محتجون أمام مقر مفوضية اللاجئين في جرجيس. الحقوق محفوظة
محتجون أمام مقر مفوضية اللاجئين في جرجيس. الحقوق محفوظة

7 أيام مضت ولا يزال أكثر من 100 لاجئ مستمر في الاعتصام أمام مقر مفوضية اللاجئين، في مدينة جرجيس جنوب تونس. عائلات وأطفال وشباب باتوا مشردين بعد إخراجهم من مساكنهم التي تديرها مفوضية اللاجئين، ويطالبون بإجلائهم إلى بلد آخر.

"بات الوضع في تونس لا يطاق. لا حياة كريمة ولا مستقبل"، يقولها اللاجئ السوداني أحمد بلهجة غضب خلال حديثه الهاتفي مع مهاجرنيوز، قبل أن يطغى على صوته هتافات "إجلاء، إجلاء، لا نريد البقاء في تونس"، كانت تتردد على ألسنة عشرات اللاجئين وطالبي اللجوء المعتصمين أمام مكتب مفوضية اللاجئين في جرجيس جنوب تونس.

منذ نحو أسبوع، يفترش هؤلاء المحتجون على أوضاعهم المعيشية المتردية، الشارع المقابل لمقر المنظمة الأممية المسؤولة عنهم. ينامون ويأكلون هناك، وهم مصممون على مواصلة اعتصامهم بعدما أخرجتهم المفوضية من مراكز إيواء وشقق سكنية، ويطالبون بإعادة توطينهم في بلد آخر.

"على كل حال، ليس لدينا مأوى وبتنا ننام في الشارع بعدما أخرجتنا مفوضية اللاجئين قسرا من مساكننا"، يقول أحمد البالغ من العمر 26 عاما، إن مفوضية اللاجئين لم تسمح له بالبقاء في مركز إيواء ابن خلدون في مدنين. وعرضت عليه كحل بديل مبلغ 250 دينار تونسي شهريا لإيجاد منزل للإيجار بمفرده. لكن المبلغ، بحسب أحمد، لا يكفي وهو لمدة ثلاثة أشهر فقط، "أين سنجد منزلا للإيجار؟ وكيف سنتدبر أمورنا دون مساعدة؟ لذلك رفضنا قبول هذا المبلغ".

للمزيد>>> مهاجرون بين ليبيا وتونس.. "نهرب من جحيم إلى آخر بين البحر والصحراء" (1/2)

تناقل اللاجئون هاتف أحمد محاولين نقل جزء من معاناتهم لفريق مهاجرنيوز. ومن بينهم عائلات وأطفال ومرضى وجدوا أنفسهم مشردين أيضا في الشوارع، وانضموا إلى الاعتصام المفتوح آملين بإيصال صوتهم.

إخلاء أماكن سكن لاجئين

تقر مفوضية اللاجئين، خلال حديثها مع مهاجرنيوز، بأنها أعلمت المهاجرين بوجوب مغادرة هذه المراكز وأمهلتهم 15 يوما قبل إخراجهم.

إشعار بالإخلاء من أماكن سكن المفوضية
إشعار بالإخلاء من أماكن سكن المفوضية


يوضّح نائب ممثل مفوضية اللاجئين في تونس، لوران راغوين، سبب ذلك هو "خفض ميزانية المفوضية السنوية [8.5 مليون دولار] بنسبة بين 30 إلى 40%، أمر جعلنا نقلص المساعدات المالية والمادية المقدمة لطالبي اللجوء واللاجئين".

ويشير المسؤول الأممي إلى أن المنظمة طبّقت تلك الإجراءات على الأشخاص الذين كانوا يقيمون في مراكز مخصصة للمهاجرين الذين تنقذهم السلطات من البحر. ويذكّر بأن الإقامة في تلك المساكن لا يجدر أن تتجاوز ثلاثة أسابيع (باستثناء الفئات الهشة)، "لسوء الحظ، يرفض البعض المغادرة، ولهذا طلبنا منهم مغادرة المكان والعثور على سكن بمفردهم. لدينا أولويات".

للمزيد: ازدياد عمليات اعتراض المهاجرين قبالة السواحل التونسية ومراكز إيواء مكتظة جنوب البلاد

سنوات من عدم الاستقرار

نتيجة لذلك، تشرّد الكثير بعدما فقدوا أماكن سكنهم في مدن جنوب تونس، لا سيما صفاقس وجرجيس ومدنين وتطاوين، وتوجه أكثر من 100 شخص من جنسيات مختلفة، إلى مقر المفوضية احتجاجا على ذلك علّهم يجدون حلا ينهي سنوات انتظارهم الطويلة.

أربعة أعوام أمضاها اللاجئ الصومالي محمد وزوجته في تونس غير قادرين على إيجاد حياة مستقرة، "زوجتي متعبة وتعاني من مرض السكري، رغم ذلك طردونا من مركز مدنين إلى الشارع".

