أرشيف
أرشيف

لا تبدو الحكومة البريطانية مستعدة للتنازل أمام سيل الانتقادات الذي تعرضت له بسبب الاتفاق المثير للجدل مع رواندا. ففضلا عن اتهام المعارضة للحكومة باستخدام ذلك الاتفاق للتغطية على جملة من الإخفاقات السياسية، وإدانة المنظمات الإنسانية لذلك الاتفاق كونه مخالفا للنظم القانونية الداخلية، ترتفع أصوات المهاجرين وطالبي اللجوء أنفسهم رفضا لإرسالهم آلاف الكيلومترات بعيدا عن بريطانيا.

الحكومة البريطانية، بواسطة وزيرة داخليتها بريتي باتيل، أرسلت إشعارات لنحو 100 مهاجر تفيد بأنه سيتم ترحيلهم إلى رواندا. باتيل عادت وأعلنت أمس الأربعاء الأول من حزيران/يونيو أن هؤلاء سيتم ترحيلهم يوم 14 حزيران/يونيو.

التصميم الذي تعتمده حكومة المملكة المتحدة حيال تطبيق الاتفاق، يقابله تصميم من المهاجرين وطالبي اللجوء أنفسهم على عدم تطبيقه، حتى لو كلفهم ذلك حياتهم.

للمزيد>>> بريطانيا تسعى لتنظيم عمليات ترحيل إلى كردستان العراق

جمعيات ومنظمات إنسانية بريطانية وثقت عددا من حالات محاولات الانتحار، خاصة في صفوف المهاجرين الذين تلقوا إخطارات الترحيل إلى رواندا. الحالات جاءت متنوعة ومتفاوتة الخطورة بين محاولات فعلية وتفكير بمحاولة الانتحار.

"متواجد في بريطانيا منذ سنوات"

أحد تلك الحالات مهاجر أفغاني يبلغ من العمر 32 عاما، وصل إلى بريطانيا في 2008 وكان لايزال طفلا. المهاجر تلقى إخطارا بالترحيل إلى رواندا، بعد كل تلك السنوات التي قضاها في المملكة المتحدة.

في حديث لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية، قال المهاجر إنه "يفضل الموت" على الذهاب إلى رواندا، و"هذا ليس الشيء الصحيح الذي يجب القيام به. أريد فقط أن أكون حرا، أريد أن أكون مع عائلتي، أريد أن أكون إنسانا. لدي آمال مثل الآخرين. أريد أن أمتلك حقوقا. لا توجد عمليات ترحيل إلى أفغانستان - لماذا يحتفظون بي هنا؟".

المهاجر المحتجز في مركز خاص مع نحو 100 آخرين تمهيدا لترحيلهم إلى رواندا، رُفض طلب لجوئه عندما بلغ 18 عاما في 2012. سافر حينها إلى فرنسا لطلب اللجوء هناك، لكنه أُعيد إلى بريطانيا بموجب لوائح دبلن.

للمزيد>>> العفو الدولية تعتبر "القيادة الكارثية" لوزيرة الداخلية البريطانية لملف الهجرة السبب الأساسي وراء المماطلة بالبت بطلبات اللجوء

وأورد خلال حديثه مع الصحيفة أن معظم عائلته فرت من أفغانستان بعد سقوط كابول، وتوجهوا إلى أوروبا طلبا للجوء، "أنا هنا منذ سنوات. أريد الاستمتاع بحياتي في المملكة المتحدة".

"سأقتل نفسي قبل أن يتم ترحيلي"

حالة أخرى تم تسجيلها لطالب لجوء يمني يبلغ من العمر 40 عاما، قام بتصوير مقطع فيديو وجهه إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ووزيرة الداخلية بريتي باتيل، قال فيه إنه بعد وصوله إلى المملكة المتحدة في 13 نيسان/أبريل الماضي واكتشاف خطة نقل طالبي اللجوء إلى رواندا، "لم يعد أمامي خيار آخر سوى أن أقتل نفسي".

طالبة لجوء إيرانية أقدمت فعلا على الانتحار، لكن تم إنقاذها مباشرة. قالت لإحدى المنظمات الإنسانية إنها اتخذت تلك الخطوة لأنها لم ترد أن يتم ترحيلها إلى رواندا.

مهاجر سوداني قضى ست سنوات في محاولة الوصول إلى بريطانيا، تنتابه مخاوف كبيرة بشأن إرساله إلى رواندا.

وقال المهاجر لوسائل إعلام بريطانية "سأقتل نفسي قبل أن يتم ترحيلي. إذا لم تتمكن المملكة المتحدة كحكومة ودولة من الالتزام بحقوق الإنسان، فمن يمكنه ذلك؟".

خلال حديثه، شرح المهاجر كيف فر من السودان قبل ست سنوات، قضى عامين منها قيد الاحتجاز في ليبيا، حيث قال إنه تعرض للتعذيب، قبل أن يصل إلى كاليه حيث انتظر سبعة أشهر قبل عبور القنال إلى المملكة المتحدة مطلع أيار/مايو الماضي.

وقال إن عائلته في السودان باعت منزلها لدفع المال للمهربين، "طوال ست سنوات، كنت أحاول الوصول إلى هنا لإعادة بناء حياتي".

وأضاف "عند تلقي الأخبار من وزارة الداخلية، وبمجرد أن أدركت أنه سيتم نقلي إلى رواندا، قمت بتدوين وصيتي وطلبت من محامي إرسالها مع خطاب وداع إلى والدتي وزوجتي... سأقتل نفسي قبل أن أذهب إلى رواندا".

