الكاهن دانيال ميرلا يساعد إحدى العائلات الأوكرانية اللاجئة في رومانيا. مهاجر نيوز
الكاهن دانيال ميرلا يساعد إحدى العائلات الأوكرانية اللاجئة في رومانيا. مهاجر نيوز

دانيال ميرلا، كاهن الكنيسة الأورثوذوكسية في بلدة سيريت الرومانية الحدودية مع أوكرانيا، التي سجلت دخول أكثر من 70 ألف لاجئ منذ بداية الحرب في 24 شباط\فبراير الماضي. كل مساء، يتوجه القس إلى المعبر الحدودي ليساعد النازحين، ينقلهم إلى أماكن إقامة طارئة وفي بعض الأحيان يرحب بهم في منزله. تجربة صعبة للغاية، فالمشاعر متداخلة والعواطف تحكم التصرفات. لم يعد يحصي عدد المرات التي بكى فيها وهو يرى النساء والأطفال يصلون قريته وهم في حالة ارتباك وإنهاك هائلين.

بقامة طويلة ووجه بشوش، بقف القس دانيال ميرلا مساء كل يوم عند المعبر الحدودي في سيريت مع أوكرانيا ليستقبل اللاجئين الفارين من الحرب. مهمة مضنية ومنهكة، خاصة في الظروف المناخية السائدة هناك، لكن بالنسبة للقس هذا واجب إنساني وأخلاقي، وعليه القيام بواجبه تجاه من هم بحاجة.

الكاهن دانيال ميرلا قبالة منزله في سيريت. مهاجر نيوز
الكاهن دانيال ميرلا قبالة منزله في سيريت. مهاجر نيوز


مساء كل يوم، يستقل كاهن رعية وسط سيريت سيارته باتجاه المعبر الحدودي على بعد كيلومترات قليلة من منزله. هناك يتوجه إلى خيمة أعدها قساوسة آخرون، يعملون بشكل عام على تأمين وسائل نقل أو مأوى للاجئين. بعد السلام وتفقد ما حصل خلال النهار، يمضي دانيال إلى المعبر. الآلاف يعبرون حاملين حقائبهم ويجرون عربات أطفالهم، يتوجه القس إلى إحدى تلك العائلات ويسألهم بالإنكليزية إذا ما كانوا بحاجة للمساعدة. يرافقهم إلى سيارته حيث ينقلهم إلى أحد مواقع نقل اللاجئين، أو إلى منزله، إذا ما كانوا ينتظرون قدوم شخص ما لاصطحابهم. 

"تعالي معي إلى منزلي، لدي غرفة تحت تصرفك"

ليلة السبت الخامس من آذار\مارس، توجه القس دانيال كعادته إلى المعبر الحدودي. دخل بسيارته إلى مرآب موحل يجاهد القيادة فيه حتى لا يصطدم بأي من العوائق أو الخيام المتواجدة هناك.

للمزيد>>> مبادرات تطوعية رومانية لمساعدة اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الحرب

بخطوات سريعة، يقترب من نقطة التفتيش قدر الإمكان. لا يضيع دقيقة، يندفع نحو امرأتين برفقة طفلين صغيرين، يسألهما "هل سيأتي أحد لاصطحابكم؟ هل يمكنني أن أوصلكم إلى مكان ما؟". لا يستمر الموقف طويلا، يمسك بحقائبهم ويأخذهم إلى سيارته، لينقلهم إلى مدخل بلدة سيريت، حيث تنتظرهم سيارة أجرة.

يعود بعد بضع دقائق، يصرخ لامرأة تصطحب ابنها البالغ من العمر خمس سنوات، قادمة من إيربين (بالقرب من كييف). كانت الأم تنتظر بالقرب من خيمة لدقائق عدة ويبدو عليها أنها لا تعرف إلى أين تتجه. يستعين دانيال بمترجمة رومانية تتحدث الأوكرانية، يستنتج أنه عليها أن تستقل طائرة في صباح اليوم التالي إلى إسطنبول لتنضم إلى أصدقاء وأقارب هناك، وهي تبحث عن مكان تقضي فيه الليلة.

مترجمة رومانية تشرح للاجئة أوكرانية أنها بإمكانها قضاء الليلة بمنزل المكاهن. مهاجر نيوز
مترجمة رومانية تشرح للاجئة أوكرانية أنها بإمكانها قضاء الليلة بمنزل المكاهن. مهاجر نيوز


يعرض عليها الكاهن أن تبيت بمنزله، "تعالي معي إلى منزلي، لدي غرفة تحت تصرفك". توافق المرأة وهي تنظر لابنها، على الأقل ستحظى بقسط من الراحة والنوم في مكان دافئ. في منزل الكاهن، تستقبل زوجته المرأة وابنها بابتسامة هادئة، تأخذها إلى غرفتي طفليها التي أعدتها مسبقا لتكون ملجأ لمن هم بحاجة، ليعود زوجها ويخرج إلى الميدان ليستكمل مهماته.

"لا أفعل هذا لأنني كاهن، بل لأني إنسان متأثر بهذه المأساة"

يقول لمهاجر نيوز "لا أستطيع أن أبقى في المنزل، أن أغمض عيني وأتظاهر بأن هذه الأزمة ليست مشكلتي... أنا لا أفعل هذا لأنني كاهن، بل لأني مواطن مثل أي شخص آخر، متأثر بهذه المأساة".

يقضي الكاهن دانيال لياليه عند المعبر الحدودي يستقبل اللاجئين ويحاول تقديم أي مساعدة لهم. مهاجر نيوز
يقضي الكاهن دانيال لياليه عند المعبر الحدودي يستقبل اللاجئين ويحاول تقديم أي مساعدة لهم. مهاجر نيوز


"بالنسبة لنا في سيريت، هذه هي المرة الأولى التي نواجه فيها مثل هذا الوضع. إنها فرصة لنثبت أننا جديرون بالمسؤولية، وأننا جاهزون لنتحمل قسطنا من الواجب الإنساني". ويضيف "من الصعب سماع بكاء الأطفال بعد ساعات من الانتظار في البرد القارس"، يقول وهو يشير إلى طفل يجلس بجانبه تحاول والدته تهدئته دون جدوى، "اعتقدت أنني أقوى وأنني سأتمكن من تدبر الأمور. ولكن كلما مرت الأيام، كلما كان الأمر أكثر صعوبة. لم أبك منذ سنوات، أما الآن تجدني أذرف الدموع يوميا".

عاد دانيال قبيل منتصف الليل إلى منزله، بعد أن أمضى ساعات عدة على الحدود. في صباح اليوم التالي، عليه أن يحيي قداسا في كنيسته في سيريت، سيخصصه للحديث عن معاناة اللاجئين وواجب مساعدتهم.

 

للمزيد