صورة أرسلها أحمد من الاحتجاج أمام مقر المفوضية في جرجيس
صورة أرسلها أحمد من الاحتجاج أمام مقر المفوضية في جرجيس


يبدو الوضع أكثر تعقيدا لعائلة رقيّة الليبية المكونة من تسعة أشخاص، فهم كانوا أول من توجه إلى مقر المفوضية بعد طردهم من مسكنهم في تطاوين منذ منتصف شهر كانون الثاني/يناير الماضي.

تقول الأم الأربعينية بحسرة، "كيف سأصف لكم هذه الحياة مع أولادي السبعة ونحن مشردون هنا في الشارع؟ أوساخ وأمراض وانتظار طويل". فبعد أن كانت تأمل هذه العائلة بإنهاء معاناتها، لجأت إلى تونس المجاورة بحثا عن مستقبل أفضل "هربنا من ليبيا بعد أن عانينا الكثير واشتدت الحرب، إضافة إلى أننا محرومون من الكثير من حقوقنا لأننا من الطوارق".

تشعر سلمى الابنة الكبرى البالغة من العمر 22 عاما، بأن الوقت باغتها والمستقبل بات كئيبا، "منذ قدومنا إلى تونس في العام 2019 ونحن نعيش ظروفا مريعة. ضاعت سنوات عمري دون جدوى. لم تتح لي فرصة حتى لإكمال تعليمي في المدرسة الثانوية".

"نريد فقط الخروج من تونس"

يسترد أحمد هاتفه أخيرا، ويشتكي كغيره من سوء الظروف المعيشية، "نتعرض لمواقف عنصرية وتعامل مهين طوال الوقت، في الشارع، في المحلات التجارية، ولا نستطيع حتى إيجاد عمل". بعد أن أمضى أحمد 5 أعوام في تونس، حصل في العام 2020 على وضعية اللجوء لكن ذلك لم يحسّن من وضعه، "لم يتغير شيئا بعد حصولي على بطاقة لاجئ. كل ما أتمناه هو أن أحصل على رد إيجابي لملف إعادة التوطين والذهاب إلى بلد آمن".

صورة أرسلها أحمد من الاحتجاج أمام مقر المفوضية في جرجيس
صورة أرسلها أحمد من الاحتجاج أمام مقر المفوضية في جرجيس


يوافقه الرأي صديقه السوداني أحمد محمد المتحدر من دارفور، مشيرا إلى أن الاندماج في المجتمع التونسي غير ممكن، "لدي بطاقة لاجئ منذ أربعة أعوام، لكننا نعيش في وضع مزري، ازداد سوءا بعدما طردنا حتى من مساكننا. ليست هناك فرصة للاندماج، لا عمل ولا استقرار. نريد فقط الخروج من تونس". ويقاطعه صديقه الأريتري قائلا "نريد أن نُعامل باحترام. تعبنا من الإهانات المستمرة التي نتعرض لها، حتى أن بعض موظفي المنظمات يوجهون لنا تهديدات بإغلاق ملفاتنا ويقولون لنا عبارات مسيئة".

يصل الهاتف أخيرا إلى الأم السودانية التي لجأت إلى تونس منذ ثلاث سنوات مع أولادها، "بعد وفاة زوجي في ليبيا، لجأت إلى تونس. كنت أحاول تدبير أموري لكنهم طردونا أنا وبناتي الثلاث من مسكننا في صفاقس وبتنا مشردين لا حول ولا قوة لنا". تحاول الأم الحفاظ على رباطة جأشها مضيفة "أسلق بعض المعكرونة بالماء لإطعام أولادي. هذا كل ما نستطيع إيجاده من طعام. لا أعلم كيف سأنجو هنا وحيدة مع بناتي". تمنعها دموعها من إكمال حديثها، فتنهي حديثها بينما تعلو صرخات إحدى بناتها "إجلاء إجلاء لا نريد البقاء".

مع ازدياد انطلاق رحلات الهجرة من سواحل شمال أفريقيا باتجاه القارة الأوروبية، تحرص الحكومة التونسية على تعزيز مراقبتها الأمنية وتعلن بشكل شبه يومي عن إحباط محاولات الهجرة تلك بدعم مادي من الاتحاد الأوروبي. تشديد السلطات الرقابة على حدودها البحرية واعتراضها المزيد من المهاجرين، أدى إلى اكتظاظ مراكز الإيواء التي لا تتسع أساسا سوى لأعداد محدودة.

خلال السنوات العشر الماضية، منعت السلطات التونسية حوالي 42 ألف مهاجر من مغادرة سواحلها باتجاه أوروبا. لكن هذه الأرقام ازدادت بشكل ملحوظ في عام 2021، إذ اعترض خفر السواحل التونسي خلال الأشهر التسعة الأولى فقط من العام الماضي أكثر من 19 ألف شخص (نحو %46 من إجمالي عدد عمليات في السنوات الأخيرة).

 

للمزيد