حوالي 300 شخص يقيمون في مخيم بانتين شمال باريس. الصورة: يوتوبيا 56
حوالي 300 شخص يقيمون في مخيم بانتين شمال باريس. الصورة: يوتوبيا 56

تستقبل بلدة بانتين، في إحدى الضواحي الشمالية لباريس، مخيما لنحو 300 شخص، معظمهم من المهاجرين الأفغان، وصلوا إلى هناك بعد انسداد الآفاق بوجوههم وانعدام إمكانية الحصول على مأوى. يعتمد المهاجرون هناك بشكل شبه كلي على المساعدات التي تصلهم من منظمات غير حكومية، فضلا عن تبرعات من سكان الأحياء المجاورة. عدد من سكان البلدة أطلقوا مبادرة تحت اسم "بانتين سوليدير" (تضامن بانتين)، ليساهموا بتيسير الأمور اليومية لسكان المخيم ومساعدتهم على إيجاد أماكن الاغتسال والحصول على الطعام. كما يقومون بتنظيم أنشطة نوعا ما ترفيهية، للترويح عن المهاجرين. مهاجر نيوز توجه إلى المخيم ليعاين الوضاع هناك، حيث عاد بالتقرير التالي.

على مدخل المخيم، تحلقت مجموعة من الشبان حول حاوية معدنية أشعلوا فيها بضعة عيدان من الحطب للتدفئة. أحدهم كان يلهو بالرسم على ورقة بيضاء، "هذه الأهوار في العراق، المنطقة التي قدمت منها"، يقول عاصم دون أن يلتفت إلى ما يحصل حوله. بجانبه جلس أحمد (سوري) وإسماعيل (مغربي) ومعتصم (أردني) يتبادلون أطراف الحديث، يقطعه لحظات صمت ونظرات سارحة في خيطان الدخان المتصاعد من الحاوية.

جميعهم قضوا سنوات على طرق الهجرة. عاصم غادر العراق قبل ثلاث سنوات، مر بتركيا واليونان وألبانيا وصربيا، تعرض للكثير من الصعوبات، "سرقت أموالي وصودرت مقتنياتي الشخصية على حدود البلدان التي كنت أقصدها. في اليونان سجنت في مركز استقبال، لم يستمعوا لقصتي، رفض طلب لجوئي ثلاث مرات. من المستحيل أن أعود للعراق، فحياتي هناك مهددة. الحل الوحيد أمامي كان إكمال الطريق والآن أنا هنا".

للمزيد>>> إخلاء مخيم لمهاجرين شمال باريس بعد تعرضه لعدة اعتداءات من مهاجمين مجهولين

إلى جانب تلك المجموعة، عدد من الشبان الأفغان يحيطون بمتطوعة فرنسية، مهمتها الإشراف على أنشطة نفس-اجتماعية للترويح عن المهاجرين وإعطائهم فسحة معنوية بعيدا عن الظروف المأساوية التي يعيشونها.

الظروف المعيشية في المخيم مأساوية، مع انتشار عشرات الخيام التي تستقبل مئات المهاجرين. مهاجر نيوز
الظروف المعيشية في المخيم مأساوية، مع انتشار عشرات الخيام التي تستقبل مئات المهاجرين. مهاجر نيوز


نيكولا لورو، أحد المتطوعين في مجموعة "بانتين سوليدير"، قال لمهاجر نيوز إن أوائل الوافدين إلى ذلك المخيم وصلوا في كانون الثاني\يناير الماضي، "حينها لم يكن هنا سوى ست خيام، أما اليوم لدينا أكثر من 200".

"أتصل يوميا على الرقم 115 دون جدوى"

عشرات الخيام انتشرت في تلك الأرض التي كانت مخصصة في الماضي كمساحة ألعاب لأطفال الحي، منها ما هو متلاصق وأخرى تنزوي وحيدة محاذية لسياج حديدي. في المنتصف التجمع الأكبر، خيام فوق خيام، لا مجال للسير بينها، هناك كانت عائلة عبدالله، المهاجر المغربي المتواجد في فرنسا منذ حوالي ثلاث سنوات.

عبدالله ومريم، زوجان مغربيان آثرا الهجرة من بلادهما مع ابنهما البالغ حاليا 17 عاما وابنتهما التي تبلغ من العمر 15. بجانب خيمة العائلة عربة أطفال، هي لابنتهما ملاك البالغة من العمر عامين والمولودة في فرنسا.

