الأساس نقوم بمحاولاتنا".

 شواطئ دانكيرك حيث خرج منها قارب المهاجرين الذي غرق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وراح ضحيته 27 مهاجراً. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
شواطئ دانكيرك حيث خرج منها قارب المهاجرين الذي غرق في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وراح ضحيته 27 مهاجراً. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز


وأنهى الرجل الذي كان يعمل تاجراً في مدينة السليمانية، قائلاً "في نهاية الأمر، أنا أدفع مبلغاً كبيراً من المال، لذا في حالة أن القارب غير مناسب أو أن عدد المهاجرين كبير، لا يستطيع أحد أن يجبرني على الصعود إلى القارب".  

 للمزيد >>>> المانش: إنقاذ 36 مهاجرا كانوا يحاولون الوصول إلى بريطانيا

بعد شهرين ونصف على فاجعة غرق 27 مهاجراً.. "لا نستبعد وقوع حوادث مشابهة"

ارتبطت شواطئ مدينة دانكيرك، القريبة من المخيم، بأفلام هوليوود عن الحرب العالمية الثانية، ولا تزال بعض الثكنات الإسمنتية المحصنة الموجودة على الشواطئ، شاهدة على الأحداث التاريخية التي وقعت هناك.

لكن خلال الأعوام الأخيرة، اقترنت هذه الشواطئ الرملية بملف الهجرة، باعتبارها نقطة انطلاق لقوارب المهاجرين المتجهين من فرنسا إلى المملكة المتحدة. ووفقاً للشهادات والمقابلات التي جمعها فريق مهاجر نيوز في المنطقة، يتواصل المهربون مع المهاجرين في اليوم الذي يسبق الموعد المحدد لمحاولة العبور، والذي يتم اختياره وفقاً لحالة الطقس. يتوجه المهاجرون إلى الشواطئ ليلاً، إما مشياً لمدة ساعة ونصف تقريباً، أو عبر حافلات صغيرة يوفرها المهربون. ويقضون ليلتهم مختبئين في الكثبان الرملية المقابلة للشاطئ، والتي تغطي بعض أجزائها الحشائش الطويلة، إلى أن يحين الموعد. فيحمل المهاجرون القوارب المطاطية والمحركات، ويتوجهون إلى الشاطئ في وقت متزامن تحت عباءة الليل، محاولين تشتيت وتجاوز الشرطة الفرنسية المتواجدة في المنطقة، والتي تحول دون تمكن جزء كبير من المهاجرين من الصعود إلى قواربهم والدخول إلى البحر.

أما أولئك الذين ينجحون في تجاوز الشرطة، فينتهي بهم المطاف إما بإنقاذهم من قبل قوات فرنسية في البحر، أو يصلون إلى وجهتهم، أو في بعض الحالات، كما حدث في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، يغرقون ويفقدون حياتهم.


آن ريشل، منسقة جمعية "يوتوبيا 56" في غراند سانت، أكدت أن محاولات عبور المانش لم تتوقف بعد الحادثة، وأن المخيم يعج بالمهربين الذين ينقلون معلومات مغلوطة إلى المهاجرين اليائسين. وقالت "يتلقى خطنا الساخن اتصالات على مدار الساعة، بعضها من مهاجرين عالقين وسط البحر، لنقوم من جانبنا بالتواصل مع الجهات المختصة لإنقاذهم. هذه اللحظات تكون صعبة، لأننا نسمعهم يصرخون ويتحدثون بالإنجليزية إما عن تعطل المحرك، أو عن ثقب في القارب وتسرب المياه إلى داخله".

للمزيد >>>> فرنسا: خمس جمل مفتاحية لفهم حكم الطعن أمام المحكمة الوطنية لحق اللجوء

وأشارت الناشطة إلى وجود بعض حالات العنف في المخيم، لا سيما في ظل تواجد بعض التشكيلات المنظمة المرتبطة بالتهريب، بالإضافة إلى بعض حالات العنصرية ضد بعض الجنسيات، خاصة الأفريقية.

ومن جانبه، قال آلان ليداغونيل، رئيس الجمعية الوطنية للإنقاذ البحري (SNSM) في دانكيرك، إن عملياتهم قد تضاعفت ست مرات خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، مشيراً إلى أن القوارب التي يستخدمها المهاجرون متهالكة ورديئة، مما يجعلها تغرق بعد أقل من 10 دقائق في البحر.

آلان ليداغونيل، رئيس الجمعية الوطنية للإنقاذ البحري (SNSM) في دانكيرك. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز
آلان ليداغونيل، رئيس الجمعية الوطنية للإنقاذ البحري (SNSM) في دانكيرك. المصدر: مهدي شبيل/مهاجر نيوز


"هذه هي حقوق الإنسان؟ خيمة وسط الطين والقمامة في أوروبا؟ لم نخاطر بحياتنا لنرضى بهذه الحياة"

وعلى بعد نحو 150 متراً من المخيم، وبين الأشجار الكثيفة، نصب مهاجرون إريتريون نحو 10 خيام، يعيشون فيها منذ حوالي أسبوعين، ويعودون إليها بعد المحاولات الفاشلة لعبور المانش. يقول أبدي (16 عاماً)، "ليلة أول أمس حاولنا العبور، ولكن بعد 10 دقائق في البحر، توقف المحرك عن العمل، فاتصلنا برقم الطوارئ الدولية 112، وحضرت طواقم الإنقاذ ونقلتنا إلى الشاطئ. ثم ركبنا الحافلة وعدنا إلى المخيم". وتوفر السلطات حافلات في دانكيرك تكون مجانية ومدفأة لنقل المهاجرين.

تقاطعه نادية ذات الـ17 عاماً، قائلة "لن نتوقف عن المحاولة، أحلم بأن تكون لي حياة طبيعية كباقي الناس، وأن ألتحق بالجامعة، وسأبذل كل ما بوسعي لتحقيق ذلك، وللأسف، هذا غير متاح في فرنسا".

للمزيد >>>> رغم صدمة غرق 27 شخصا في المانش.. المهاجرون في شمال فرنسا عازمون على العبور إلى بريطانيا

عبد العزيز* مهاجر عراقي كردي يبلغ 52 عاماً، يعيش في شمال فرنسا منذ ست سنوات، وبدأ مؤخراً ببيع بعض المشروبات والأطعمة الخفيفة في مخيم غراند سانت، يقول لمهاجر نيوز "قضيت ست سنوات في اليونان، وست سنوات أخرى في فرنسا، حيث تقدمت بطلب لجوء، وتم رفضه. أريد أن أعيش هنا وأن أعمل، لكنهم لا يريدوننا، فماذا نفعل؟".

عبد العزيز، مهاجر عراقي كردي يعيش في شمال فرنسا منذ ست سنوات. المصدر: موسى أبوزعنونة/مهاجر نيوز
عبد العزيز، مهاجر عراقي كردي يعيش في شمال فرنسا منذ ست سنوات. المصدر: موسى أبوزعنونة/مهاجر نيوز


وأضاف "سمعنا أن بعض السياسيين قدموا إلى المنطقة بعد حادثة الغرق قبل شهرين، وأنهم صرحوا بأن الشرطة لن تقوم بنزع خيامنا ولن تصادر حاجياتنا. هذه هي حقوق الإنسان؟ خيمة وسط الطين والقمامة في أوروبا؟ لم نخاطر بحياتنا لنرضى بهذه الحياة، لذلك سنستمر بمحاولة العبور حتى نحصل على حياة أكثر إنسانية".  

 

للمزيد