عائلة أبو زياد عند الحدود البيلاروسية
عائلة أبو زياد عند الحدود البيلاروسية

يتحدى المُهرّبون عقبات الطبيعة وحواجزَ الأمنِ والبشر. يبتكرون مسارات للتهريب جديدة، يبدّلونها بحسب الظروف. معلوماتهم مُحدّثة دوماً، بدليل "التغييرات" الدائمة بما خص معابر التهريب. بحوزتهم، جديد نقاط الضعف الأمنية في غير مكان... وهنا سرّ نجاحهم غالباً. "مهاجر نيوز" يُحقّق، سائلاً مَنْ عايشوا تجربةَ التهريب، ويستطلع رأي متابعين من قرب للملف.

"مستثمرو المآسي" كثر، لكنّ المغامرين أكثر. "رجا" مغامرٌ أولُ. أبو زياد أيضاً عايش التجربة وعائلته. الأول سيعيد المغامرة، حسبما يقول لـ "مهاجر نيوز"، والثاني ينصح كلَّ مغامرٍ بالتفكير أكثر: "الحياة أغلى من الموت على دروب التهريب".

لا سرّ في الحديث عن "عدّة" التهريب: عملة خضراء مطلوبة أولاً (الدولار)، مراكبُ تفي بالغرض بحراً وحتى بواخر كبرى، وتسرّب إلى طائرات متجهة نحو أوروبا، أو براً بالشاحنات متى اقتضى الأمر. أوروبا هي المقصد. بحرب في أوكرانيا أو بدونها لا يهم... المهم الوصول. هذا المال مقابل ذاك التهريب، وتلك البلاد.

ابن العراق سيُهرّب من لبنان؟!

..."رجا" ابن دهوك في كردستان، سار العام الماضي على درب المجهول. من كردستان إلى المعابر السرّية السورية التركية، فالحدود البيلاروسية. هنا بداية أمل بالعبور إلى بولندا، ومنها إلى ألمانيا. وهنا نهاية حلم. العبور مستحيل. الطقس قارس.... وطويلة هي الانتظارات. يُوصّف الشاب ما عايشه لـ "مهاجر نيوز".

بعدما أنفق ما يقرب من خمسة آلاف دولار، عاد "رجا" إلى مسقط رأسه. هو اليوم، يدخل في عملية حسابية لإنفاقه؛ في باله تكرار التجربة. كل دولار يتطلب عملاً متواصلاً في الحدادة ورشّ السيارات في بلاده. "التجربة تستحق" بنظره...

سمع الشاب الكردي سابقاً عن قصص نجاح على دروب التهريب من لبنان، ويريد اختبارها. لا يكشف لنا مخططاته، لكنه يكتفي بالقول: "سأحاول، ولو تكلفت أكثر. أستدين المال وأنتظر الضوء الأخضر". يتحفّظ رجا على ذكر المسارات. "لا تعنيني مطلقاً -يقولها بعربية ركيكة- لكنني أُرجّح أن أولى المحطات ستكون مطار بيروت (...)". هل أنتَ واثق أن المسار هذا سالك الآن؟ نسأل، ولا نلقى جواباً أكيداً.

لا تغامروا

شهادة ثانية استقيناها من العراق. "أبو زياد"، رب أسرة مكونة من ثمانية أفراد. في الـ 20 من أيلول (سبتمبر) الماضي، غامر بكل ما يملك وعائلته لعبور الحدود البيلاروسية باتجاه بولندا ومنها إلى ألمانيا. مساره شبه مضبوط. بالطائرة من دهوك في كوردستان العراق، إلى إسطنبول، وبعدها بـثلاثة وعشرين يوماً غادرنا من تركيا إلى مطار مينسك، فالحدود البولندية، وهناك بدأت المعاناة.

عَبَرَ الرجلُ وعائلته الأسلاك الشائكة البيلاروسية الى حدود بولندا. ساروا يومين على الأقدام وصولاً إلى نقطة التقاء مع مهربين يستخدوم سيارات أجرة تُقلهم إلى ألمانيا. "لسوء حظنا قبض عليا البوليس البولندي وأعادنا إلى الحدود البيلاروسية. البوليس البيلاروسي دفعنا بقوة مجدداً للعبور إلى بولندا. فقبض علينا البوليس البولندي وأعادنا. تكررت المعاناة مرتين، يخبرنا "أبو زياد". 

