متطوعون يقدمون الطعام للاجئين من أوكرانيا| Photo: picture alliance/AP
متطوعون يقدمون الطعام للاجئين من أوكرانيا| Photo: picture alliance/AP

أثار هروب ملايين الأشخاص من أوكرانيا منذ الحرب الروسية على أوكرانيا جدلاً حول المعاملة المختلفة للاجئين حسب المكان الذي ينحدرون منه، وبينما يتفهم علماء الاجتماع بأن الطبيعة البشرية تكون أكثر تعاطفًا مع أولئك المشابهين لنا، إلا أنه لا ينبغي أبدًا تحديد من يحصل على الحماية بحسب المنطقة التي ينحدر منها.

منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا كانت بولندا من أكثر الدول التي غيرت نبرتها تجاه اللاجئين، فمن بين نحو ثلاثة ملايين شخص فروا من القتال في أول أسبوعين ونصف من الحرب، لجأ معظمهم إلى بولندا المجاورة، رحبت الحكومة والشعب البولندي بهم بأذرع مفتوحة، وأقاموا مراكز استقبال في جميع أنحاء البلاد وتوافدوا على الحدود لتقديم الدعم.

لكن قبل ست سنوات، لم يكن المشهد كذلك، ولم يكن رد الفعل البولندي على ما سمّي بأزمة المهاجرين في 2015/2016 يشبه التضامن الذي نشهده الآن، وبينما استقبلت ألمانيا ودول أخرى مئات الآلاف من اللاجئين السوريين بشكل أساسي، انتقد الكثيرون رد فعل بولندا على الأزمة باعتباره قاسياً للغاية، التي رفضت استقبالهم.

من وجهة نظر عالمة الاتصالات الألمانية كارولا ريختر، يمكن أن يُعزى التغيير في الموقف جزئيًا إلى الأصل الذي ينحدر منه هؤلاء اللاجئين، والذي برأيها: "يلعب دورًا رئيسيًا في التقييم السياسي".

وتشير أيضًا إلى ما حدث العام الماضي عندما أظهر المجتمع المدني البولندي تضامنًا كبيرًا ودعمًا للاجئين الذين يحاولون دخول بلادهم من بيلاروسيا، فيما اتبعت الحكومة في وارسو مسارًا من الرفض الجذري.

وتشرح ريختر لوكالة الأنباء إي بي دي "الآن بعد أن تأثر الشعب الأوكراني، لم يعد هذا الرفض ممكنًا لأنهم يعتبرونهم ينحدرون من أمّة شقيقة".

عدوٌ مشترك

أشار مقال رأي نشرته صحيفة Neue Zürcher Zeitung السويسرية هذا الأسبوع إلى حقيقة أن بولندا وأوكرانيا تشتركان بالعداء لشخصٍ مشترك فلاديمير بوتين، بينما يخشى كلاهما هجومًا من روسيا.

كذلك ومن قبل الغزو الروسي لأوكرانيا عاشت في بولندا جالية أوكرانية عددها كبير نسبيًا، يقدرون بنحو 2 مليون من سكان بولندا البالغ عددهم 38 مليون نسمة، أو أكثر من واحد من كل 20 شخصًا ببولندا هم من الأوكرانيين.

من جانبها تقول عالمة الاجتماع زينب ياناسمايان، إن العامل الرئيسي الآخر في المعاملة المختلفة واستقبال الأشخاص الذين فروا إلى أوروبا في 2015/2016 والذين فروا من أوكرانيا هو أن الأوكرانيين يُنظر إليهم على أنهم أوروبيون، وتضيف ياناسمايان من معهد ديزيم في برلين إن "العديد من الدول الأوروبية لديها تاريخ من التهديد من قبل روسيا، وما يمر به الأوكرانيون يذكر الكثيرين في أوروبا الشرقية بوضعٍ معروف".

 



فمثلًا يستطيع الأشخاص من جمهورية جورجيا السوفيتية السابقة أن يربطوا بين الوضع في أوكرانيا وبلادهم، كما قالت نينو السيدة من جورجيا، لمهاجر نيوز سابقًا: "بالنسبة لنا، مشاهدة ما يحدث في أوكرانيا أمر مروع، بالنسبة لي، يبدو الأمر كما لو كان يحدث في بلدي الأم، نحن أصدقاء جيدون مع أوكرانيا، بلداننا لها نفس المصير تقريبًا. لذلك ، إنه أمر مؤلم للغاية، لهذا نتعاطف مع الأوكرانيين، فنحن قلقون للغاية، نخشى أنه ربما سنكون التاليين".

