بناء استحوذت عليه جمعيات محلية وسط باريس. الصورة: مهاجرنيوز
بناء استحوذت عليه جمعيات محلية وسط باريس. الصورة: مهاجرنيوز

في وسط العاصمة باريس، استحوذت جمعيات محلية على بناء مهجور يوم الإثنين الماضي، بهدف تحويله إلى مكان يرحّب بالمهاجرين المتعبين من حياة التشرد في المخيمات العشوائية. بات المكان يؤوي 80 مهاجرا، يسود شعور الارتياح بينهم، لكن البعض يشكك بمدى استمرارية المكان، متخوّفين من أن تطردهم السلطات.

منذ يوم الإثنين الماضي 18 نيسان/أبريل، ترك جبريل خيمته وبات ينام تحت سقف يأويه لأول مرة منذ وصوله إلى فرنسا الشهر الماضي. الشاب النيجيري البالغ من العمر 24 عاما، لم ير من عاصمة الأنوار سوى حياة التشرد في المخيمات العشوائية شمال باريس، لكن روتينه اليومي بدأ بالتغير منذ أن استحوذت جمعيات محلية على بناء مهجور وسط العاصمة باريس.

كان جبريل حاضرا من اليوم الأول الذي دخل فيه ناشطون، من جمعيات عدة لا سيما "لا شابيل دوبو"، إلى بناء مهجور منذ ثلاث سنوات على الأقل كان سابقا مقرا لشركة أمريكية، بهدف تحويله إلى مكان يرحّب بالمهاجرين في باريس، لا سيما مع الصعوبات التي تواجههم في إتمام إجراءاتهم الإدارية وإيجاد سكن في المدينة المزدحمة. كما يأمل الناشطون من تأسيس مشروع في هذا المكان يبعث رسائلا مناهضة للعنصرية ويطالبون الدولة بتسوية أوضاع الذين ليست لديهم أوراق إقامة.


في وسط العاصمة باريس، بين محلات تجارية ومطاعم متنوعة والأبنية الباريسية ذات الطراز المعماري العثماني، يمضي طالب اللجوء جبريل لياليه في البناء المؤلف من خمسة طوابق برفقة حوالي 80 مهاجرا آخر، يتحدرون بشكل أساسي من السودان وأريتريا والصومال وموريتانيا ومالي.

خصص الطابق الأرضي الذي يطلّ على حديقة خلفية صغيرة كمكان لقاء مشترك، إلى اليمين تحولت صالة صغيرة إلى مكان لتخزين الطعام والأغراض الأساسية من أغطية ومواد تنظيف، ويقابلها مطبخ صغير، فيما خصصت الطوابق الأخرى كغرف للنوم. امتلأت الجدران بأوراق لتنظيم الأعمال اليومية في البناء من تنظيف وترتيب، إضافة إلى معلومات عن مواعيد مرور أطباء متطوعين من منظمة "أطباء العالم".

فيما يشعر القاطنون بالراحة للتخلص من حياة التشرد في الشوارع، يشكك البعض بمدى استمرارية المكان.

"لا تستطيع التركيز على أي شيء حين تعيش في الشارع"

وصل جبريل إلى فرنسا منذ حوالي شهر، بعد أن عبر البحر المتوسط على متن قارب خشبي متهالك انطلاقا من ليبيا، يروي الشاب طويل القامة بصوت خافت، "لحسن الحظ أنقذتنا سفينة 'أوشن فايكنغ' (التابعة لمنظمة "إس أو إس ميديتيرانيه") من الغرق، ونقلتنا إلى إيطاليا". ومن هناك قرر الشاب متابعة رحلته، كونه أمضى ست سنوات في تشاد حيث تعلم اللغة الفرنسية، "بدأت دراستي الجامعية في كلية الحقوق، لكن لم تكن الظروف ملائمة للبقاء هناك، فذهبت إلى ليبيا أملا بالوصول إلى أوروبا".

الشاب جبريل في الطابق الأرضي من البناء التي استحوذت عليه الجمعيات. الصورة: مهاجرنيوز
الشاب جبريل في الطابق الأرضي من البناء التي استحوذت عليه الجمعيات. الصورة: مهاجرنيوز


فيما يجلس على كرسي بلاستيكي صغير، تتغير ملامح وجهه وتبدأ بالارتياح ريثما ينهي تذكّر ما مر عليه قبل الوصول أخيرا إلى باريس والحصول على مكان في البناء الجديد، "أمضيت شهرا تحت جسر لا شابيل أنام في خيمة، الشرطة كانت تأتي وتطردنا باستمرار، أحيانا كانوا يأتون عند الساعة الواحدة صباحا، الحياة صعبة للغاية في الشارع".

