علاء الدين، صديق الشاب حسن الذي أقدم على الانتحار في مدينة كاليه الأربعاء. الصورة: مهاجرنيوز
علاء الدين، صديق الشاب حسن الذي أقدم على الانتحار في مدينة كاليه الأربعاء. الصورة: مهاجرنيوز

أول أمس الأربعاء، شهدت مدينة كاليه شمال فرنسا مأساة جديدة، كان ضحيتها مهاجر قرر إنهاء حياته بعدما سيطر اليأس عليه، في ظل الظروف المعيشية المتردية والأجواء المتوترة بعد الإعلان عن اتفاق رواندا والمملكة المتحدة. علاء الدين وإبراهيم يرويان لمهاجرنيوز يوم وقوع الحادثة والمشاعر التي باتت تسيطر عليهما منذ فقدانهما صديقهما.

"لا أصدق كيف أقدم حسن على الانتحار. لا أستطيع استيعاب ما حدث، يا له من خبر مؤسف"، يقول الشاب السوداني علاء الدين الذي فقد صديقه حسن أول أمس، الأربعاء 11 أيار/مايو.

منذ أقل من شهر كان يقف الشاب السوداني علاء الدين مع فريق مهاجرنيوز وسط أرض ترابية نصب عليها عشرات المهاجرين خيامهم. وأثناء حديثه عن واقع عيشهم اليومي المضني، أشار بيده إلى مكان يبعد مئات الأمتار حيث تخفف الشاحنات التجارية من سرعتها، فيغتنم المهاجرون الفرصة للقفز والاختباء في تلك المركبات المتوجهة إلى المملكة المتحدة. لكن المكان الذي كان يمثّل فرصة لحياة جديدة ومستقبل أفضل، شهد أول أمس فاجعة الانتحار. إذ عثر مهاجرون على حسن جثة هامدة معلقة في مقطورة شاحنة فارغة متوقفة.

هرعت إلى المكان لأجد حسن جثة هامدة

المتوفى حسن، وصديقاه اللذان لا يزالان تحت وقع الصدمة علاء الدين وإبراهيم، كانوا يعيشون في المخيم نفسه الذي يطلق عليه اسم "أولد ليدل"، وهو يقع في نهاية أرض ترابية تنغرس فيها الأقدام بسهولة عند السير، تتوزع عليها عشرات الخيم القماشية التي تتوسطها بعض الأواني الفارغة وكومة من العلب المعدنية المحترقة وقطع أخشاب يشعلها المهاجرون من أجل طهي طعامهم.

يروي إبراهيم عن اليوم الذي وقعت فيه الحادثة قائلا، "كنت جالسا في المخيم حين سمعت أصوات الشباب تتعالى وأجواء الريبة والرعب تحتل المكان، فيما يقولون إن هناك جثة لشاب داخل شاحنة. اكتشفها الشباب عن طريق الصدفة، فالتقطوا صورة وعادوا إلينا ليخبرونا. رأيت الصورة وهرعت إلى مكان الحادث برفقة حوالي 30 شخصا. اقتربت من الشاحنة ووجدت حسن فاقدا الحياة. لا أستطيع وصف الشعور. مشهد مريع".

علاء الدين، شاب سوداني متحدر من مدينة كسلا ويحاول العبور إلى بريطانيا عبر الشاحنات. الصورة: مهاجرنيوز /دانا البوز
علاء الدين، شاب سوداني متحدر من مدينة كسلا ويحاول العبور إلى بريطانيا عبر الشاحنات. الصورة: مهاجرنيوز /دانا البوز


أتت الشرطة الفرنسية على الفور، فيما "بعضنا كان يصرخ والآخر كان يبكي. لا أعرف ماذا أقول لكم سوى كونه خبر مؤسف جدا وصادم بالنسبة لي".

للمزيد>>> مهاجرون بين الشكوك والانتظار في كاليه.. "لا أعرف أين تقع رواندا"

اليأس

لم يكن علاء الدين حاضرا في كاليه يوم نفّذ حسن قرار انتحاره، "لم أصدق عندما سمعت الخبر. اتصلت بثلاثة أشخاص مختلفين كي أتأكد من صحة الخبر، ورغم ذلك لا أستطيع استيعاب ذلك".

يقول كلا الشابين إن الشاب حسن يبلغ عمره 27 عاما ويتحدر من ولاية الخرطوم (فيما قال المدعي العام أمس أن الشاب أريتري الأصل) ، "وصل إلى أوروبا في العام 2015، وحاول طلب اللجوء في ألمانيا وفرنسا وسويسرا، لكنه تلقى رفضا من الدول الثلاثة، وكان يرى في بريطانيا الأمل الوحيد، لكن يبدو أنه فقد الأمل في نهاية الأمر وشنق نفسه".

