أجبر النزاع الدامي نصف عدد سكان سوريا البالغ قرابة 22 مليون إلى مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.
أجبر النزاع الدامي نصف عدد سكان سوريا البالغ قرابة 22 مليون إلى مغادرة منازلهم، في أكبر موجة نزوح منذ الحرب العالمية الثانية.

مازالت مفاعيل الحرب الروسية الأوكرانية تتكشف عن المزيد من المشاكل والمآسي المرتقبة، التي قد لا تكون أولاها أزمة نقص الإمدادات الغذائية للدول النامية. حول هذا، حذرت الأمم المتحدة من مفاعيل تلك الأزمة وآثارها على الدول الفقيرة وعلى الفئات الأشد ضعفا داخل تلك الدول. وضمن قائمة البلدان المرشحة للتعرض للآثار الأولية لتلك الأزمة، تأتي دول الشرق الأوسط، التي تعتمد على القمح الروسي والأوكراني بنسب فاقت الـ80%.

بعد سنوات من النجاح النسبي بمكافحتها، عادت معدلات المجاعة على مستوى العالم إلى الارتفاع مرة أخرى. فالنتائج المأساوية المتراكمة لتغير المناخ (ارتفاع درجات الحرارة وشح الأمطار والجفاف والفيضانات...) أرخت بظلال سوداوية على المشهد الغذائي العالمي. فضلا عن ذلك، كان لأزمة جائحة كورونا نصيب أيضا في تدهور المشهد العام. يضاف إلى ما سبق الحرب الروسية الأوكرانية، التي فاقمت من الأزمة الغذائية العالمية ووضعت دولا بأكملها على حافة خطر المجاعة.

روسيا وأوكرانيا، خزاني حبوب العالم، يوفران نحو 30% من مجمل احتياجات سكان الكرة الأرضية من القمح. البلدان يعتبران أكبر مصدرين لهذه المادة الحيوية، فضلا عن مواد غذائية أخرى.


منذ بدء الحرب، قلصت روسيا بشدة من صادراتها من القمح، وتوقف التصدير الأوكراني لتأمين الاحتياجات المحلية فضلا عن انهيار قطاع الزراعة والنقص في الأسمدة والوقود...

ما سبق يضع الكثير من الدول النامية، المعتمدة بشكل كبير جدا على استيراد الحبوب، وخاصة القمح، من هذين العملاقين، في دائرة الخطر. وفقا لمنظمة الغذاء العالمي "الفاو"، يمكن أن تؤدي قيود التصدير إلى زيادة أسعار المواد الغذائية والأعلاف في السوق العالمية بنسبة تصل إلى 22%.

ويضيف ارتفاع أسعار الطاقة (النفط) الزيت على النار ويؤدي إلى زيادات حادة في أسعار المواد الغذائية ومنتجات القمح، ويؤثر على عمليات استيراد القمح من المنتجين البعيدين (البدائل)، مثل الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين وأستراليا. كما ارتفعت تكاليف الشحن إلى جانب رسوم التأمين بسبب الحرب، مما زاد من تضخم أسعار القمح والمنتجات الغذائية.

ولعل أكثر المناطق تضررا ستكون دول الجنوب العالمي، خاصة تلك المعتمدة على القمح الروسي والأوكراني، مثل دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تلك الدول التي تعاني أصلا من أزمات متتالية (اقتصادية، سياسية...) سيكون عليها مواجهة خطر المجاعة الآن، مع فقدان مصادر القمح وصعوبة العثور على بدائل.

وقالت كورين فلايشر، المديرة الإقليمية لبرنامج الأغذية العالمي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "نحن قلقون للغاية بشأن ملايين الأشخاص في هذه المنطقة الذين يكافحون بالفعل للحصول على ما يكفيهم من الغذاء، نتيجة لعدة عوامل سامة اجتمعت معا، النزاع والتغير المناخي والأزمة الاقتصادية بسبب جائحة كورونا... الآن وصلت قدرة الناس على الصمود لمرحلة حرجة، وستؤثر هذه الأزمة على كل منزل في هذه المنطقة. لا يوجد أحد بمنأى عن هذا."

في ما يلي نظرة سريعة على وضع بعض تلك البلدان وكيف ستؤثر أزمة إمدادات القمح عليها:

لبنان: قد يكون للأزمة مفاعيل مضاعفة في هذا البلد، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأزمات السياسية والاقتصادية الخانقة التي يمر بها. وفقا لمعطيات البنك الدولي، أدت تلك الأزمات إلى وقوع أكثر من 80% من المقيمين هناك تحت خط الفقر، مع تضخم أسعار السلع وانهيار غير مسبوق للعملة المحلية. كما كان لجائحة كورونا أثر كبير على مستويات الإنتاج المحلي والدورة الاقتصادية، ليأتي انفجار مرفأ بيروت في 2020، الذي أتى على صوامع الحبوب (المخزون الاستراتيجي للبلاد) ومعها على أكثر من ثلث المدينة.