9 أيام بلا طعام. "ومع كل مرة كنا نعود خائبين إلى موقدة صغيرة تحمينا بالكاد من درجات الحرارة المنخفضة. إلى أن قررنا قطع المغامرة والعودة إلى بلادنا، مع مشاعر حاسمة بعدم تكرار التجربة. أنفقنا كل ما لدينا من المال بلا نتيجة (...)". 

"عمل أسود"

عراقيون، سوريون، ولبنانيون يغامرون بما يملكون للوصول إلى مقاصدهم الأوروبية. أواخر العام الماضي، هُرّبَ شابان لبنانيان من طرابلس اللبنانية إلى أوروبا. الأول عمره 22 عاماً والثاني 24. مبلغ خمسة آلاف دولار، دفعا نصفه للمهرِّب في لبنان، ونصفه الثاني مع وصولهما، كان كفيلاً بإتمام المهمة.

تفاصيل عملية التهريب أخبرنا بها "عمر"، قريبُ الشابين. الرجل، صاحب متجر صغير في طرابلس (شمال لبنان)، يؤكد لـ "مهاجر نيوز" أن الشابين "الآن في مخيم للاجئين في ألمانيا، يتقاضيان مبلغاً مادياً بسيطاً جداً كحال العديد ممن هم في المخيمات الألمانية ويبحثان عن "عمل أسود بعيداً من عيون الدولة".


عام 2014، سار على درب التهريب أيضاً، الشاب اللبناني "أحمد". كالعديد من الشباب اللبناني والطرابلسي تحديداً، باع ما يملك وغامر نحو ما يصفه بـ"الفردوس الأوروبي". باع سيارته، منزله، استدان مبلغ 26 ألف دولار، اصطحب والديه، شقيقته وأخويه الأصغر منه سناً، ليقطعوا معاً تسع دول، وليعايشوا أسوأ أنواع الذل والمهانة. النوم على الطرقات، العذاب بالتنقلات، النجاة من الغرق بأعجوبة في نهر فاصل بين تركيا واليونان وصولاً أخيراً إلى النمسا بعد تسعة وعشرين يوماً من المآسي. 

"ظروف خاصة" دفعت أحمد للعودة إلى لبنان. هو اليوم يعايش في لبنان يُعايش ما هو أكثر صعوبة من ذي قبل. يُسدد ديوناً بالآلاف تراكمت عليه، ويقول إنه نادم "حدَّ الموت" على عودته، لكن سيعاود التجربة حال إيفاء ديونه. لماذا المخاطرة مجدداً؟ نسأل، فيجيب الشاب الثلاثيني بوضوح: "موت ساعة ولا موت كل ساعة. إذا كان مدخولنا اليومي لا يُساوي ربع ربع ثمن الدواء... فما أفعل؟ أغامر مجدداً بلا تردد (...)". 


"الهجرة مستمرة برغم صعوبات مسارات التهريب"، يقول لـ "مهاجر نيوز" سمان نوح، مدير مركز "نيريج" للصحافة الاستقصائية في كردستان العراق. الرجل خَبِرَ على مدى سنوات مسارات التهريب، بحكم متابعته المهنية الاستقصائية، وبفعل تواجده في منطقة حدودية قريبة جداً من الحدود التركية.

ترأس نوح فريقاً صحفياً، وأعد تحقيقات عدة عن هجرة العراقيين والسوريين إلى أوروبا عبر مسارات التهريب المختلفة. في حواره معنا، يُرجّح أن تكون "صعوبة الطرق عبر تركيا هي السبب الرئيسي المانع لهجرة مجموعات كبيرة الآن. لذلك الهجرة لا تزال ضمن السياق المحدود العادي، وهي أقل نسبياً من العام الماضي، حيث شاهدنا هجرة جماعية باتجاه بيلاروسيا". يضيف سامان نوح قائلاً، إن "معظم من يحاولون الهجرة راهناً يستخدمون الطرق عبر تركيا، إلى اليونان بحراً، والطرق الأخرى براً عبر الغابات إلى بلغاريا ومناطق أخرى، وبالتالي، هذه الطرق المتاحة. وهناك أعداد جيدة تحاول الهجرة ولكن ثمة صعوبة راهناً ومخاطر".

