جدران خرسانية بارتفاع أربعة أمتار، بنتها بلدية وهران على طول الشاطئ في منطقة عين الترك. المصدر: بلدية وهران على فيسبوك
جدران خرسانية بارتفاع أربعة أمتار، بنتها بلدية وهران على طول الشاطئ في منطقة عين الترك. المصدر: بلدية وهران على فيسبوك

منذ نهاية شباط/فبراير، أغلقت الجدران الخرسانية التي يبلغ ارتفاعها أربعة أمتار العديد من الشواطئ على ساحل عين الترك، وهو منتجع ساحلي يقع غرب مدينة وهران الجزائرية. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن ذلك رسميا، فإن المبادرة تمنع بشكل فعال مجموعات المهاجرين من الوصول إلى الشاطئ بقوارب صغيرة، ما يضع علامات استفهام على سياسات الدولة "القمعية" لمواجهة الهجرة غير الشرعية.

يعتبر سكان منتجع عين الترك الجزائري من المحظوظين، فيمكنهم الاستمتاع يوميا بالشواطئ الرملية الشاسعة، ومياه البحر الأبيض المتوسط الصافية، في المنطقة الساحلية التي تقع على بعد 15 كم من وهران. لكن منذ نهاية شهر شباط/فبراير، أصبحت مشاهد شروق الشمس على شاطئ المنتجع من الماضي، فقد غزت الجرافات المداخل المؤدية إلى الساحل، وشرعت في بناء جدران خرسانية يبلغ ارتفاعها أربعة أمتار، وذلك على طول شاطئ الكثبان الرملية، وشاطئ "تروفيل" خصوصا.


في 3 آذار/مارس الجاري، بدأ العمال في تركيب كتل مماثلة في منطقة "غراند بلاج". وبحسب وسائل الإعلام الجزائرية، نظرت سلطات ولاية وهران في مد هذا الجدار إلى شواطئ الأندلس، وهو منتجع ساحلي جزائري شهير يقع على بعد 25 كم غربي مدينة وهران.

للمزيد >>>> سياسة "عنصرية".. الجمعيات في شمال فرنسا تطالب بعدم التمييز بين الأوكرانيين وباقي المهاجرين

حتى هذه اللحظة، لم يتم الإعلان عن الأهداف وراء هذه الإجراءات رسميا. اتصل فريق مهاجر نيوز بولاية وهران، ولم يتم الرد على أسئلتنا. لكن بشكل غير رسمي، قال عمال البناء الذين قابلتهم صحيفة الوطن اليومية إن "كل شيء يسير بشكل غير رسمي، لكن هذه الجدران قد تم تركيبها لمواجهة الحراقة (كلمة بالدارجة تعني الهجرة عبر البحر)" تجاه إسبانيا. لأن الفتحات المتناثرة على طول الجدران، تسمح بمرور شخص واحد كحد أقصى. مما يجعل من المستحيل على المهاجرين والمهربين الوصول إلى الشاطئ مع زورق مطاطي منفوخ أو قارب شبه صلب.

كما أكدت مصادر "قريبة من السلطات المحلية" للجهة الإعلامية ذاتها، أن "هذه الجدران الخرسانية جزء من استراتيجية عامة قررتها السلطات المحلية، بهدف منع وصول شبكات تهريب المهاجرين إلى الشواطئ".

جدران خرسانية بارتفاع أربعة أمتار، بنتها بلدية وهران على طول الشاطئ في منطقة عين الترك. المصدر: بلدية وهران
جدران خرسانية بارتفاع أربعة أمتار، بنتها بلدية وهران على طول الشاطئ في منطقة عين الترك. المصدر: بلدية وهران


تعتبر "الحرقة" ظاهرة قديمة في الجزائر، لكنها شهدت تصاعدا قويا خلال العام الماضي، لا سيما من عين الترك وساحل وهران. وتؤكد فريدة سويح، الباحثة في جامعة "إيكس مرسيليا"، والمتخصصة في سياسات الهجرة المغاربية، أن معظم قوارب المهاجرين القادمة من الجزائر تغادر من هذه الشواطئ، وقالت "تبحر بانتظام مجموعات صغيرة من 10 إلى 15 شخصا على متن قوارب صغيرة".

