مخيم بورنارا. مهاجر نيوز
مخيم بورنارا. مهاجر نيوز

تعرضت قبرص لكم كبير من الانتقادات من منظمات حقوقية وإنسانية، ومن مقرر حقوق الطفل الخاص بها، بسبب الظروف المعيشية المريعة التي يتواجد بها المهاجرون القاصرون غير المصحوبين في مخيم بورنارا. السلطات وعدت بتحسين تلك الظروف، حيث نقلت بالفعل 150 قاصرا من هناك إلى مراكز استقبال أخرى، لكن الجحيم مازال مستمرا للمتبقين هناك. من جهة أخرى، حتى ولو تمكنوا من الخروج من المخيم، سيكون على هؤلاء القاصرين مواجهة بطء المعاملات الإدارية والانتظار ربما لسنوات للحصول على أجوبة بشأن طلبات لجوئهم.

المئات من القاصرين غير المصحوبين يتوافدون سنويا إلى جزيرة قبرص الواقعة شرق المتوسط، والمحاذية لسواحل بلدان الشرق الأوسط وتركيا. عبر القوارب أو الطائرات أو السفن السياحية، يصل هؤلاء تعبين ومرهقين من رحلة استمرت لبعضهم أشهرا، أملا بالوصول إلى أوروبا، حيث "الحياة الرغيدة والمستقبل المضمون".


معظم القاصرين يصلون عبر رحلات جوية من تركيا إلى مطار إركان، في الجزء الشمالي من الجزيرة الخاضع للسيطرة التركية. شبكات تهريب باتت متخصصة بنقل هذا النوع من المهاجرين، تؤمن لهم الأوراق والحجج المناسبة التي تخولهم الصعود على متن الطائرات المقلعة من تركيا باتجاه الجزيرة المقسمة عرقيا منذ 1974. هناك، منهم من يكمل طريقه إلى الشطر الأوروبي (جنوب)، ومنهم من يقع فريسة للشبكات التي تبقي عليهم في منازل، شبه مسجونين، ليتم إجبارهم على العمل.

سوريون وعراقيون وصوماليون وكونغوليون وكاميرونيون وجنسيات أخرى، ارتفعت أعدادهم تدريجيا منذ 2018، حيث وفقا للسلطات القبرصية، تقدم 304 مهاجرين قاصرين بطلبات لجوء في 2020، مقارنة بـ659 في 2021.

متوجهون إلى أوروبا الغربية ليجدوا أنفسهم في قبرص

معظم هؤلاء لا يريدون البقاء في قبرص، في الواقع، كثير منهم تم خداعه من قبل شبكات التهريب، يعدونهم بأخذهم إلى إيطاليا أو بلجيكا أو ألمانيا، ليجدوا أنفسهم في الشمال القبرصي يعبرون الخط الأخضر الخاضع لرقابة قوة حفظ السلام الأممية باتجاه الجنوب. هذا ما حصل مع محمد، طالب اللجوء القادم من ساحل العاج في 2019 وكان عمره حينه 16 عاما. غادر محمد بلاده بعد أن خسر والديه، اتخذ قرار الهجرة منفردا آملا بالوصول إلى أوروبا ليحقق حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم، ليتمكن لاحقا من البحث عن شقيقه الأصغر الذي لا يعرف عنه شيئا.

للمزيد>>> اللجوء في قبرص.. الإجراءات والحقوق ومواقف المنظمات غير الحكومية

وصل محمد إلى تركيا من بلاده عبر تونس بمساعدة أحد المهربين، الذي وعده بإيصاله إلى بلجيكا. لم يعرف محمد أنه وقع ضحية احتيال من قبل ذلك المهرب الذي أخذ أمواله وأوصله في النهاية إلى شمال قبرص، حيث احتفظت به الشبكة مسجونا في أحد المنازل هناك. بعد عدة أسابيع تمكن من الهرب، "لم أعرف إلى أين أتجه، لم أكن أعلم أين أنا، الجميع يتحدث لغة لا أفقهها، لا أحد يتحدث الفرنسية. كنت أركض بكل طاقتي على غير هدى. الصدفة قادتني لمجموعة أشخاص سمر البشرة، أفارقة، توجهت إليهم، كانوا يتحدثون الفرنسية، شرحوا لي أين أنا وأنهم بصدد التوجه إلى الجنوب. لم أملك الكثير من الخيارات، تبعتهم وها أنا ذا".