وعلى الرغم من أنها هاجرت إلى ألمانيا منذ نحو 20 عامًا، كانت نينو في جورجيا عندما غزت روسيا جارتها الجنوبية في صيف عام 2008، وقتها انتهت الحرب بعد 12 يومًا لكن العاصمة الجورجية تبليسي، حيث كانت تقيم في ذلك الوقت، قُصفت أيضًا.

 

المعايير المزدوجة

وفقًا لعالمة الاجتماع زينب ياناسمايان ، فإن العديد من المشاريع التي تساعد الآن الفارين من الحرب في أوكرانيا نشأت في عام 2015، وقال المتطوع الدنماركي دانييل مارسلو لـ"مهاجر نيوز" من محطة القطار الرئيسية في برلين إنه كان هناك "نقل للخبرة" من تجربة تدفق المهاجرين السابقة، وأضاف: "يتم الآن إعادة تنشيط الكثير من الشبكات التي أُسست بذلك الوقت، يبدو أن هناك الكثير من الخبرة والتأهيل بهذه الطريقة."

لكن بينما لم يفقد مارسلو ومتطوعون آخرون استعدادهم للمساعدة، تقول ياناسمايان إن سياسات الاتحاد الأوروبي تحولت إلى "سياسة الترويج للخوف وتجريم المهاجرين"، وقد تجلى ذلك أيضًا في التقارير التي تتحدث عن التمييز بمعاملة مختلفة للأجانب الفارين من أوكرانيا عن الأوكرانيين.


وحذرت ياناسمايان من تكرار وسائل الإعلام لمقولة إن "الأوكرانيين أناسٌ من العالم المتحضر" أو "ذوي العيون الزرقاء"، مشددة على أنه يجب أن ينظر بأنه أمر عنصري، "إذ لا ينبغي أن يعتمد حصول شخص ما على حق اللجوء بناءً على لون بشرته، ولكن على ما إذا كان يحتاج إلى الحماية أم لا".

بدورها ترى عالمة الاتصالات ريختر أن "التأطير الخطابي" وليس الرغبة في المساعدة هو الذي تغير. وتشرح: "يتم تصوير أوكرانيا في وسائل الإعلام والخطاب السياسي كدولة أوروبية حديثة، بالمقابل، تم تصوير الأشخاص من البلدان ذات الأغلبية المسلمة على أنهم بعيدون ثقافيًا ولديهم قيم غير متوافقة في كثير من الأحيان مع أوروبا".


التقارب الثقافي

من ناحية أخرى، يجادل كاتب نيوزيلندي في مقالة رأي بأن التغيير في نهج بولندا يرجع إلى التقارب الجغرافي والثقافي بين الشعبين البولندي والأوكراني، ويقول إن الاختلاف في التعاطف ليس فريدًا في بولندا، ولكنه رد فعل إنساني طبيعي يعكس مستويات مختلفة من التعاطف البشري.


وكتب: "كمستهلكين لوسائل الإعلام، أصبحنا متفرجين على الشؤون العالمية ونقرر أن كييف أقرب إلينا من دمشق"، وأضاف: : "الاختلافات الديموغرافية بين مجموعتي اللاجئين تفسر جزئيًا ردود الفعل المختلفة: في حين كان الرجال في الشرق الأوسط ممثلين بشكل كبير في 2015/2016، فإن غالبية اللاجئين القادمين من أوكرانيا هم من النساء والأطفال وكبار السن".

ترى ريختر أن المقارنة غير مناسبة، وبرأيها "لدى كلتا المجموعتين أسباب وجيهة للفرار، وكلاهما بحاجة إلى حمايتنا".

هل سيستمر الدعم إلى الأبد؟

تشير الاحتجاجات الجماهيرية الكبيرة ضد الهجوم الروسي على أوكرانيا إلى أن غالبية الناس في الدول الأوروبية يهتمون لمحنة الأشخاص الفارين من أوكرانيا.

وفي استطلاع أجراه معهد دزيم، قال 90٪ من المشاركين بالاستطلاع في ألمانيا إنهم يؤيدون استقبال الدولة لأشخاص من أوكرانيا، بينما قال نصف من شملهم الاستطلاع إنهم على استعداد للتطوع أو التبرع، بينما أبدى ربع المشاركين استعدادهم للسماح للاجئين بالبقاء في منازلهم.

الباحثة ياناسمايان تصف مستوى الاستعداد للمساعدة بـ"المثير للإعجاب".



لكن ريختر يحذر من أن الاستعداد لاستقبال المزيد من اللاجئين من أوكرانيا قد يهدأ في نهاية المطاف: "إذا أصبح الأشخاص الفارون من أوكرانيا حالة دائمة، فإن الرغبة في المساعدة بين الناس في ألمانيا يمكن أن تتأذى وقد تصبح كراهية الأجانب أقوى".

 KNA, epd, dpa

 

للمزيد