شمس الدين أمام قبر/ خاص
شمس الدين أمام قبر/ خاص

يقوم شمس الدين مرزوق بدفن جثث المهاجرين في مقبرة جرجيس في جنوب شرق تونس، على بعد 540 كلم من العاصمة، والتي يتم العثور عليها في سواحل المنطقة. وهذا في إطار عمل إنساني جعله ينخرط في العمل التطوعي من خلال الهلال الأحمر، ويحاول أن يعيد لهؤلاء "القليل من الاعتبار بعد موتهم".

أضحى العمل الإنساني منذ سنوات جزءا لا يتجزأ من حياة شمس الدين مرزوق. هذا التونسي، البالغ من العمر 51 عاما، الذي يصارع الحياة من أجل لقمة العيش كبحار في بعض الأحيان وسائق تاكسي في أحيان أخرى، لم يكن ممكنا بالنسبة له أن يبقى مكتوف اليدين أمام هول أزمة المهاجرين التي اجتاحت جزءا من بلاده، وما ترتب عنها من مآس.

انخرط شمس الدين في العمل الإنساني التطوعي لفائدة المهاجرين قبل أكثر من 12 عاما بشكل مفاجئ لم يكن يخطط له. وجد نفسه "تلقائيا" في خضم العمل الإنساني، وتحديدا دفن جثث المهاجرين، في أحد الأيام عندما صادف ثلاث جثث لمهاجرين.

دفن في شروط تحترم كرامة المهاجرين

وساهمت أزمة المهاجرين في دفعه إلى الانخراط في العمل التطوعي والانضمام إلى الهلال الأحمر التونسي في منطقة جرجيس. ومن هذا الموقع، بدأ في التعاون مع البلدية وخفر السواحل في انتشال الجثث ودفنها في مقبرة المنطقة.

يدرك شمس الدين الثقل الملقى على عاتق بلده في مثل هذه الظروف الإنسانية الصعبة، ويرى أنه من واجبه تقديم الدعم والمساعدة لها في مواجهة هذه الأزمة التي لا تعني تونس وحدها، وإنما العديد من البلدان المتوسط على ضفتيه الشمالية والجنوبية.

يقوم شمس الدين بنقل جثث موتى المهاجرين على متن سيارة عادية، وهي السيارة الشخصية لمدير الهلال الأحمر الجهوي التي وضعها رهن إشارته. ويسعى من خلال عمله أن يوفر لهؤلاء المهاجرين الذين قضوا في البحر شروط دفن "تحترم الذات البشرية". فهؤلاء المهاجرون "عاشوا العذاب في بلدانهم وخلال رحلاتهم أثناء الهجرة... وعلى الأقل نعطيهم القليل من الاعتبار عند دفنهم، ولا تهم ديانتهم أو انتماءاتهم العرقية أو القطرية".

كانت جثتا أم سورية وطفلتها البالغة من العمر 3 سنوات، التي كانت تحملها فوق بطنها برباط، أقوى مشهد مأساوي صادفه شمس الدين وسط مجموع مشاهد الموت التي واجهته في عمله الإنساني. مشهد "لا ينسى" بالنسبة له، وذكرى من الذكريات الأليمة مع غرق المهاجرين، يتحدث عنها بصوت حزين لمهاجر نيوز.

ويستحضر شمس الدين بصعوبة عدد الجثث التي قام بدفنها في مقبرة جرجيس، ويعود ليتذكر أنه في بداية 2015 دفن 53 جثة للاجئين سوريين غرقوا في المتوسط إثر محاولتهم عبور البحر. وتعود آخر عملية دفن جثث مهاجرين قام بها إلى السابع من الشهر الجاري، حيث وارى التراب امرأتين من مجموع أكثر من 30 جثة دفنها خلال العام الجاري.

وأصبحت مقبرة جرجيس مكتظة بالقبور ولم يعد بإمكانها استيعاب المزيد من الجثث، ما دعا شمس الدين اليوم لطلب المساعدة في إيجاد قطعة أرض تدفن فيها جثث المهاجرين، ويدعو بهذا الخصوص جميع الجهات سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، لمد العون له في تحقيق ذلك. كما أنه في حاجة ماسة إلى سيارة مجهزة لنقل الأموات.  

كوابيس دفن أموات المهاجرين

يخلف العمل التطوعي في دفن أموات المهاجرين الكثير من الآثار المؤلمة في نفسية شمس الدين، يجترها بقدر كبير من الحزن وهو على فراش النوم في بيته. يتساءل وحده "إن كان لصاحب الجثة أبناء، أسرة، والدين...كيف سيكون وضع كل هؤلاء عندما لا يتلقون أي خبر بخصوص مصيره"، بعد أن حكمت عليه ظروف الهجرة بالدفن في "مقبرة المغتربين".

ورغم أنه أب لأسرة خبر مخاطر عبور المتوسط بطريقة غير شرعية، إلا أن هذا لم يمنع "فيروس" الهجرة من التسرب لداخل أسرته، ولم يكن بمقدوره الانتباه لابنه وهو يخطفه منه في غفلة منه. لقد هاجر ابنه وهو في مقتبل العمر إلى فرنسا عبر قوارب الموت، ولم يكن أمامه إلا الاستسلام لأمر الواقع، فيما أبدى خشيته من أن يسلك شقيقه الأصغر نفس المسار.

 

للمزيد