للمزيد >>>> على طريق الهجرة.. تتعرض النساء المهاجرات لمخاطر وتهديدات أكثر من الرجال

معاملة المهاجرين على أنهم "أطفال مضطربون عقلياً"

يدفع اليأس الآلاف من الناس كل عام إلى أخذ قرار الهجرة عبر البحر. لذا من الصعب معرفة ما إذا كان "جدار العار" كما يوصف على الشبكات الاجتماعية، سيكون قادرا على الحد من محاولات العبور. بالنسبة إلى عمر، وهو شاب جزائري، فقد كتب على صفحته على فيسبوك، أن السلطات "بالتأكيد لن تكون قادرة على منع أولئك الذين يتحدون أعالي البحار بقوارب بسيطة، من تسلق جدار". أما محفوظ فقال "آمل أن يكون لديهم ما يكفي من الخرسانة لبناء الشريط الساحلي بطول 1200 كلم".

وتتابع الباحثة، أنه وبعد اعتراضهم في البحر، ثم الحكم عليهم أمام المحكمة، "يعامل الأشخاص الذين حاولوا الهجرة على أنهم أطفال مضطربين عقلياً". مشيرة إلى أن السلطات تستمر في سياساتها القمعية ضد المهاجرين، دون محاولة البحث عن أسباب الهجرة، وإيجاد حلول لها.
وتتابع الباحثة، أنه وبعد اعتراضهم في البحر، ثم الحكم عليهم أمام المحكمة، "يعامل الأشخاص الذين حاولوا الهجرة على أنهم أطفال مضطربين عقلياً". مشيرة إلى أن السلطات تستمر في سياساتها القمعية ضد المهاجرين، دون محاولة البحث عن أسباب الهجرة، وإيجاد حلول لها.


لسنوات طويلة، ارتكزت الإجراءات التي طبقتها الحكومة الجزائرية لمحاربة محاولات الهجرة، على سياسة القمع. ووفقاً لفريدة سريح، فمنذ بداية العقد الأول من القرن الـ21، ركزت السلطات الجزائرية على محاربة طرق الهجرة، دون التفكير بأسباب هذه الظاهرة. في عام 2003، وللتصدي لتسلل المهاجرين على السفن التجارية، انضمت الجزائر للاتفاقية الدولية للسفن ومرافق الموانئ (ISPS)، وهي أداة دولية لمنع الأعمال غير القانونية ضد السفن. وبناء على ذلك، تم رفع المستوى الأمني في الموانئ، وتقليل محاولات الصعود غير القانونية. تقول الباحثة "لكن عدد المغادرين بالقوارب الصغيرة أخذ في الازدياد".

وفي الوقت ذاته، زادت الحكومة من عمليات الاعتراض في البحر والتي لا يمكن التشكيك في أنها إجراءات "عنيفة وقمعية"، بناء على الشهادات التي تم جمعها عنها، حيث أنها لا تخلو من العنف الجسدي واللفظي.

للمزيد >>>> نحو 1000 مهاجر حاولوا عبور سياج مليلية الحدودي شمال المغرب للوصول إلى أوروبا

وفي عام 2009، ذهبت الدولة الجزائرية إلى أبعد من ذلك، بإدخال "جريمة الخروج غير المشروع" في تشريعاتها، بموجب المادة 175 مكرر من قانون العقوبات. وينص هذا على عقوبة بالسجن لفترة من شهرين إلى ستة أشهر، وغرامة تتراوح من 20 إلى 60 ألف دينار للجزائريين والأجانب المقيمين، الذين يحاولون مغادرة الأراضي الجزائرية بدون جواز سفر أو تأشيرة. ووفقاً لفريدة سويح، هذا قانون "يتعارض بشكل كامل مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث تنص المادة 13 منه على أن لكل فرد الحق في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة إليه".

وتتابع الباحثة، أنه وبعد اعتراضهم في البحر، ثم الحكم عليهم أمام المحكمة، "يعامل الأشخاص الذين حاولوا الهجرة على أنهم أطفال مضطربين عقلياً". مشيرة إلى أن السلطات تستمر في سياساتها القمعية ضد المهاجرين، دون محاولة البحث عن أسباب الهجرة، وإيجاد حلول لها. 

 

للمزيد