وافدون أوكرانيون إلى محطة قطارات زاهوني. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
وافدون أوكرانيون إلى محطة قطارات زاهوني. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز

باتت محطة "زاهوني" للقطارات شمال شرق المجر نقطة التقاء للهاربين من المعارك الدامية في أوكرانيا، فهنا تصل القطارات محملة بنساء وأطفال وكبار سن تركوا منازلهم على عجل وفروا إلى هنغاريا المجاورة، والتي دخل إليها أكثر من 130 ألف شخص خلال أسبوع واحد فقط. ومن "زاهوني"، يغادر أغلب هؤلاء إلى العاصمة بودابست قبل أن يكملوا طريقهم إلى مدن أو دول أوروبية أخرى.

دانا البوز، موفدة خاصة إلى الحدود الأوكرانية الهنغارية

بعد رحلة دامت أياما وأحداث جعلت حياتهم تنقلب رأسا على عقب، يصل الفارون من المعارك الدامية في أوكرانيا إلى محطة "زاهوني" في المجر، كل منهم لديه قصة هروب مختلفة، لكن قطار واحد جمعهم وفصل جديد من حياتهم فُرض عليهم.

ينزل الشاب خليل من عربة القطار حاملا حقيبة ظهر سوداء صغيرة، لا يمكن بأي شكل أن تتسع لما ترك وراءه في مدينة تنهال عليها الضربات الروسية، "لا أعلم ما الذي بقي من أغراضي في هذه الحقيبة"، يطلق ضحكة متوترة قبل أن يكمل حديثه مع فريق مهاجرنيوز، وكأنه استوعب للتو ما مر عليه من أحداث، "ركضت كثيرا واختبأت في ملاجئ عدة، اضطررت إلى التخلي عن أغراضي أثناء الهرب من خاركوف".

خليل، طالب مغربي في الهندسة المغربية فر من مدينة خاركوف الأوكرانية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
خليل، طالب مغربي في الهندسة المغربية فر من مدينة خاركوف الأوكرانية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز


خاركوف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا وكغيرها من باقي مدن غرب وجنوب البلاد، تشهد قصفا عنيفا منذ أسبوع، دفع مليون شخص للهرب إلى الدول المجاورة، لاسيما بولندا ورومانيا والمجر، فيما تتخوف الأمم المتحدة من أن تؤدي الحرب الروسية على أوكرانيا إلى "أكبر أزمة لاجئين في أوروبا هذا القرن". ومن بين هؤلاء الباحثين عن ملاذ آمن يقيهم من المعارك المحتدمة، آلاف من الطلاب العرب والأفارقة كانوا يدرسون في جامعة مدينة خاركوف.

خريطة جوجل. الدول المجاورة إلى أوكرانيا.
خريطة جوجل. الدول المجاورة إلى أوكرانيا.


الخروج من الموت

يقول الطالب المغربي في كلية الهندسة المدنية، إنه أمضى خمسة أيام يتنقل بين القطارات والحافلات قبل أن يصل أخيرا إلى المجر، "شهدت عيناي الكثير من الموت أثناء عبوري المدن التي تسقط بأيدي القوات الروسية. رأيت الكثير من الجثث المرمية في الشوارع". يتوقف الشاب البالغ من العمر 24 عاما لبرهة، محاولا استرداد قوته بينما يمسك علبة بلاستيكية فيها وجبة ساخنة يوزعها متطوعون محليون على هؤلاء الوافدين المنهكين.

خلال ساعة واحدة، امتلأت محطة زاهوني بالوجوه المتعبة والتائهة، فيما تتكئ شابة عشرينية وسط الجموع على حقيبة سفرها الوحيدة، تمسك هاتفها المحمول تنظر إليه تارة ثم ترفع رأسها تارة أخرى، تتسمّر في مكانها غير آبهة بالأشخاص المارين من حولها وكأنها معزولة تماما عن ضجيج المكان.

ماريا، شابة أوكرانية هربت وحيدة من مدينتها خاركوف وتنتظر في محطة قطارات زاهوني الهنغارية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز
ماريا، شابة أوكرانية هربت وحيدة من مدينتها خاركوف وتنتظر في محطة قطارات زاهوني الهنغارية. الصورة: دانا البوز / مهاجرنيوز

"خرجت وحيدة من منزلي في 25 شباط/فبراير، لكن والداي قررا البقاء في خاركوف. لم تكن لديهم القدرة على ترك المدينة". تحاول ماريا البالغة من العمر 24 عاما، إكمال حديثها لكن دموعها باغتتها، تكتب جملة باللغة الأوكرانية على تطبيق للترجمة الإنكليزية على هاتفها المحمول تقول فيها "أنا خائفة على عائلتي وأصدقائي. أريد العودة إلى وطني بسلام".

غادرت من أجل ابني باشا لأني أريده أن يعيش حياة طبيعية

قرار المغادرة إلى "المجهول" كان أصعب ما عاشته الأم الأوكرانية غالينا التي كانت تعمل كمحامية في العاصمة كييف، حسب قولها، "وضبتُ في هذه الحقيبة بعض الثياب والوثائق والكمبيوتر المحمول وأخذت ما لدي من مال".

