بناية دمرها قصف مدفعي في كييف ، أوكرانيا ، الاثنين 14 مارس 2022.
بناية دمرها قصف مدفعي في كييف ، أوكرانيا ، الاثنين 14 مارس 2022.

لينا، خبيرة تواصل وكانت تدير وكالتها الخاصة بها في أوكرانيا، وتعيش حياتها باستقلالية تامة. بعد خمسة أيام من بداية الغزو الروسي لبلدها أوكرانيا، فرت مع ابنها من العاصمة كييف مثل كثير من النازحين الأوكرانيين إلى خارج البلاد.

تحكي لينا في مقابلة مباشرة مع مهاجر نيوز أنها كانت "سعيدة جدًا، فبعد عامين من الإغلاق بسبب كورونا، شعرت خلال بداية هذه السنة أنني عدت أخيرًا إلى الوضع الطبيعي. أعددت جميع العقود واستأنفت نشاطي، لكن أحداث يوم 24 فبراير/ شباط غيرت حياة الجميع".

تقول لينا أنه سيتعين عليها الآن بدء كل شيء في حياتها من الصفر، لكنها مصممة على مواجهة هذه المحن.

خلال اللحظة التي سمعت فيها صوت القنابل، لم تصدق أن الحرب قد بدأت "عندما سمعت الانفجارات لأول مرة في كييف، اعتقدت أنها مجرد حادثة انفجار في أحد المصانع. ولكن عندما تكرر الأمر أكثر من مرة، أدركت أنها الحرب فعلا".

تتذكر لينا بالتفصيل كيف تابعت أول خطاب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتتذكر محاولته تبرير "سبب اضطراره للهجوم على أوكرانيا"، باتهام حلف شمال الأطلسي وأوروبا بعدم احترام اتفاقياتها وتعديها على أرضه. بعد ذلك، شاهدت خطاب الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، الذي أكد خلاله أن "أوكرانيا تعرضت للغزو من قبل روسيا، وأن الحرب قد بدأت".

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث عبر الفيديو أمام رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (يمين) والرئيس البولندي أندريه دودا (وسط) والصحفية إيشا سيساي (يسار) في وارسو في 9 أبريل 2022
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث عبر الفيديو أمام رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (يمين) والرئيس البولندي أندريه دودا (وسط) والصحفية إيشا سيساي (يسار) في وارسو في 9 أبريل 2022

البحث عن ملجأ

وجدت لينا وابنها في قبو المنزل مخبأ لكنه لم يكن عميقأ وآمنأً بما يكفي. ،تتذكر لينا أنه "كان الجو حارًا حقا هناك وكان القبو قذرا"،

موضحة أنه في القبو توجد جميع أنابيب المياه الساخنة للمبنى. "عندما رأيت الوضع في القبو، فكرت في المخاطر وتساءلت: ماذا يحدث إذا أصابنا صاروخ؟ فهمت أنه ليس آمنًا، لذلك بحثت عن مكان أفضل".

في الليلة التالية، وجدت لينا وابنها البالغ من العمر 10 سنوات وقطتهم قبواً آخر ليختبؤا فيه. في هذا الملجأ، كانت المساحة والتجهيزات تكفي لـ 400 شخص. ظل الناس يتوافدون على الملجأ، وعوض الاختباء ساعات، امتد الأمر أكثر من ذلك، فالانفجارات لم تتوقف خلال ليلة أو ليلتين.

تقول لينا إنها لم تكن تعرف في البداية ما يجب عليها الاحتفاظ به، أو كيف يجب أن تتصرف في الموقف الذي وجدت نفسها فيه فجأة ودون تخطيط. "اللاجئون، الذين ينامون في الشارع، أو في محطة المترو، رأيتهم كثيراً في السابق، وشعرت بالأسف تجاههم. لكنني لم أتخيل أبدًا أنني سأجد نفسي في هذا الموقف".

الاستعداد للفرار في أي لحظة

تم إخبار الأوكرانيين بالأشياء التي يجب وضعها في حقيبتين صغيرتين، حتى يتمكنوا من المغادرة في أي لحظة. "قرأت المعلومات وبدأت في وضع خطط. لم أكن أعرف ماذا أفعل أنا وابني وقطتنا الصغيرة. لكني بدأت أفكر في الأشياء التي قد أحتاجها والملابس التي يجب أن آخذها". 

