صورة ملتقطة من الفيديو الذي نشرته المؤثرة التونسية شيماء بن محمود على حسابها على "تيك توك" خلال رحلة عبورها البحر الأبيض المتوسط من تونس باتجاه سواحل لامبيدوزا في إيطاليا. المصدر: حساب شيماء على "تيك توك".
صورة ملتقطة من الفيديو الذي نشرته المؤثرة التونسية شيماء بن محمود على حسابها على "تيك توك" خلال رحلة عبورها البحر الأبيض المتوسط من تونس باتجاه سواحل لامبيدوزا في إيطاليا. المصدر: حساب شيماء على "تيك توك".

أثارت مؤثّرة تونسية (إنفلونسر) تدعى شيماء بن محمود الجدل، بعد نشرها لمقطع فيديو على تطبيق "TIKTOK" وهي تظهر بإطلالة بهية خلال رحلة عبورها من تونس باتجاه جزيرة لامبيدوزا الإيطالية. هذا المقطع أثار موجة من الغضب وأظهر الرحلة وكأنها رحلة سياحية، بعيدة عن واقع محاولات عبور البحر المتوسط الذي لايزال يعتبر من أكثر طرق الهجرة دموية في العالم. وقبل نحو ثلاثة أشهر، تسببت شابة تونسية أخرى في "فضيحة" مماثلة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد نشرها صورا لها على تطبيق "انستغرام" أثناء رحلة الهجرة.

على قارب خشبي يبحر وسط هدوء البحر المتوسط في ضوء النهار، وعلى متنه 20 شابا بمعاطفهم السميكة، وثقت المؤثرة التونسية شيماء بن محمود (21 عاما)، والتي يتابعها حوالي 140 ألف شخص على تطبيق "تيك توك"، بعدسة هاتفها رحلة عبورها للبحر الأبيض المتوسط من تونس باتجاه السواحل الإيطالية.

وبمشهد يتنافى مع واقع "رحلات الموت" التي يقوم بها الشباب للوصول إلى "الحلم الأوروبي"، حرصت شيماء على أن تبدو بأبهى حلة لها خلال المقطع المصور الذي تظهر فيه بشعرها البني الطويل وأحمر الشفاه، وهي تتمايل مع أصدقائها على أنغام أغنية تونسية شعبية موضوعها الهجرة. هذا الفيديو المنشور في كانون الأول/ديسمبر2021، انتشر بسرعة على مواقع التواصل وحصل على 1,6 مليون مشاهدة.


في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أثارت مؤثرة تونسية أخرى الجدل أيضا، بنشرها صورة لها على تطبيق "إنستغرام" أثناء العبور من تونس إلى السواحل الإيطالية. فقد نشرت المؤثرة الشابة سبأ السعيدي (18 عاما)، صورتها بإطلالة بهية وهي تقف على متن قارب خشبي صغير في عرض البحر، وذلك لتشارك متابعيها رحلة "الهجرة غير الشرعية". وهو ما أثار آنذاك موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الشارع التونسي.

للمزيد>>>بعد نشر صورها على قارب هجرة.. فتاة تونسية تثير الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي

"قوارب الموت"

هذه الصور المثالية ومقاطع الفيديو التي ينشرها المؤثرون على مواقع التواصل تظهر رحلة عبور البحر المتوسط وكأنها رحلة سياحية، لكنها بعيدة عن واقع رحلات "قوارب الموت" في أخطر طريق للهجرة في العالم والتي يتخذها عشرات الآلاف من الأشخاص كل عام للوصول إلى "الحلم الأوروبي"، وتنتهي أحيانا بحوادث مأساوية وأليمة تودي بحياتهم.

فطريق الهجرة عبر وسط البحر الأبيض المتوسط يعد من أكثر الطرق فتكا على مستوى العالم، بسبب طول مدة الرحلة التي قد تستغرق أياما، فضلا عن أنماط التهريب الخطرة، إضافة إلى الفجوات في قدرات البحث والإنقاذ، والقيود المفروضة على عمل المنظمات غير الحكومية. خلال العام الماضي، توفي وفُقد 2,048 شخصا في البحر المتوسط، ومنذ العام 2014 سُجلت أكثر من 23 ألف حالة وفاة في وسط البحر المتوسط، بحسب برنامج المفقودين التابع لمنظمة الهجرة الدولية، كما أن هناك الكثير من الحوادث غير المسجلة.

للمزيد>>>مدينة جرجيس التونسية تغص بجثث مهاجرين غرقوا في المتوسط

برج إيفل وسيارات فاخرة

بمجرد وصولهم إلى أوروبا، يواصل هؤلاء المؤثرون توثيق حياتهم اليومية على شبكات التواصل الاجتماعي، بطريقة مثالية مختلفة عن واقع أغلبية المهاجرين. ونشرت شيماء بن محمود على "إنستغرام"، صورها أمام برج إيفل في باريس. كما يصور صديقها نفسه وهو يغني في شقة فارغة، ويمشي في شوارع العاصمة الفرنسية.

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، نشرت المؤثرة التونسية سبأ السعيدي أيضا مقاطع فيديو، تم حذفها منذ ذلك الحين، في سيارة من نوع فاخر BMW. وبالتالي، يروج هؤلاء لحياة يومية مثالية تتناقض بشكل كامل مع تلك التي يعيشها الآلاف من المهاجرين في أوروبا.