خلال الأيام القليلة الماضية، كان هناك تصاعد في البحث عن مهربين بسبب المشكلة في سنجار قبل أسبوعين، والمتعلقة بالاشتباكات المسجلة والمُتسببة بنزوح ما يقرب من عشرة آلاف مدني من سنجار، حسبما يقول نوح. "هؤلاء أساساً منزعجين من حياتهم -يضيف- وبالتالي، منذ سنوات يبحثون عن فرص للهجرة، وأثناء حصول مثل هذه المشاكل تزداد رغبة الأبناء في المحاولة مجدداً بدلاً من العيش في مناطق غير مستقرة".

هاجروا رغم الصعوبات

كشف سامان نوح لـ "مهاجر نيوز"، عن محاولات مكثفة للهجرة، وخصوصاً لدى الإيزيديين. وبرغم صعوبة الطرق، هاجر ثلاثة شبان من كوردستان، أحدهم سوري كان يقيم في دهوك منذ نحو عشر سنوات. وصل إلى ألمانيا قبل أسبوع من اليوم، واستغرقت هجرته نحو شهر عبر تركيا، وأُلقي القبض عليه، ثلاث مرات -حسبما يؤكد لنا سامان نوح- وكانوا في كل مرة يأخذونه إلى مخيم للسوريين، باعتبار أنه لا يمكن إعادته إلى دهوك وهو في الأساس ليس عراقياً. حاول ثلاث مرات العبور ونجح في الرابعة في الوصول إلى اليونان، وعبرها إلى ألمانيا من دون معرفة التفاصيل"، كما يقول. يتابع متحدثاً عن هجرة "عائلة أيزيدية كاملة قبل أيام قليلة، وهناك محاولات دائمة".

GRODNO REGION via REUTERS | مهاجرون يحاولون الدخول  إلى بولندا من بيلاروسيا
GRODNO REGION via REUTERS | مهاجرون يحاولون الدخول إلى بولندا من بيلاروسيا


يشاركون في مؤتمرات ويختفون؟!

هناك طرق أخرى للهجرة تبدو في الشكل رسمية، عبر دمج العوائل أو سحبها من خلال إقامات العمل، فيرتبون أمورهم للعمل في السويد على سبيل المثال، حسبما يفيدنا مدير مركز "نيريج" للصحافة الاستقصائية في كردستان العراق. الأهم والأبرز، هو وجود "شريحة أخرى ممن يشاركون في ندوات ومؤتمرات في أوروبا ولا يعودون إلى بلادهم. معظم الأيزيديين، ممّن يرون أن وضعهم غير قابل للاستمرار، يحاولون الحصول على هكذا فرص، ومع وصولهم إلى أوروبا للمشاركة في المؤتمرات يختفون، وهذا مفهوم. لذلك نحن مثلاً كمنظمة، نحرص على أن نضع شروطاً وقيوداً على المسافرين للمشاركة لأنه سبق وحصل أن أحد زملائنا وزميلاتنا تخلفوا عن العودة"، يقول نوح.

مسارات سابقة... متوقفة الآن

العام الماضي كانت مسارات التهريب عديدة، وقُسمت إلى مرحلتين. ففي حوار سابق معنا قال الصحافي المُطلع بدقة على ملف الهجرة دلوفان برواري، إن هناك "مرحلة ما قبل مشكلة بيلاروسيا واللاجئين على الحدود مع بولندا ومرحلة ما بعدها. قبل الأزمة على الحدود هذه كانت المسارات كلها تخرج من تركيا. كانت هناك مسارات عدة:

- المسار الأول، يذهب سيراً على الأقدام من تركيا إلى حدود بلغاريا، ومن بلغاريا إلى رومانيا، ومنها إلى باقي بلدان الاتحاد الأوروبي. 