ممارسات "تدفع" المهاجرين للانتحار

ناشطون ومنظمات إنسانية أبدوا مخاوفهم بشأن سياسة الهجرة التي تتبعها الحكومة.

كلير موسلي، الرئيسة التنفيذية لجمعية "كير فور كاليه" (Care4Calais) غير الحكومية، قالت لصحيفة "الغارديان" إن احتمال إرسال طالبي اللجوء "قسرا إلى رواندا كان القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لهم".

رئيسة المنظمة الإنسانية أضافت "الهدف من خطة رواندا ردع اللاجئين من خلال إثارة الرعب لديهم من تبعاتها، أكثر من خوفهم من الرحلات عبر القناة. لقد عانى اللاجئون من اضطهاد رهيب فبات الهدف هو ردعهم باستخدام الخوف من المزيد من الأذى والقمع. هذا ليس فعل أمّة متحضرة أو عطوفة. لا عجب أن تصرفات بريتي باتيل تدفع هؤلاء الضحايا إلى الانتحار يأسا".

وكانت موسلي قد صرحت في وقت سابق "تابعنا ستة من هؤلاء الأشخاص (المحتجزين) وقصصهم مفجعة، فهم فروا من أهوال قاسية في بلدانهم الأصلية وعانوا من السخرة والتعذيب والاستغلال في رحلات طويلة للوصول إلى بر الأمان هنا... ومع ذلك هم يواجهون الآن محنة مرعبة تتمثل في ترحيل إضافي إلى بلد لن يشعروا فيه بالأمان أبدا".

للمزيد>>> اتفاق بريطانيا - رواندا تحت المجهر.. نقابات موظفي الإدارات العامة الإنكليزية تطالب الحكومة بمزيد من الإيضاحات

بدورها، قالت إيما جين، من منظمة "العدالة الطبية"، إن "المخاطر التي تتهدد الصحة العقلية (لطالبي اللجوء) من خطط الاحتجاز والترحيل كبيرة. أظهر استطلاع للرأي أن 87% أفادوا بوجود أفكار انتحارية لديهم أو ميول لإيذاء أنفسهم".

تلك المخاوف تجسدت بالفعل بعد إقدام مهاجر سوداني في كاليه على الانتحار يوم 11 أيار/مايو الماضي. أصدقاء للمهاجر أخبروا سابقا مهاجر نيوز أنه بعد الإعلان عن الاتفاق بين بريطانيا ورواندا، قال لهم إنه لم يعد يرغب بالعيش.

للمزيد>>> "بعضنا كان يصرخ والآخر كان يبكي".. انتحار شاب في مدينة كاليه

"حزمة دعم سخية"

متحدث باسم الداخلية البريطانية قال "نتخذ كافة الخطوات للحيلولة دون إيذاء المعنيين لأنفسهم أو الانتحار، لهذا السبب أتحنا لطالبي اللجوء إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية منذ لحظة وصولهم، ولدينا فريق رعاية مخصص في كافة مراكز الاستقبال والاحتجاز... سيتم فحص حالة كل شخص يتم التفكير في نقله إلى رواندا على حدة، ولن يتم إبعاد أي شخص إذا كان ذلك غير آمن أو غير مناسب له".

لكنه عاد وأضاف "ستشهد شراكتنا الجديدة والرائدة عالميا في مجال الهجرة مع رواندا نقل الذين يقومون برحلات خطرة أو غير قانونية أو غير ضرورية إلى المملكة المتحدة. وإذا تم الاعتراف بهم كلاجئين، فسيتم دعمهم لبناء حياة جديدة هناك".

بيان لوزارة الداخلية أوضح أنه "بمجرد الوصول إلى رواندا، هناك حزمة دعم سخية، بما في ذلك ما يصل إلى خمس سنوات من التدريب والإقامة والرعاية الصحية. في إطار هذه الشراكة، تستثمر المملكة المتحدة أيضا مبلغا أوليا قدره 120 مليون جنيه إسترليني (حوالي 140 مليون يورو) في التنمية الاقتصادية والنمو في رواندا".

وصول تسعة آلاف إلى الشواطئ البريطانية منذ مطلع 2022

بحسب صحيفة "الغارديان"، وصل عدد المحتجزين المنوي ترحيلهم إلى رواندا نحو 100، بينهم مجموعة من السودانيين الذين عبروا القناة في التاسع من أيار/مايو الماضي، وألبان وأفغاني واحد على الأقل، وصل في منتصف أيار/مايو على متن زورق.

علاوة على ذلك، ووفقا لوزير العدل دومينيك راب، فإن صفقة لندن وكيغالي لن "تحل مشكلة" الوافدين غير الشرعيين إلى المملكة المتحدة. حيث أورد أنه سيتم إرسال 100 شخص سنويا فقط إلى رواندا، مقابل وصول آلاف إلى شواطئ البلاد.

في عام 2021، عبر 28,500 شخص القناة، ومنذ كانون الثاني/يناير، وصل تسعة آلاف مهاجر إلى الشواطئ البريطانية على متن قوارب. هذا الرقم يوضح مدى فشل تهديدات السلطات البريطانية لردع المزيد من المهاجرين من القدوم عبر المانش. وحسب صحيفة "التلغراف" اليومية، عبر أكثر من 1,250 شخصا المانش في أيار/مايو 2022 وحده.

 

للمزيد