نوجين مصطفى تحمل الكتاب الذي ألفته صحافية بريطانية حول رحلتها/ خاص
نوجين مصطفى تحمل الكتاب الذي ألفته صحافية بريطانية حول رحلتها/ خاص

نوجين مصطفى اسم لاجئة سورية مقعدة، سيظل محفورا على تاريخ الهجرة واللجوء، استأثر بتعاطف كبير من قبل من اطلعوا على قصتها مع رحلة شاقة علن متن كرسي متحرك هربا من الحرب السورية نحو "الفردوس" الأوروبي.

تختلف رحلة نوجين مصطفى مع اللجوء عن بقية رحلات اللاجئين، وإن كانت تتقاسم معهم الشعور بمرارة مغادرة وطنها مجبرة بسبب الحرب. نوجين فتاة مقعدة، كان عمرها 16 عاما عندما قررت بصحبة شقيقتها، التي تبلغ 25 عاما، أن تتوجه إلى أوروبا.

قرارها بالهجرة جاء في وقت "فتحت فيه أوروبا أبوابها بوجه اللاجئين"، تقول نوجين في حديث مع مهاجر نيوز، أي عندما بلغت أزمة الهجرة ذروتها في 2015. وإن كانت تتنقل على كرسي متحرك، إلا أن ذلك لم يحبط من عزيمتها في مصارعة أمواج بحر إيجة والعبور نحو الضفة الأخرى.

"لم أكن أفكر في صعوبة الرحلة، كنت أحاول ألا أصاب بنوبة هلع"، تتحدث نوجين عن حالتها النفسية وهي على متن قارب نقلها برفقة كرسيها المتحرك وشقيقتها وبعض أقاربها إلى اليونان. "إما كل شيء أو لا شيء"، كان ذلك شعارها وهي في عرض البحر، معلنة انتصارها على أي إحساس بالخوف من الغرق.

لا تخفي نوجين أنها ومن رافقها في الرحلة كانوا محظوظين لاجتيازهم البحر بدون مشاكل. فهناك قوارب انطلقت في نفس يوم تعرضت للانقلاب، وهو اليوم نفسه الذي غرق فيه الطفل الكردي إيلان، وجابت صورة جثته الملقية على أحد الشواطئ كل أرجاء العالم.

نوجين تصارع الحدود

قبل وصولها إلى بحر إيجه وعبورها نحو أوروبا، قطعت نوجين على كرسيها المتحرك 12 كلم. "قطعنا تضاريس غير سهلة"، تلفت نوجين، إلا أن هذا المشوار كان جزءا بسيطا من مسافة رحلة كانت "صعبة ولم يزدها الكرسي المتحرك إلا تعقيدا".

بقيت نوجين في مخيم يوناني لمدة أسبوع قبل أن تستأنف رحلتها نحو هدفها الأخير ألمانيا. توجهت إلى أثينا فمقدونيا ثم صربيا وبعدها حاولت العبور إلى المجر، إلا أن الحدود كانت مغلقة. "كان إحساس مدمر بالنسبة لي"، تتحدث نوجين عن شعورها أمام هذه الحدود الموصدة.

شعرت بنوع من الضياع لأن وضعية الحدود ألقت بها لـ"رحلة نحو المجهول"، حيث أن مسالك الهجرة المعروفة من قبل لم تعد هي نفسها بعد إغلاق الحدود المجرية. وكان عليها برفقة أختها أن تبحث عن مسالك جديدة.

خطاب الرئيس الكرواتي وقتها المرحب باللاجئين، فتح أمامها كوة مضيئة جديدة في أفق قاتم حول مسيرة رحلتها. فتوجهت برفقة شقيقتها وكرسيها المتحرك إلى سلوفينيا، فالنمسا، حيث تعرضت للاعتقال والتهديد بالترحيل من حيث أتت، إلا أن كرواتيا رفضت استقبالها، قبل أن يفرج عنها وتنتقل إلى وجهتها الأخيرة ألمانيا.

يوم الوصول إلى الهدف المنشود

تتذكر نوجين اللحظة التي توجهت فيها إلى شرطي على الحدود النمساوية الألمانية، لتستفسر منه حول مكان تواجدها، فأجابها "مرحبا بكم في ألمانيا". "كنت سعيدة جدا، وشعرت أني حققت هدفي أخيرا"، تقول نوجين بصوت يحمل فرحا ظاهرا، فيما استغربت لغياب أي إشارة تشير إلى أنها فعلا موجودة على التراب الألماني.

لم يكن ممكنا لرحلتها أن تتم بدون وجود شقيقتها إلى جانبها. رحلة جعلتهما "يقتربان من بعضهما البعض أكثر". وتنظر إلى أختها اليوم بافتخار كبير، لكونها كانت في مستوى رهانات هذه الرحلة، وتعاملت معها بـ"نضج كبير".

وبعد كل مصاعب الرحلة وما رافقها من مخاطر، تشعر نوجين أن أسرتها "جنت اليوم ثمار هذا التعب، وحققت كل ما كانت تصبو إليه من استقرار يعبد الطريق لمستقبل الأطفال ولأختها ولها"، خاصة وأنها لم تكن تتردد على المدرسة في سوريا، ورغم ذلك تعلمت القراءة والكتابة في المنزل بل واللغة الإنكليزية أيضا بالاعتماد على نفسها.

ماذا تعني ألمانيا لنوجين؟

ألمانيا بالنسبة لها بوابتها نحو العلم والمعرفة بعد أن فتحت مدارسها أبوابها بوجهها، فيما كانت مجبرة على البقاء في المنزل في سوريا في ريف حلب، فقط لأنها مقعدة. وهي اليوم في الصف التاسع في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، "وراضية جدا" على نتائجها.

اكتشفت نوجين أن ألمانيا تتمتع بثقافة "تقبل الآخر كما هو، والناس لا تحكم على الآخرين من خلال شكلهم أو مظهرهم"، مبدية كل استعدادها لأن تكون "منتجة" في بلد الاستقبال، حتى وإن كانت تدرك أن للكثيرين صورة خاطئة عن اللاجئين، ما يشعرها أنها في "امتحان مستمر حتى تعطي صورة مغايرة لذلك".

وكان كتاب "نوجين" الذي ألفته الصحافية البريطانية كريستينا لامب بالتعاون معها، مجموعة من الرسائل أرادت أن تشير فيها إلى أن "اللاجئين ليسوا أرقاما على شاشة التلفزيون، بل هم أشخاص كانت لهم حياتهم، يريدون أن يدرسوا، يؤسسوا مشاريع، ويحلمون...". أما حلم العودة يظل يرادوها وإن كان مشروعا مؤجلا بالنظر للظروف المؤلمة التي يمر منها بلدها.

 

للمزيد