للمزيد>>> منظمات أممية تدق ناقوس الخطر.. الأزمات المتلاحقة في لبنان تفاقم معاناة المهاجرين واللاجئين

في 2020، ورد نحو 80% من مادة القمح من أوكرانيا، و15% من روسيا.

في 25 شباط\فبراير، قال وزير الاقتصاد إن لبنان لديه احتياطيات قمح تكفي لشهر واحد فقط، وأعلن عن خطة لشراء إمدادات قمح إضافية لشهر واحد. في سياق متصل، غرد وزير الصناعة على حسابه على تويتر في 5 آذار\مارس أن لبنان سيبدأ تقنين القمح، ويسمح فقط باستخدامه لإنتاج الخبز إلى أن يتم العثور على مصادر إمداد بديلة (كندا وأستراليا والولايات المتحدة).

مصر: أكبر مستورد للقمح في العالم، خاصة من روسيا وأوكرانيا. أكثر من 70 مليون مصري يعتمدون بشكل مباشر على الخبز المدعوم (أسعار متدنية نتيجة دعم الدولة لاستيراد القمح). في 2021، جاء ما يقرب من 80% من واردات مصر من القمح من روسيا وأوكرانيا.

في 23 شباط\فبراير، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اجتماع لمجلس الوزراء أن مخزون مصر الحالي من القمح في الصوامع يكفي لمدة أربعة أشهر، وفي منتصف نيسان\أبريل، سيتم حصاد الإنتاج المحلي ليمتد المخزون إلى تسعة أشهر تقريبا.

الحكومة تحدثت عن مصادر بديلة لتأمين القمح، لكن هذا قد يؤدي إلى زيادة حادة في الأسعار.

من المعروف أن دعم الخبز في مصر مسألة حساسة للغاية من الناحية السياسية، خاصة بعد الاحتجاجات التي اندلعت عام 1977 بشأن الخبز بعد إعلان الرئيس أنور السادات في حينه رفع الدعم عن الدقيق والأرز وزيت الطهي.

سوريا: تعاني سوريا أصلا من نقص حاد في القمح بسبب الحرب والأزمة الاقتصادية وتدمير البنى التحتية في البلاد. وتعتمد البلاد بشكل أساسي على روسيا لسداد حاجتها من القمح. في كانون الأول\ديسمبر 2021، اتفقت الحكومة مع روسيا على استيراد مليون طن متري من القمح عام 2022، بتمويل من قرض روسي.

للمزيد>>> مخيمات غارقة في شمال سوريا وأساليب تدفئة غير آمنة

وفقا لبرنامج الغذاء العالمي، يعاني 13,4 مليون شخص في سوريا من انعدام الأمن الغذائي، ومن المرجح أن يؤدي الصراع الأوكراني الروسي إلى تفاقم الأزمة، خاصة مع قرار السلطات في 24 شباط/فبراير اعتماد تدابير لتقنين احتياطيات المواد الغذائية، بما في ذلك القمح والوقود.

اليمن: الأزمة الإنسانية الأكبر في العالم، وفقا لتصنيف الأمم المتحدة. فبسبب الحرب الدائرة هناك، يواجه أكثر من نصف السكان انعدام الأمن الغذائي وخطر المجاعة. ومن المرجح أن تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى تفاقم تلك الأزمة حيث تستورد البلاد ما لا يقل عن 27% من قمحها من أوكرانيا و8% من روسيا.

احتجاجات وعدم استقرار

في أسوأ السيناريوهات، يمكن أن يؤدي نقص الغذاء إلى احتجاجات وعدم استقرار في البلدان المتقلبة بالفعل، وتلك التي تواجه صعوبات اقتصادية.

في لقاء صحفي، قال جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي "إن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة سيزيد من التضخم والتوترات الاجتماعية في كلا المنطقتين" (منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).

للمزيد>>> هل ستتسبب أزمة الغذاء العالمية بموجة هجرة جديدة في صفوف الشباب من تونس؟

وأضاف "سيكون للزيادة في أسعار المواد الغذائية تأثير على التضخم العام وستضع ضغطا إضافيا على الفئات ذات الدخل المنخفض، لا سيما في أقل البلدان نموا... سيؤدي ذلك إلى زيادة الإعانات ما سيفاقم الضغوط على الميزانيات السنوية".

يبقى أنه في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية وانعدام أي آفاق لأي حلول على المستوى المنظور، قد يكون على العالم توقع أن الأزمة الغذائية قد تكون مجرد البداية، وأن الآثار المباشرة لها ستنعكس أولا في الدول النامية التي ستشهد ارتفاعا حادا بمعدلات المجاعة، وربما بمعدلات الهجرة، ولهذا حديث آخر.

 

للمزيد