مهاجرون مستمرون في إضرابهم عن الطعام في العاصمة البلجيكية. الصورة: رويترز
مهاجرون مستمرون في إضرابهم عن الطعام في العاصمة البلجيكية. الصورة: رويترز

بعد مرور عام تقريبا على بدء حركتهم الاحتجاجية والإضراب عن الطعام، يهيمن الذعر على قلوب 442 مهاجرا من الذين يطالبون بتسوية أوضاعهم في بلجيكا. إذ لم توافق السلطات إلا على 53 ملفا، في ظل سياسة الهجرة المتشددة التي تنتهجها بروكسل.

منذ أكثر من 12 شهرا، قرر مهاجرون ليست لديهم أوراق إقامة التوجه إلى كنيسة بيغويناغ ومباني في جامعات بروكسل، حيث بدأوا إضرابا عن الطعام لمطالبة السلطات بتسوية أوضاعهم. لكن من بين 442 شخصا، لم توافق السلطات على تسوية أوضاع ما نسبته 12% من الملفات، وفقا لمنظمة "التنسيق والمبادرات للاجئين والأجانب" (CIRÉ) المدافعة عن حقوق المهاجرين.

وكان مكتب الأجانب، المسؤول عن إصدار تصاريح الإقامة، وافق على 53 ملفا، علما أن الملف الواحد ممكن أن يعود لعائلة أو لشخص واحد مع أطفاله، في ظل تدهور الحالة الصحية لهؤلاء الأشخاص.

لكن هذه النتيجة "مخيبة للآمال، وتجعل المضربين عن الطعام أكثر حزنا"، حسبما يقول أحمد منار، الناطق باسم المضربين في الكنيسة.


ويضيف قائلا "الأشخاص غاضبون ويشعرون بالإهانة بسبب تعامل الحكومة معهم والوعود التي لم تف بها". إذ أنه بعد شهرين من بدء الإضراب عن الطعام، والتدهور الشديد في صحة المشاركين فيه، توصل المضربون إلى اتفاق شفهي مع الحكومة يقضي بدراسة جميع ملفات الأشخاص، كل حالة على حدة، ما جعل المهاجرين يأملون بتسوية أوضاعهم بعد سنوات من النضال.

للمزيد>>> بعد تعليق المهاجرين الإضراب عن الطعام في بروكسل.. ترقب حذر وأجساد متعبة في ظل تمسك السلطات بموقفها

"خبازون وعاملون في الكهرباء والحياكة"

لكن الآمال خابت والحزن بات يسيطر على المضربين والجمعيات على حد سواء، لا سيما وأن جميع الأشخاص قدموا الحجج نفسها. مثلا وافقت الدولة على ملفات تخص آباء عازبين لديهم أطفال، فيما رفضت آخرين لديهم ظروف مماثلة، حسبما أوضحت الناشطة في منظمة "CIRÉ" صوفي ديفيلي.

وتعتبر الجمعيات ذلك الوضع أنه نتج عن إجراءات "غير شفافة" و"تعسفية" اتخذتها السلطات بحق المهاجرين. كما أنه "من بين المستبعدين من التسوية، هناك طلاب سابقون أمضوا سنوات عدة مقيمين بشكل قانوني في بلجيكا، وأشخاص تعيش أسرهم بأكملها هنا بشكل قانوني منذ زمن طويل [...]، إضافة إلى خبازين وطهاة وكهربائيين وممرضات وعاملات في الحياكة... يعيشون جميعهم هنا"، حسب بيان صحفي صادر عن المنظمة غير الحكومية.

رغم أن المتحدث باسم مكتب الهجرة دومينيك إرنولد اعتبر هذه المعايير أنها تعزز الملفات من أجل الحصول على "استجابة إيجابية"، إلا أنه يوضح أن القانون في بلجيكا "لا يحدد معايير من أجل الحصول على تصريح إقامة. بل يكون القرار يعتمد على عناصر متوازنة، كأنها مزيج من الحجج التي تؤثر على نتيجة الطلب، بشكل أو بآخر".

"كل الأشخاص المعنيين قدموا دليلاً على ‘تجذرهم’ في المجتمع البلجيكي"، كما يوضح أحمد منار، مضيفا أن المهاجرين استندوا إلى المبادئ التوجيهية التي وضعتها الحكومة في تموز/يوليو من خلال عملهم وانخراطهم في الاقتصاد. لكن الشهادات والسنوات التي مرت، والعمل... كل هذا لم يكن له أثر كبير في النهاية". 

الشاب الجزائري ديرا البالغ من العمر 30 عاما والذي كان لا يزال نائما في كنيسة بيغويناغ بعد ستة أشهر من الإضراب، لم يتلق ردا من السلطات. وفي كانون الأول/ديسمبر، أكد لمهاجرنيوز أنه كان يعمل باستمرار منذ وصوله إلى بلجيكا في عام 2015، إذ كان يقوم بمهام في البناء والمعجنات على مدار السنة. "أعرف كيف أصنع كل الكعك المباع في المخابز وحتى الكرواسان".