بحلول اليوم الثالث كانت قد استعدت بما يكفي للرحيل. يومها، سقطت قنبلة بالقرب من منزل والد ابنها. تتذكر قائلة "لقد كانت معجزة أنه لم

يمت". بدأت تسمع قصصًا عن عائلات تموت في الشارع. اتصلت بها صديقة في بولندا لتخبرها أنه إذا تمكنت من الوصول إلى هناك، فسوف تساعدها. بعد تواصلها مع أشخاص كثر، في محاولة منها للعثور على شخص يفر معها من البلاد، حجزت لينا تذكرتين في القطار باتجاه لفيف.

اختار لاجئون أوكرانيون القطار كوسيلة للخروج من البلاد نحو الحدود من أجل النجاة
اختار لاجئون أوكرانيون القطار كوسيلة للخروج من البلاد نحو الحدود من أجل النجاة

الأصدقاء أصبحوا أعداء!

كانت انطلاقة القطار الساعة الخامسة صباحًا، تتذكر لينا "كنت أظن أننا سنغادر على متن سيارة أجرة، لكنني لم أجد أي سائق". قبل مغادرة

منزلهم، تدربت لينا مع ابنها على ما يتعين عليهم القيام به في سيناريوهات مختلفة لمحاولة الحفاظ على سلامتهم.

تقول لينا إن هذه الحياة الجديدة كانت مربكة جداً لابنها. في المدرسة، كان يتحدث الأوكرانية وتعلم أن يكون فخوراً ببلده. وفي المنزل،

علمته أمه لينا أن الروس أيضًا أصدقاء، وتحدثت معه بالروسية. كان سؤال ابنها المتكرر بعد بداية الحرب "ماذا يحدث؟ أخبرتني أنهم (الروس) أصدقاؤنا!".

حين مغادرتهم إلى محطة القطار، عاشت لينا وابنها أجواء مرعبة بسبب أصوات الانفجارات، وصدمت أكثر بدخولها لأنفاق المحطة باتجاه الميترو. "كانت الأعداد كبيرة، كان الجميع ينام على الأرض، الميترو لم يكن يتحرك"، وزادت صدمتها عندما اكتشفت أن السكة قد تضررت أثناء المعارك في الليل، حينها علمت أنها لن تغادر إلى أي مكان.

كانت الأجواء في الشوارع مرعبة بالنسبة إليها، ولا أمان لمن يتواجد خارج المخبأ. لذلك رأت لينا أن الأمر لا يستحق المخاطرة، وعادت إلى شقتها رفقة ابنها. بعد عشر دقائق من وصولهم، تم إغلاق جميع خطوط المترو لاستخدامها كملاجئ للناس لحمايتهم من القنابل.

في هذا اليوم قررت مرافقة بعض أصدقائها إلى متجر لا يزال به بعض الطعام في مخزنه. كان مخزون الطعام في منزلها قد نفذ، وحاولت الحصول على أكبر قدر ممكن من الطعام لأسرتها. فهمت أن الإمدادات الغذائية أصبحت أكثر شحاً، بعد احتلال بعض الأراضي الأوكرانية من قبل الجيش الروسي وتدمير الجسور.

الناس يحتشدون في محطة وينتظرون ركوب القطار المتجه إلى لفيف في كييف في 1 مارس 2022 | الصورة: Emilio Morenatti / AP Photo
الناس يحتشدون في محطة وينتظرون ركوب القطار المتجه إلى لفيف في كييف في 1 مارس 2022 | الصورة: Emilio Morenatti / AP Photo

اتصال مصيري

عندما عادت إلى المنزل، تلقت لينا مكالمة مهمة، هذه المرة من أحد معارفها. "لم أتحدث إليه منذ عشر سنوات!"، بعد رفع السماعة سألني

"هل تريدين الذهاب إلى بلغاريا؟ لديك عشر دقائق لاتخاذ القرار". قالت لينا إنها فكرت في الأمر وسألت ابنها، لكنه رفض. "لم أستطع إجبار طفل يبلغ من العمر عشر سنوات على فعل شيء لا يريده، كنت قد اشتريت للتو كل هذا الطعام، ولم أكن أعرف ما إذا كانوا سيسمحون لي بأخذ قطتي معي. لا يمكنني المغادرة بدونها". وتضيف "شعرت برغبة في البكاء لكني لم أستطع البكاء لم أكن أريد أن أفرض شيئا على

ابني، لذلك أجبتهم بالرفض".