بين ابتسامته الخجولة وصوته الخافت الذي يتماشى تماما مع الهدوء الذي يعم المكان، يكرر الجملة نفسها، "لا تستطيع التركيز على أي شيء حين تعيش في الشارع. تفكر فقط أين ستنام، وماذا ستأكل. هذا كل شيء". وينتظر الشاب حاليا الموعد الرسمي لإتمام إجراءات طلب اللجوء، "أعطوني بطاقة المساعدات المادية، لكن لم يصلني أي مال حتى اللحظة"، ويقول الشاب إنه لا يتلق أي دعم سوى المساعدات المقدمة من الجمعيات المحلية، "آمل أن أبقى هنا وأرتاح قليلا بانتظار الانتهاء من أوراقي".

مستعدون للعودة إلى حياة التشرد

خلف الشاب العشريني، يجلس الشابان آبيرا وجوس إلى جانب الواجهة الزجاجية للبناء المطلة على مطعم يقدم الطعام الآسيوي، وعلى عكس جبريل، لا يبدو الشاب الأثيوبي آبيرا مقتنعا تماما بأنهم سيتمكنون من البقاء طويلا في هذا المبنى، "لا أشعر حقا بالاستقرار، من الجيد بالتأكيد أننا هنا، لكننا ننام على الأرض فلا توجد أسرّة ولا نعلم متى ستطردنا الشرطة".

الشاب البالغ 33 عاما، وصل إلى فرنسا منذ العام 2019، قدّم طلب اللجوء وحصل على قرار رفض ثان من محكمة الاستئناف منذ شهرين. يكمل حديثه بسخرية فيما يرتدي سترته الحمراء، "النوم في الشارع جزء أساسي من ثقافة هذه المدينة، لكننا سنرتاح قليلا هنا قبل العودة إلى حياة الشوارع"، يطلق ضحكة هو وصديقه الأريتري جوس.

الشاب الإثيوبي آبيرا يعيش في فرنسا منذ ثلاثة أعوام. الصورة: مهاجرنيوز
الشاب الإثيوبي آبيرا يعيش في فرنسا منذ ثلاثة أعوام. الصورة: مهاجرنيوز


رغم أن الوضع الإداري للشاب الثلاثيني جوس أفضل بكثير من آبيرا إلا أنه يعاني من الأمر ذاته، "وافق مكتب الأوفبرا على طلب لجوئي منذ شهرين، لكن الجهات الحكومية لم تقدم لي أي حل للسكن. قالوا لي إنه لا توجد أمكنة في مراكز الإيواء".

يضيف الشابان في الوقت نفسه، "نحن مستعدون لمجيء الشرطة، ومستعدون للعودة إلى حياة التشرد في المخيمات من جديد".

"أماكن محدودة"

أمام مدخل البناء الذي يعلوه لافتة قماشية كُتب عليها "حياة المهاجرين تستحق العدالة"، يتكلم أحد الناشطين من الجمعية مع شاب مالي يعتذرون منه لعدم توفر أماكن متاحة في الداخل، ويقول الناشط كافي في جمعية "لا شابيل دوبو" متأسفا، "الأماكن محدودة، لا نستطيع استقبال الجميع". إذ يحرص الناشطون على إدارة المكان والحفاظ على الهدوء.

يضيف الشاب قائلا "عملنا صعب وحساس في بعض الأحيان، لكن إن فتحنا الأبواب سيتضاعف العدد بسرعة. نريد استقبال هؤلاء الأشخاص بكرامة".

تلك ليست المرة الأولى التي تقدم فيها الجمعيات على الاستحواذ على أبنية أو ساحات عامة للتنديد بسياسة الدولة وعدم توفر السكن للمهاجرين في العاصمة باريس، ففي آب/أغسطس الماضي، توجه 400 مهاجر برفقة ناشطين إلى ساحة Place des Vosges وسط باريس ونصبوا خيامهم هناك وطالبوا الدولة "بحلول استضافة جديدة ومستدامة".

تستغل الجمعيات فترة الانتخابات الحالية، ويعوّلون على أن الشرطة لن تطردهم، يقول أحد الناشطين "أتت الشرطة أكثر من مرة لكنهم تعاملوا معنا بشكل جيد ولم يطلبوا منا المغادرة"، لكن يوم الأحد القادم 24 نيسان/أبريل، ستنتهي الدورة الثانية من الانتخابات وبالتالي يبقى السؤال ما إذا كانت السلطات ستقرر إخلاء المكان بالقوة.

أثناء حديث الناشطين مع فريق مهاجرنيوز، يأتي شاب أريتري طالبا المساعدة، فهو يعيش حياة التشرد في شوارع باريس منذ عام ونصف، لكنه مثل الشاب المالي خرج خائبا عائدا إلى النوم في مخيمات "لا شابيل".

 

للمزيد