-المسار الثاني كان عن طريق الشاحنات، حيث يتم تحميل المهاجرين، ليتم عبورهم الحدود البلغارية التركية وبعدها إلى رومانيا، ومن رومانيا إلى دول الاتحاد الأوروبي. 

- المسار الثالث، عن طريق بحر ايجه، حيث يتوجه المهاجرون بالزوارق أو من خلال البواخر الكبيرة إلى اليونان ومنها إلى باقي دول الاتحاد الأوروبي. 

جوازات مزورة.. وإقامات بلا بصمات

بعد أزمة الحدود البيلاروسية- البولندية، دأبت دول الاتحاد الأوروبي الحدودية مع تركيا على ضبط حدودها بشكل كامل، ومنعوا أي تسريب يحدث منها. 

العديد من الناس حاولوا اللجوء إلى الطرق القديمة الكلاسيكية هذه، لكن محاولاتهم باءت بالفشل. بالتالي ظهرت طرق جديدة، عبرها يحاول المهاجرون الوصول إلى الإتحاد الأوروبي. 

- الطريقة الأولى: الحصول على جوازات مزورة، ومن خلال التنسيق مع المهربين، يتم تهريبهم من مطار اسطنبول إلى دول الاتحاد الأوروبي. هذه الطريقة مكلفة وغالية جداً، بحيث تزيد على العشرين ألف دولار للشخص الواحد. 

- الطريقة الثانية، أن يتم تسريب المهاجرين من تركيا إلى اليونان من خلال الزوارق على أن يحصلوا في اليونان على الإقامة بأسماء مختلفة دون أن يتم أخذ بصمات أصابعهم، وبهذه الإقامة يتوجهون إلى دول الاتحاد الأوروبي. 

Leonid Scheglov/BelTA/REUTERS | في حين لايزال مئات العراقيين عالقين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، يحزم آخرون حقائبهم للسفر إلى بيلاروسيا!
Leonid Scheglov/BelTA/REUTERS | في حين لايزال مئات العراقيين عالقين على الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، يحزم آخرون حقائبهم للسفر إلى بيلاروسيا!


مطار بيروت

طريقة أخرى ظهرت العام الماضي من لبنان، وهي متوقفة راهناً، حسبما يُرجّح برواري. نهاية العام الماضي، كانت مافيات التهريب توفّر للمهاجرين جوازات يتم من خلالها السفر رسمياً من مطار بيروت إلى دول الإتحاد الأوروبي وتحديداً إلى ألمانيا، هولندا أو النرويج. وبمجرد الوصول إلى النرويج يقومون بتسليم أنفسهم في المطار على أنهم لاجئون. هذه الطريقة أيضا مكلفة، إذ تكلف آلاف الدولارات. 

يعتقد برواري أن الطريقة الأخيرة هذه "كانت سالكة حتى أوائل العام الحالي، بحيث يقوم الشخص بإرسال صورة بالإضافة إلى الإسم إلى مافيات التهريب، ويقوم بتأمين المبالغ التي يجب عليه دفعها، فيطلبون منه الحضور إلى بيروت في تاريخ محدد. ومن خلال التنسيق في مطار بيروت يقومون بتسريبه إلى إحدى الطائرات المتوجهة إلى دول الإتحاد الأوروبي. هذه الطريقة لا يمكن ضمان نجاحها قبل وقت طويل، ولا حتى وجهتها... فهي تُنسق قبل وقت قصير بحسب الطائرات المتواجدة في مطار بيروت(...)". 

 لا طرق للتهريب غير تركيا الآن

لا يستبعد المراقبون أن تكون هناك محاولات تهريب عبر أوكرانيا اليوم، أو أقله محاولة المهربين استغلال حال الحرب للتوجه صوب الاتحاد الأوروبي.

سامان نوح، يتوقّع أنه في حال كانت الطرق سهلة خلال الشهرين المقبلين، فبالتأكيد ستكون هناك محاولات لهجرة جماعات باتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا، "لأن لا طرق أخرى الآن. الطرق الأخرى كلها غير متاحة"، يقول.

 

للمزيد