اتصل الرجل مرة أخرى بعد بضع دقائق، وقال لي مرة أخرى: إنها فرصة جيدة حقًا. يمكننا أن نوصلكم إلى بلغاريا. بعدها عليكم فقط الوصول إلى القنصلية وستكونون بأمان".هذه المرة، وافقت لينا وحاولت جاهدة إقناع ابنها بالفكرة. ليرضخ لرغبتها في النهاية ويرافقها.

الوجهة: بلغاريا

تمكنت لينا وابنها من الوصول إلى القنصلية البلغارية، بعد رحلة مليئة بالمخاطر والمجازفة. هناك، كانت عدة حافلات تنتظر إجلاء الناس من أوكرانيا. قبل ركوب أحدى الحافلات، تم التأكد من وثائق الجميع من قبل موظفي القنصلية. سألها مسؤول بلغاري "لماذا جواز سفر ابنك منته الصلاحية؟". لكن في نهاية الأمر تم منعهم من الصعود إلى الحافلة.

حافلة خاصة لإجلاء الأوكرانيين 26 فبراير 2022 | الصورة: Visar Kryeziu / AP
حافلة خاصة لإجلاء الأوكرانيين 26 فبراير 2022 | الصورة: Visar Kryeziu / AP

بعد عدة مكالمات هاتفية، رضخ المسؤول في النهاية وسمح لها بالمغادرة. لكن موظفة أخرى جاءت تسألها، عما إذا كان لديها إذن من والد ابنها بإخراجه من البلاد. صاحت لينا في وجهها بعصبية "هذه حرب! بالطبع ليس لدي إذن كتابي!". في نهاية الأمر، تمكنت لينا وابنها وقطتهما من الصعود إلى إحدى الحافلات. أثناء مغادرة كييف، شاهدوا الصواريخ في سماء المدينة، وسمعوا أصوات إطلاق نار وانفجارات. اضطر سائق الحافلة إلى إطفاء الأنوار وأخبر الركاب أنه قد يتعين عليهم الانتظار. دب الخوف في قلوب الجميع وفقدوا الأمل في المغادرة، لكن السائق قرر مواصلة الرحلة.

الوصول إلى مولدوفا

عندما وزع المتطوعون البلغار الطعام على ركاب الحافلة، شعرت لينا بإحراج كبير. "إذا حصلت على شيء بالمجان، لا أشعر بالراحة. تساءلت: كيف وصلت إلى هذا الوضع؟ أنا لست امرأة فقيرة. ماذا حدث؟".

متطوعون يقدمون الهدايا والأشياء الضرورية مثل الملابس والطعام للاجئين الأوكرانيون
متطوعون يقدمون الهدايا والأشياء الضرورية مثل الملابس والطعام للاجئين الأوكرانيون

كانت ترغب في شراء أشياء لابنها خلال توقف الحافلة بمحطة وقود بمولدوفا، لكنها لم تتوفر على المال الكافي. "دفع المبلغ رجل علم أنني قادمة من أوكرانيا، حاولت أن أقنعه أنني سأقوم بتحويل الأموال إلى حسابه، لكنه رد بالقول: "لا أريد المال، من فضلك لست بحاجة إليه".

تلقت لينا أيضًا المساعدة في مركز الأزمات البلغارية. تقول "ساعدونا في كل شيء: الملابس والطعام، ووفروا لابني حاسوباً جديدًا، ووجدوا

لنا أسرة استقبلتنا. إنهم أشخاص طيبون للغاية وعائلة لطيفة، لقد اشتروا لنا كل ما ينقصنا، ودعونا لتناول العشاء خارج المنزل، وإلى الحفلات الموسيقية المنظمة من أجل دعم أوكرانيا، وساعدونا حقًا على الاندماج".

في الوقت الحالي، تعيش لينا وابنها في أمان، لكنها ترغب في السفر إلى النمسا حيث لديها أصدقاء، أو ربما إلى كندا "حيث يمكنني التحدث باللغة الإنجليزية"، تقول لينا.

*لينا اسم مستعار تم استخدامه بدل الاسم الحقيقي من أجل حماية أعضاء أسرتها المحاصرين في ماريوبول والمتواجدين في روسيا

إيما واليس/ م.ب

 

للمزيد