للمزيد>>> 14 تعبيرا مختصرا على المهاجرين الوافدين إلى فرنسا معرفتها

بالنسبة لعبدالله، لم يكن أمامه من خيار سوى الهجرة، "المستقبل معدوم بالنسبة لنا هناك. أريد لأطفالي غدا أفضل. أعلم أن الوضع الحالي ليس مثاليا، لكننا سنصبر إلى أن نتمكن من الحصول على بطاقات الإقامة الشرعية". في المغرب، كان عبدالله يعمل في قطاع البناء، "أردت العمل بنفس المجال هنا، لكن الأمر مستحيل. فبدون أوراق لا بمكن إيجاد عمل". حاول رب الأسرة العثور على مكان لإيواء عائلته لكن دون جدوى "أتصل على الرقم 115 كل يوم، لا يوجد مكان على الإطلاق. في كل مرة يطلبون مني معاودة الاتصال لاحقا".

ولدان يتابعان دراستهما

يعقد الوالدان آمالهما على طفليهما. فهما يتابعان دراستهما في ثانوية بعيدة نسبيا عن موقع المخيم. تقول ابنتهما المراهقة " لا أحب المكان هنا. أفضل أن أذهب إلى المدرسة وأن أكون في الفصل مع أصدقائي. لا أطيق الانتظار حتى أعود إلى المدرسة".

من مخيم بانتين. مهاجر نيوز
من مخيم بانتين. مهاجر نيوز


شارفت الساعة على الثامنة مساء، لم يعد ابنه الأكبر بعد. لم يبد عبدالله قلقا من هذه الناحية، "هو يمضي وقته مع أصدقائه في مكان آخر. يمكنه هناك شحن جهاز الكمبيوتر الخاص به لأداء واجباته المدرسية. هذا مستحيل هنا. الأجواء في المخيم كارثية بالنسبة للأطفال".

لم تتقدم العائلة بطلبات لجوء، فهم لا يريدون أن يحرموا من حرية الحركة والعودة إلى المغرب إذا ما أرادوا ذلك. بالنسبة للوالد، مازال أمامه عامان قبل أن يتمكن من التقدم بطلب للإقامة الشرعية في فرنسا، "هذا ما أكده لي المحامي. لا أريد طلب اللجوء، فإمكانية حصولي على الإقامة الشرعية أفضل". يتحدث عبدالله ويبدو واثقا من كلامه، قبل أن تستيقظ ملاك من النوم وتحضر أختها الكبرى لتهتم بها.

للمزيد>>> باريس: خدمة إلكترونية عبر "واتساب" لإرشاد وتوجيه المهاجرين

العائلة تعيش على المساعدات التي تأتي بها المنظمات الإنسانية، فضلا عن تبرعات تصلها من امرأة مغربية تقطن في الحي المجاور للمخيم.

سنوات على طريق الهجرة

في المقلب الآخر للمخيم وفي زاوية صغيرة، توزعت عدة عائلات إيرانية وأفغانية الخيام. في ذلك الطرف الذي تغزوه الأعشاب ورائحة الرطوبة، تجلس كريمة (47 عاما) على باب خيمتها والحزن يعلو محياها. الأم الأفغانية وصلت مع ابنها (17 عاما) إلى فرنسا قبل نحو أربع سنوات. تعاني الممرضة السابقة، التي اضطرت للهرب من بلادها بعد تعرضها للاغتصاب على يد مدير المستشفى الذي كانت تعمل فيه، من إصابة في ركبتها اليسرى نتيجة وقوعها أثناء رحلتها من أفغانستان باتجاه إيران. "حاولت معالجتها لكني فشلت، فهي تحتاج للراحة وهذه ميزة لا أملكها الآن".

من مخيم بانتين. مهاجر نيوز
من مخيم بانتين. مهاجر نيوز


إصابتها الجسدية لم تخف إصابة معنوية أكبر وأخطر، فهي حتى الآن لم تتمكن من تخطي تبعات الاغتصاب الذي تعرضت له. تتحدث والدموع تنهمر على خديها "في ذلك الوقت أرادت تقديم شكوى. لكن لمدير المستشفى علاقات وثيقة بالسلطات في حينه. شعرت بالخوف بسبب تهديداته لي فقررت الهرب مع أحد أبنائي".

رحلة طويلة وشاقة وصلت بنهايتها كريمة إلى السويد حيث تقدمت بطلب لجوء. بعد ثلاث سنوات جاءها رفض. "لا أريد أن أرجع إلى أفغانستان، خاصة الآن، الحل الوحيد أمامي كان البحث عن بلد آخر، فكانت فرنسا".

في فرنسا رفض طلبها أيضا، والآن هي بمرحلة الاستئناف، وأجرت مقابلة مع المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية (OFPRA) قبل شهرين.

سنوات الهجرة الطويلة أرهقت كريمة، وتركت ندوبا عميقة في صحتها النفسية، "لا أنام في الليل، الغضب يتملكني. تنتابني نوبات عصبية من حين لآخر. ابني تحمل الكثير مني ومعي، يقول لي دوما إنه يعلم أنني مريضة وأنه لن يفارقني".

 

للمزيد