أندريا نيوكليوس من منظمة "أمل الأطفال" (Hope for Children) قالت لمهاجر نيوز "معظم حالات المهاجرين القاصرين الذين نعمل معها لا يعرفون أين هم بالضبط لحظة وصولهم إلى قبرص. المهربون يأتون بهم إلى الشمال ليتركوهم هناك دون أي إرشاد أو مساعدة. يقولون لهم أنهم في إيطاليا أو فرنسا أو بلجيكا".

تحرش جنسي وانتهاك للحقوق

لحظة وصولهم إلى جمهورية قبرص، يتوجه هؤلاء القاصرون، ككافة المهاجرين، إلى مركز بورنارا لتسجيل بياناتهم والتقدم بطلبات لجوء. ولهذا القسم من الرحلة تفاصيله وصدماته الخاصة.

في المخيم المكتظ، يضطر القاصرون غير المصحوبين لأن يتدبروا أمورهم تقريبا وحدهم. الظروف في الداخل غير مهيأة بتاتا لاستقبال قاصرين.

 

يعاني المهاجرون في بورنارا من ظروف معيشية سيئة للغاية، على الرغم من الإثلاحات التي أعلنت عنها السلطات. الصورة من أمام المركز غربي نيقوسيا، 20 نيس\ن أبريل 2022, شريف بيبي.
يعاني المهاجرون في بورنارا من ظروف معيشية سيئة للغاية، على الرغم من الإثلاحات التي أعلنت عنها السلطات. الصورة من أمام المركز غربي نيقوسيا، 20 نيس\ن أبريل 2022, شريف بيبي.


داخل المخيم، خصصت السلطات منطقة للحالات الأضعف، كالنساء والأطفال، لتأمين كافة شروط الحياة الآمنة لهم. لكن وفقا لتقرير قاعدة بيانات طلبات اللجوء في أوروبا (AIDA) نشره مجلس اللاجئين القبرصي، تلك المنطقة "لا تخضع لرقابة دائمة"، حيث تم تسجيل عدد من حالات التحرش الجنسي بقاصرين في تلك المنطقة بين عامي 2020 و2021.

الاكتظاظ داخل المخيم لا يتيح للقاصرين مجالا للحصول على فسحتهم الخاصة، إذ غالبا ما يضطرون للتخالط مع الراشدين عند طوابير الطعام أو في الحمامات أو في الخيام.

للمزيد>>> "بعد خمس سنوات رفضت طلبات لجوئنا".. حكاية عائلة فلسطينية في قبرص

تلك الظروف استدعت انتقادات حادة من قبل منظمات غير حكومية عدة، تحدثت عن المخاطر الجمة التي يتعرض لها القاصرون في مخيم بورنارا، حيث من المفترض أن يحظوا بالحماية المناسبة. وفد برلماني قبرصي زار المخيم قبل أشهر حيث وصف الأوضاع "بالكارثية" وطالب الحكومة بضرورة العمل على تغيير الوضع. لكن التقرير الذي أصدره مفوض حقوق الطفل في الجزيرة أعطى صورة أشمل للواقع في داخل المخيم، ودق ناقوس الخطر حيال الظروف المعيشية هناك. هذا الأمر أدى إلى زيارة الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس للمخيم في 13 آذار\مارس الماضي، تعهد بختامه توفير ظروف "أكثر إنسانية" لـ350 قاصرا هناك.

مخيم بورنارا. مهاجر نيوز
مخيم بورنارا. مهاجر نيوز


لاحقا، نقلت السلطات 150 من هؤلاء القاصرين إلى فنادق ومراكز استقبال موزعة في عدة مناطق، لكن الكابوس لم ينته بالنسبة للباقين. ففي آذار\مارس أيضا، غادر تسعة مراهقين صوماليين المخيم ليعتصموا أمام مقر منظمة "أمل الأطفال" مطالبين بمأوى، بعد أن مضى على وجودهم في بورنارا أكثر من ستة أشهر.

