صورة من الأرشيف لمهاجرين يمشيان في مدينة كاليه. المصدر: مهدي شبيل/مهاجرنيوز
صورة من الأرشيف لمهاجرين يمشيان في مدينة كاليه. المصدر: مهدي شبيل/مهاجرنيوز

قبل نحو شهرين من انطلاق الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2022، تشتد المنافسة بين المرشحين لهذا الاستحقاق، سواء عبر وسائل الإعلام أم خلال المناظرات واللقاءات المفتوحة، إذ أصبح موضوع الهجرة مرة أخرى هو الملف الرئيسي ضمن الحملة الانتخابية للكثير من المرشحين، لاسيما مرشحي حزبي اليمين واليمين المتطرف. ويعد هذا الملف، منذ سبعينيات القرن الماضي، موضوعا جدليا بارزا في الانتخابات. لكن تحول الجدل اليوم ليصبح "أكثر راديكالية وتشددا" وفق البروفيسور فرانسوا هيران المتخصص في "الهجرة والمجتمعات" في"كوليج دو فرانس" ومؤلف كتاب "لنتحدث عن الهجرة في 30 سؤالا".

مهاجر نيوز: أظهر أحدث استطلاع للرأي أجرته "Ipsos-Sopra Steria" أن القدرة الشرائية هي الشغل الشاغل للمواطن الفرنسي، فالفرنسيون منشغلون كثيرا بتدهور ظروفهم المعيشية وارتفاع الأسعار. بينما لا يتصدر ملف الهجرة أولوياتهم، وإنما يأتي في المرتبة الرابعة، بعد الصحة والبيئة. ومع ذلك فهو موضوع رئيسي للحملات الانتخابية لبعض المرشحين في الاستحقاق الرئاسي، كيف تفسر ذلك؟

 فرانسوا هيران: من الصعب التعامل مع موضوع القدرة الشرائية، وليس من السهل إيجاد الحلول المناسبة له. ومن الصعب الدخول في مواجهة مع الحكومة الحالية بشأنه، لاسيما بعد الخطط التي وضعتها من أجل الحفاظ على الوظائف خلال الأزمة الصحية المتعلقة بانتشار جائحة كورونا. لكن في المقابل، من السهل انتقاد إدارة ملف الهجرة، لكسب أصوات الناخبين في السباق الرئاسي بين بعض المرشحين المتنافسين.

مهاجر نيوز: منذ متى أصبح ملف الهجرة حاضرا جدا وبقوة في الخطاب السياسي الفرنسي؟

فرانسوا هيران: لطالما واجهت فرنسا موجات كبيرة من الاهتمام والانشغال والتوترات بالنسبة إلى هذا الملف. 

فخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، كنا بحاجة إلى أجانب للقتال إلى جانبنا، لكننا كنا حذرين منهم. كان هناك نقاش حول الملفات والسير الذاتية للأشخاص الذين سيتم الاستفادة من خدماتهم في جبهات الحرب. وخلال الأزمة الاقتصادية في أربعينيات القرن الماضي 1940، تم إعادة عدد كبير من البولنديين الذين جلبوا للعمل في المناجم ومصانع النسيج. في ذلك الوقت كان هناك ما نستطيع أن نسمية "رهاب الأجانب"، فالعديد من أصحاب المهن، على سبيل المثال، دعوا إلى حظر عمل الأجانب وتوظيفهم.

أما خلال حرب" الغفران" (حرب أكتوبر ) في عام 1973 والتي رافقها ارتفاع في أسعار النفط، فقد تم حظر الهجرة المرتبطة بالعمل على أمل الحد من البطالة في فرنسا. وكانت النظرية الرسمية، في ذلك الوقت، التي شاركها الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان ووزير خارجيته المسؤول عن العمال المهاجرين، تقول يمكن أن يحل الفرنسيون مكان المهاجرين في الأعمال اليدوية التي يشتغل فيها الأجانب بشكل أساسي.

في الثمانينات 1980، وأثناء صعود حزب الجبهة الوطنية (التجمع الوطني سابقًا)، اكتشف عدد من الناخبين في ذلك الوقت أن أطفال المهاجرين الجزائريين كانوا قد حصلوا على الجنسية الفرنسية بالولادة، على عكس المغاربة أو التونسيين الذين كان عليهم الانتظار حتى يصبحوا بالغين من أجل أن الحصول عليها. وهذا يفسر حقيقة أن الجزائريين كانوا قد أصبحوا فرنسيين في زمن الجزائر الفرنسية. ظل هذا السؤال موضوع جدل لأشهر. لا بل كان هناك قانون في عام 1993 يلزم القاصرين المولودين في فرنسا لأبوين أجنبيين بتقديم طلب رسمي للحصول على الجنسية الفرنسية. وتم إلغاء هذا القانون عندما عاد الاشتراكيون إلى السلطة في عهد حكومة جوسبان.

لذلك فإن ملف الهجرة ليس بجديد في السباق الرئاسي، أما الذي تغير هو تطرف وتشدد النقاش حول الهجرة. فبدلاً من تحليل إخفاقات السياسات السابقة، نفضل أن نقول لأنفسنا: إن معظم المهاجرين يصلون إلى فرنسا لأن لديهم الحق في القيام بذلك (كالزواج أو لم شمل الأسرة أو اللجوء أو للدراسة ) إذن يجب استهداف هذه الحقوق.