للمزيد>>> بعد أن تأكدت من رفض تسوية أوضاعها القانونية.. مهاجرة مغربية في بروكسل تعلن إضرابها عن الطعام

نزهة، مغربية تبلغ من العمر 52 عاما وصلت إلى بروكسل في عام 2009، عملت أيضا بشكل مستمر، وقالت إنها تعلمت اللغتين الفرنسية والهولندية وتشارك في العديد من الجمعيات المحلية. في تشرين الأول/أكتوبر 2021، تلقى محامي هذه الأم نسخة من ملفها المقدم إلى الإدارة، حيث ألغيت "إقامتها المؤقتة" وبات طلبها للحصول على أوراق مرفوضا.

نزهة (52 عاما)، مهاجرة مغربية أضربت عن الطعام في محاولة لتسوية أوضاعها. الحقوق محفوظة.
نزهة (52 عاما)، مهاجرة مغربية أضربت عن الطعام في محاولة لتسوية أوضاعها. الحقوق محفوظة.


يوضح المتحدث الرسمي باسم مكتب الهجرة دومينيك إرنولد قائلا "نحن نميل دائما إلى المقارنة، لكن كل ملف فريد من نوعه. إن حالات المضربين، مقارنة بحالات المهاجرين غير الموثقين الأخرى التي نتلقاها على مدار العام، منخفضة ". وشمل بعضها على سبيل المثال، العناصر التي اعتبرتها الإدارة" سلبية". وهي ارتكاب جرائم مثل السرقة أو تهريب المخدرات، كما أن "العمل غير المعلن عنه هو أيضا نقطة سيئة".

علما أنه لا يمكن للمهاجرين، الذين ليست لديهم أوراق إقامة، العمل بشكل قانوني. ما يجعل هذا التناقض يعرضهم للخطر ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال في العمل وقد يأخذون أجورا زهيدة غير عادلة.

سياسة استقبال مقيّدة بشكل متزايد

رافق الطلبات الـ423 المرفوضة إصدار السلطات بشكل تلقائي قرارات تلزم الأشخاص بمغادرة الأراضي البلجيكية. ودعتهم السلطات للقاء "مدرب ICAM" المسؤول عن إطلاعهم على "آفاق مستقبل مستدام في بلدهم الأصلي". حيث تم إنشاء النظام في تموز/يوليو 2021 من قبل الحكومة. يوضح دومينيك إرنولد قائلا "عندما لا يكون هناك أي احتمال في بلجيكا لهؤلاء الأشخاص، نحاول إيجاد حل مستدام، عبر تشجيعهم على العودة" إلى بلدهم.

تستنكر من جانبها صوفي ديفيلي دفع الأشخاص إلى العودة لبلدهم، وتقول "التحدث إلى المضربين حول العودة إلى بلادهم أمر مثير للسخرية بشكل لا يصدق". إذ إن معظم الأشخاص أمضوا جزءا كبيرا من حياتهم في بلجيكا ولم يغادروا بلدهم باختيارهم. وبهذا القرار، تنكر السلطات وجود هؤلاء الأشخاص. إنه لأمر مدهش. لكن لسوء الحظ، كل ذلك يتماشى مع سياسة الحكومة".

وفقا للناشطة، اتخذت بلجيكا موقفا متشددا للغاية بشأن الهجرة لسنوات عدة، على سبيل المثال من خلال تقييد شروط الحصول على وضع قانوني. وتقول مثلا إن الدولة فرضت زيادة على مقدار الدخل المادي للشخص الذي يريد لم شمل أسرته. كما أن مدة إقامة اللاجئين باتت محدودة وصالحة لخمس سنوات، بعد أن كانت إقامة دائمة غير محدودة المدة سابقا.

في نهاية آذار/مارس، أعلنت الحكومة البلجيكية أيضا عن بناء ثلاثة مراكز مغلقة جديدة، تعادل مراكز الاحتجاز في فرنسا، ومركزا للمغادرة، وبالتالي إنشاء 500 مكان إضافي. وقال وزير الدولة لشؤون الهجرة سامي مهدي "هذا القرار التاريخي يمثل نقطة تحول حقيقية. نحن نزيد من القدرة على إعادة الأشخاص أكثر من أي وقت مضى ويمكن أن نتخذ خطوة عملاقة إلى الأمام في سياسة الدولة". في كل عام، يتلقى ما يقرب من 24 ألف شخص أمرا بمغادرة الأراضي البلجيكية.

احتمال لا يمكن تصوره للمضربين في بروكسل، فإن العودة إلى الجزائر "ببساطة مستحيلة" بالنسبة لديرا. "كوّنت هنا أصدقاء كثيرين، بلجيكيين ومغاربة وأتراك"، كما يقول. في الجزائر "فقدت والدي. ليس لدي من أراه هناك". في تموز/يوليو الماضي، كان رجل جزائري يدعى كريم (43 عاما) مهددا بالترحيل، فحاول الانتحار وابتلع شفرات حلاقة عدة في محاولة يائسة لتحدي موقف الحكومة.

 

للمزيد