"كذبة الهجرة"

يقول عالم النفس المتخصص في الهجرة وائل القرناوي لوكالة "الأسوشيتد برس" (AP) عن "كذبة الهجرة"، إنها تتمثل في نقل أفكار كاذبة عن واقع الهجرة واللجوء، كما أن الهجرة "تأثرت بشكل كبير بشبكات التواصل الاجتماعي". ويضيف "الناس الذين بقوا في بلدانهم يرون آخرين يذهبون إلى أوروبا ويزورون برج إيفل ويلتقطون صور سيلفي وهم يرتدون قمصانا من ماركة ‘لاكوست’ العالمية. لذا تعتقد عائلاتهم أن كل شيء على ما يرام".

أما مدير الأبحاث في المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مات هربرت، فإنه يشير إلى أن مقاطع الفيديو التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي "تزيل الغموض عن رحلة مرعبة لغالبية الأشخاص... كما أنها تقلل الخوف". وأنها تبث رسائل "تكسر الحاجز العقلي الذي وضعه هؤلاء المهاجرين لأنفسهم في بداية رحلتهم".

رعب وخوف

وفي مقابلة مع وكالة "أسوشيتد برس"، اعترفت شيماء بن محمود بأن مقطع الفيديو الذي نشرته على موقع "تيك توك" لم يظهر حقيقة الرحلة التي قامت بها، كما أن الابتسامات المنشورة تخفي وراءها رعب وخوف. وقالت" لقد كنت خائفة جدا" أثناء رحلة عبور المتوسط. وأضافت "كان البحر هائجا وكان هناك الكثير من الأمواج العاتية عندما كنا في القارب.. بدأنا الصلاة وأعددنا أنفسنا للموت لقد شعرنا بالرعب الشديد".

للمزيد>>>”كان يصرخ والموج يأخذه بعيدا عنا حتى غاب عن أعيننا“: قصة مهاجر عبر المتوسط على متن قارب مطاطي برفقة 84 شخصا

الأمل في إيجاد عمل

أما وراء الأسباب التي دفعت هذه الشابة إلى عبور البحر والمخاطرة بحياتها للوصول إلى أوروبا، فهي نفس الأسباب التي دفعت آلاف التونسيين الآخرين إلى ركوب هذه القوارب الخشبية الصغيرة متجهين إلى إيطاليا. فقد بررت الشابة التونسية القادمة من مدينة صفاقس (جنوب تونس) خطوتها في مقابلتها مع وكالة "أسوشيتد برس"، قائلة إنها أُجبرت على مغادرة تونس وركوب الأمواج لأنه لم يعد أمامها سوى هذا الخيار. فهي تعمل كمصففة شعر وتجني فقط 350 دينارا تونسيا شهريا (أي ما يعادل حوالي 120 دولار أو حوالي 106 يورو). وقالت "لا يمكننا فعل أي شيء بهذا المبلغ. ذلك لا يكفي سوى لوسائل النقل العام ولشراء الغذاء، هذا كل شيء".

فالصعوبات المالية المرتبطة بالأزمة الاقتصادية في تونس واستحالة الحصول على تأشيرة دخول إلى فرنسا، دفعتها إلى اختيار "الحرقة " (أي الهجرة غير النظامية أو السرية). وأضافت شيماء إلى أنها دفعت 4,500 دينار (1560 دولاراً) للحصول على مكان في القارب مع 23 شخصا آخرين.. وتابعت "لدي الكثير من الأصدقاء الذين غادروا ووجدوا فرصا للعمل في أوروبا. وضعوا في ذهني أمل إيجاد عمل، وأن هناك الكثير من المال [...] أريد تغيير حياتي كما فعلوا".

أنا لا أشجع أي شخص على فعل ما قمت به

في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بعد عبورها البحر المتوسط، زعمت المؤثرة التونسية سبأ السعيدي في مقطع فيديو أنها اضطرت لمغادرة تونس أيضا بسبب "الظروف الاجتماعية الصعبة". وقالت: "أنا لا أشجع أي شخص على فعل الشيء نفسه".

أزمة اقتصادية في تونس

وتعاني تونس من أزمة اقتصادية إذ وصلت نسبة البطالة إلى 18% وفقا لآخر التقديرات، كما أنها تؤثر على 42.4% من فئات المجتمع، لا سيما الذين تقل أعمارهم عن 25 عاما. كما زاد الوضع سوءا الأزمة الصحية المرتبطة بانتشار فيروس كورونا، إضافة إلى أزمة سياسة تعصف في البلاد.

للمزيد>>>شاب تونسي: "حاولت الهجرة 7 مرات وسأعاود الكرة حتى أصل"

هذه الظروف الاقتصادية المتدهورة في البلاد تدفع آلاف التونسيين كل عام لتجربة حظهم في أوروبا عن طريق الهجرة غير الشرعية من خلال ركوب "قوارب الموت". ففي عام 2021، اعترضت السلطات أكثر من 23 ألف شخص حاولوا مغادرة الساحل التونسي، مقارنة بخمسة آلاف في عام 2019.

في لقاء سابق مع مهاجرنيوز، قال الشاب التونسي علي البالغ من العمر 27 عاما، إنه لا يخشى الموت، فالهجرة إلى أوروبا هي أمله الوحيد بتحسين واقعه وإعانة أهله. وأضاف "إما أن أغرق في البحر المتوسط أو أصل إلى أوروبا". بعد أن حاول الهجرة سبع مرات من سواحل مدينة جرجيس وفقد أخيه في البحر، فهو لا يزال مصمما على خوض غمار المتوسط وقطع 260 كلم وصولا إلى إيطاليا.

 

للمزيد