للمزيد>>>ادعاءات المرشح الرئاسي الفرنسي إيريك زمور حول طالبي اللجوء

"الاستبدال الكبير"

مهاجر نيوز: في إطار حملتها للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وخلال تجمع انتخابي لها في باريس الأحد، استخدمت مرشحة حزب "الجمهوريون" اليميني فاليري بيكريس تعبير "الاستبدال الكبير"، وهذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها مرشح يميني في الانتخابات الرئاسية هذا التعبير، والذي كان يقتصر حتى الآن على اليمين المتطرف. ما تعليقك على ذلك؟

فرانسوا هيران: لقد تجاوزت فاليري بيكريس بوضوح خطاً أحمر باستخدامها لعبارة متواطئة وهي" الاستبدال الكبير". لقد دفعها المرشحان زمور ولوبان إلى ذلك، فهي تحتاج إلى الحصول على أصوات من اليمين المتطرف.

هذه النظرية لا أساس لها من الصحة على الإطلاق. صحيح أنه في بعض ضواحي "إيل دو فرانس" على وجه الخصوص، تكون نسبة الأطفال المهاجرين عالية، لكن في مناطق فرنسية أخرى لا يوجد مهاجرين، وإن وجدوا فإن عددهم قليل. يتم توزيع الهجرة بشكل غير متساو على الأراضي الفرنسية. أولئك الذين يستخدمون عبارة "الاستبدال الكبير" يشيرون إلى المناطق التي يتركز فيها عدد كبير من المهاجرين.

مؤيدو هذه الفكرة يجب أن ياخذوا بعين الاعتبار الاختلاف في الخصوبة بين النساء من أصل فرنسي والنساء المهاجرات أو من أصل غير فرنسي، علاوة على ذلك، فإن واحدة من كل ست ولادات هي لمهاجرين، وهو أمر بعيد عن أن يكون له تأثير على معدل الخصوبة الوطني. 

هذه الفكرة كانت موجودة بالفعل في عام 1880: في شمال فرنسا، حيث تم تقدير وجود عدد كبير جدًا من البلجيكيين مقارنة بالفرنسيين.

كما كانت فكرة "الاستبدال الكبير" حاضرة بقوة في عهد نابليون أيضًا. عندما مُنع اليهود من الاستقرار في "الألزاس" لأنه كان يُعتقد أنهم سوف يزيدون من عدد سكان المنطقة. من المفترض أنهم كانوا أكثر خصوبة واشتروا المزيد من الأراضي في الألزاس. 

في الماضي ، كنا نتحدث عن عدد مطاعم البيتزا، أما اليوم فالنقاش أصبح عن عدد الجزارين الحلال (محلات لبيع اللحوم والمنتجات على الطريقة الإسلامية) 

للمزيد>>> "40 مليون مهاجر دخلوا أوروبا".. أرقام خاطئة ومضخّمة تقدمها المرشحة اليمينية للانتخابات الفرنسية

مهاجر نيوز:هل تم"غزو واجتياح" فرنسا من قبل الأجانب كما يقول بعض السياسيين؟ وهل الهجرة اليوم أكثر أهمية من قبل؟

فرانسوا هيران: أصبحت الهجرة اليوم أكثر أهمية بسبب العولمة. هذه الزيادة ثابتة، وبشكل مستقل عن التغييرات في الحكومات. وبغض النظر عن الرؤساء الحاليين، فالهجرة مستمرة. ومن الواضح أن السياسيين لا يستطيعون فعل أي شيء فيما يتعلق بملف الهجرة. فموجة الهجرة التي ازدادت أكثر في السنوات الأخيرة كانت بسبب تدفق الطلاب الأجانب إلى فرنسا. لكن هذه الزيادة في أعداد المهاجرين أقل بكثير مما هي عليه في بلدان أخرى، مثل إسبانيا أو إيطاليا أو ألمانيا أوالمملكة المتحدة. ووفقًا لمعطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من نوفمبر 2021، فإن فرنسا أقل من المتوسط من حيث عدد الأجانب على أراضيها، وأيضًا أقل من خلال أعداد التدفق السنوي للمهاجرين. فرنسا ليست وجهة كبيرة للمهاجرين.

"لكل مشكلة، هناك حل بسيط، وواضح، وخاطىء"

مهاجر نيوز: لكن هذه المعطيات التي تحدثت عنها تتعارض مع الخطاب السياسي السائد في فرنسا. فلماذا يتم نشر الكثير من المعلومات الخاطئة حول ملف الهجرة؟

فرانسوا هيرن: إننا نقضي وقتا أطول في دحض الأكاذيب أكثر مما نقضيه في قول الحقيقة. وكما قال هنري لويس مينكين الصحفي الأمريكي "لكل مشكلة، هناك حل بسيط، وواضح، وخاطىء". هذا الاقتباس يلخص الوضع الحالي إلى حد كبير.

للمزيد>>> فرنسا: إدانة مرشح اليمين المتطرف إيريك زيمور بتهمة التحريض على الكراهية

مهاجر نيوز: هل غيرت الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة فيروس كورونا نظرة الفرنسيين إلى الهجرة؟ حيث أن الكثير من الوظائف الأسياسية يشغلها مهاجرون وأجانب

فرانسوا هيران: في استطلاعات الرأي التي أجريت قبل الأزمة الصحية، قال ثلثا الفرنسيين إن هناك عددًا كبيرًا جدًا من الأجانب في فرنسا، وأنهم لم يندمجوا بشكل كافٍ في المجتمع الفرنسي. ولكن في خريف عام 2020، وبعد الحجر الصحي الأول، انخفض هذا الرقم إلى 50٪. فيما يتعلق بمسألة الاندماج أيضًا، كما انخفضت النسبة بشكل كبير. حيث اكتشف الفرنسيون أن المهاجرين والأجانب كانوا حاضرين وفعالين للغاية في ما يسمى بالوظائف الأساسية خلال الجائحة.

لكن السؤال المطروح هو: هل سيكون هناك تأثير دائم لهذه الظاهرة؟ من الصعب معرفة ذلك. 

 

للمزيد