يضيف علاء الدين البالغ من العمر 25 عاما، خلال حديثه الهاتفي مع مهاجرنيوز بصوت مخنوق، "مضى على وجود حسن في كاليه شهرين تقريبا، وكان شخصا قليل الكلام لا يختلط بالآخرين كثيرا، لكنه كان يقول باستمرار إن بريطانيا تمثل فرصته الأخيرة. لربما الأخبار حول نية المملكة المتحدة إرسالنا إلى رواندا زادت من يأسه".

وكانت المملكة المتحدة، أعلنت في 14 نيسان/أبريل الماضي، التوقيع على اتفاقية تنوي بموجبها إرسال طالبي اللجوء إلى رواندا، الدولة الواقعة في شرق أفريقيا.

قبل وقوع حادثة الانتحار بيومين، بدأ اليأس بالتسلل أيضا إلى قلب علاء الدين، "لم أعد واثقا من أن الذهاب إلى بريطانيا في ظل الاتفاق مع رواندا هو أمر جيد، لذلك قررت الذهاب عند أصدقائي في باريس لمعرفة تفاصيل أكثر عن تقديم طلب اللجوء في فرنسا. لكن خلال حديثي معهم تأكدت شكوكي. من الصعب جدا أن نحصل على حق اللجوء هنا بسبب اتفاقية دبلن لأنه لدينا بصمات مسجلة في إيطاليا. لا أعرف ما الذي سأفعله لكن من المؤكد أن العودة إلى السودان ليست خيارا. والحياة في كاليه تزداد سوءا".

البحث عن عائلة حسن

يقول إبراهيم إن "حسن كان متعبا للغاية، كان يقول سأعود إلى السودان في دلالة على يأسه من محاولات العبور إلى بريطانيا".

يحاول علاء الدين وإبراهيم ومجموعة من السودانيين البحث عن عائلة حسن عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي لإعلامهم بما حدث، "نشرنا صورا له على مجموعات خاصة بالسودانيين على فيسبوك، علّنا نجد من يعرف أحدا من أقربائه".

أضاف علاء الدين الذي أمضى حوالي عام في كاليه متأسفا، "تضيع سنوات من عمر الشباب في أوروبا باحثين فقط عن فرصة للعيش بسلام".

مأساة مستمرة في كاليه

"الصبر مفتاح الفرج" بالنسبة لإبراهيم، "يتكلم الشباب في المخيم عما حدث بحزن وخيبة، لكنني لن أفقد الأمل، فلا يسعني سوى التحلي بالصبر وتكرار المحاولة للذهاب إلى بريطانيا. لست خائفا".

"قلبي تحجّر. ومأساة حسن ليست الأولى التي أشهد عليها، فأنا منذ وصولي إلى كاليه قبل حوالي ثلاثة أشهر رأيت جثتين. فأنا شهدت كيف دهس القطار صديقي في 28 شباط/فبراير الماضي. تاريخ بقي محفورا في ذاكرتي". ففي ذلك اليوم لقي شاب سوداني مصرعه بعدما صدمه قطار على سكة حديد تربط بين مدينتي دانكيرك وكاليه.

حاليا، يعيش حوالي 1500 مهاجر في مخيمات كاليه على أمل الوصول إلى الضفة الأخرى. الظروف المعيشية صعبة للغاية والسلطات الفرنسية مستمرة بانتهاج سياسة تفكيك المخيمات كل 36 أو 48 ساعة، بحسب الجمعيات. وكانت آخر عملية تفكيك صباح اليوم الجمعة 13 أيار/مايو، وقالت المحافظة إنها نقلت نحو 350 مهاجرا من مخيمات كاليه، إلى مراكز إيواء.


نددت الجمعيات بالعملية الأخيرة، "يمكن للأشخاص المنفيين الاختيار بين الترحيل أو ركوب الحافلة إلى وجهة غير معروفة... غير قادرين على استعادة خيامهم وممتلكاتهم التي تم الاستيلاء عليها أمام أعينهم".

وأكدت جمعية "يوتوبيا 56" لمهاجرنيوز أن الشرطة فكّكت، صباح اليوم، مخيم "أولد ليدل" الذي كان يقيم فيه الشباب السودانيون.

في نيسان/أبريل وحده، سجلت منظمة "مراقبة حقوق الإنسان" 127 عملية إخلاء من أماكن المعيشة غير الرسمية في كاليه ومصادرة ما لا يقل عن 219 خيمة وقماش مشمع. وبحسب الجمعيات، فإن هذه الظروف المعيشية تؤدي إلى تدهور كبير في الصحة النفسية للمهاجرين.

 

للمزيد