بينما تتحدث الأم البالغة من العمر 38 عاما، يلعب طفلها ذو الـ8 سنوات إلى جانبها، تنظر إليه وتلتقط أنفاسها محاولة أن تجبر ابتسامتها على الظهور، "ابني يعشق كرة القدم"، ثم تكمل حديثها قائلة "لو كنت مسؤولة فقط عن نفسي لما تركتُ مدينتي، لكنني غادرت من أجل ابني باشا لأني أريده أن يعيش حياة طبيعية".

بطاقة مغادرة

يقترب الشاب الجزائري جمال من صديقه المغربي خليل وبيده بطاقة بيضاء صغيرة، يحاول قراءة المعلومات باحثا عما يشير إلى أوقات القطار القادم الذي سيغادر من زاهوني إلى العاصمة المجرية بودابست.

تحولت هذه المحطة إلى نقطة التقاء للهاربين من مختلف المدن الأوكرانية إلى شمال غرب المجر، فهي المحطة الحدودية الوحيدة في هذه المنطقة التي تغادر منها القطارات إلى العاصمة بودابست. إذ تشترك المجر مع أوكرانيا بحدود يبلغ طولها 140 كلم، وتضم خمسة نقاط عبور حدودية، ثلاثة منهم شمال غرب المجر. وبحسب أرقام مفوضية اللاجئين، عبر إلى المجر 133 ألف نازح من المدن الأوكرانية، خلال الأيام السبعة الماضية.

خريطة تظهر أوكرانيا، والدول المجاورة. المصدر: مهاجر نيوز
خريطة تظهر أوكرانيا، والدول المجاورة. المصدر: مهاجر نيوز


بعد أن أمضى جمال، البالغ من العمر 26 عاما، أربع سنوات في العاصمة كييف لدراسة الأدب الإنكليزي، وجد نفسه "فجأة" يهرب من المعارك والقصف، بحسب تعبيره. لكن بعد وصوله إلى "الأمان" تبدأ أسئلة جديدة بطرح نفسها على الشابين جلال وخليل، "لا نعلم ما الذي سنفعله الآن. نريد فقط أن نلتقط أنفاسنا"، يقولها الشابان في الوقت نفسه بينما تزداد صالة المحطة ازدحاما شيئا فشيئا.

بالنسبة للشابة الأوكرانية ماريا، فهي عزمت الذهاب إلى إسبانيا للانضمام إلى أختها التي تعيش هناك. وأما بالنسبة للأم غالينا فقررت الذهاب إلى مدينة لشبونة البرتغالية بعدما دعاها أقرباء لها، ما سيشكل ربما فرصة جديدة لبدء حياتها مع ابنها.

في المحطة يوزع متطوعون من جمعيات محلية ودينية بطاقات القطار المجانية على الوافدين، بعدما أعلنت شركة القطارات الحكومية "ماف" عن تخصيصها لبطاقات "تضامن" مخصصة لجميع الوافدين من أوكرانيا، والذي يمكن الحصول عليهم حصرا في المحطات الحدودية.

مشهد متكرر

فيما باتت صالة المحطة الصغيرة ممتلئة بالكامل ويعج فيها أكثر من 200 شخص، كان المتطوعون يحرصون على مساعدة الجميع ويساعدونهم على فهم الإجراءات باللغة الإنكليزية.

ويحاول عمدة المدينة لازلو هيلمتشي تأمين الاحتياجات الأساسية والعاجلة لهؤلاء الوافدين إلى مدينته عبر القطار بشكل خاص، ويقول خلال لقاء مع وسائل إعلام محلية "نحن بحاجة لمساعدتهم ريثما يغادرون إلى وجهتهم التالية، ويمكننا أيضا تأمين لهم مكان للنوم قبل أن يغادروا إذا لزم الأمر"، إذ خصصت البلدية صالة رياضية تابعة لمدرسة لإيواء هؤلاء الوافدين بشكل مؤقت.

فيما كان ضجيج المسافرين يملأ المكان، علا صوت الإعلان عن قدوم قطار متجه إلى بودابست خلال دقائق. هرع الجميع إلى سكة القطار ممسكين بحقائبهم وأكياس صغيرة فيها بعض الأطعمة وحاجيات أساسية للأطفال وزعها عليهم المتطوعون.

مغادرون إلى العاصمة بودابست. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز
مغادرون إلى العاصمة بودابست. الصورة: دانا البوز /مهاجرنيوز


سرعان ما امتلأ القطار المتجه إلى بودابست، ولم يبق في المحطة سوى أعداد قليلة من الأشخاص الذين كانوا لا يزالون بانتظار إيجاد وجهتهم التالية.

هذا المشهد يتكرر كل بضع ساعات في هذه المحطة الصغيرة، التي تمتلأ بالهاربين من المدن الأوكرانية ومن ثم تفرغ بعد مغادرتهم إلى مدن أخرى.



 

للمزيد