خيبات متتالية

ولكن، حتى مع خروجهم من المخيم، المشوار لن يكون قد انتهى بالنسبة لهؤلاء الأطفال. فبعد الانتهاء من التقدم بطلباتهم، يسمح للقاصرين بمغادرة المخيم تحت إشراف هيئة الخدمات الاجتماعية الحكومية، يتم توزيعهم على شقق في نيقوسيا ولارنكا وليماسول تابعة للهيئة أو لمنظمات غير حكومية أخرى كـ"أمل الأطفال"، حيث سيخضعون لدورات باللغة الإنكليزية وتدريبات على مهن معينة وإرشاد حول الحياة اليومية في قبرص. حاليا هناك ما يقرب من 600 مراهق، تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاما، مستفيدين من تلك المنازل.

وعلى الرغم من التحسن الكبير في ظروفهم الحياتية هنا، لكن الخيبات تأبى إلا أن تلازمهم. بعض هؤلاء المراهقين يعتقدون أنهم باتوا بأمان وأنه باستطاعتهم الآن تحقيق أحلامهم، "لكن علينا أن نوضح لهم أن هذا الوضع مؤقت، وأنه مازال أمامهم طريق طويل ليحققوا غاياتهم"، تقول أندريا. وتضيف "منهم من يعتقد أنه بات بإمكانه الانضمام إلى عائلته في بلد أوروبي آخر، أو تحقيق حلمه بأن يصبح لاعب كرة قدم، سيكون علينا أن نقول لهم هنا أن هذا غير ممكن حاليا، نرى خيبة الأمل ظاهرة في عيونهم".

فرائس سهلة للقلق

وحسب العاملة في المنظمة غير الحكومية "المشكلة هي أن إجراءات اللجوء في قبرص طويلة ومعقدة، قد تمتد أشهرا وربما سنوات. وبالنسبة للقاصرين يريدون الانتقال بأسرع وقت ممكن من هنا ليتابعوا أحلامهم، وهذا يسقطهم في دوامة قلق كبيرة"، فنسب الرفض كبيرة جدا، خاصة لطالبي اللجوء الأفارقة، فعلى الرغم من أن معظم هؤلاء المهاجرين فروا من أعمال عنف أو اضطهاد أو استغلال أو خطر على الحياة، إلا أن هذا لا يبرر منحهم اللجوء حسب السلطات.

للمزيد>>> في مركز بورنارا لتسجيل طالبي اللجوء في قبرص.. "رتابة وانتظار وسجن وضياع العمر"

دائرة القلق تتسع بالنسبة للقاصرين بشكل يومي، فهم لا يعرفون ما سيكون عليه مستقبلهم، ما يجعلهم أهدافا سهلة لآفات الإدمان على الكحول أو المخدرات. تقول أندريا أن "متخصصين نفسيين يتابعون تلك الحالات، لكن الأمر معقد للغاية خاصة وأنه ما من أفق أمام هؤلاء المراهقين".

بالنسبة لمحمد، الكحول والمخدرات ليست حلا، على الرغم من معرفته بعدد من أصدقائه ممن استسلموا لهاتين الآفتين، "أريد أن أحافظ على نهج متفائل بحياتي، بالنهاية سأصل لمبتغاي. الآن أنا ألعب كرة القدم مع ناد محلي من الدرجة الثالثة، أعلم أنني في النهاية سأصل إلى الدرجة الأولى وسألعب مع أحد الأندية المشهورة. أيضا أعمل في مخبز بالقرب من مكان سكني، ساعات العمل طويلة والأجر زهيد، لكنني تعلمت مهنة هنا وأعتقد أن هذا ما يهم. عندما بلغت سن الـ18 وخرجت من المنزل الذي كنت أعيش فيه (أحد المنازل التابعة لأمل الأطفال) كنت أمام خيارين، إما أن أواجه أو أن أسقط، اخترت المواجهة".

وفقا لأندريا نيوكليوس، "بذلت السطات مؤخرا الكثير من الجهود لتحسين وتطوير برامج إيواء وتعليم المهاجرين القاصرين، بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية. لكن لا يزال هناك الكثير ليتم تحقيقه، ويجب تسريع العملية الإدارية أكثر. فبينما يأخذ السياسيون وقتهم للتفكير والنقاش بشأن الآليات المثلى الواجب اتباعها، تكثر المطالب والاحتياجات". 

 

للمزيد