فاضل الخضر.. لاجئ سوري من مدينة حلب، احترف فن النقش على الخشب منذ طفولته. الصورة: خاصة
فاضل الخضر.. لاجئ سوري من مدينة حلب، احترف فن النقش على الخشب منذ طفولته. الصورة: خاصة

لم يتمكن فاضل الخضر، اللاجئ السوري بألمانيا، من إيجاد فرصة عمل في مجال احترفه منذ صغر سنه، فقرر المحاولة وحيداً للفت الأنظار لموهبته.

 من مدينة حلب السورية ينحدر فاضل الخضر الذي شد أنظار الإعلام الألماني في الآونة الأخيرة، بسبب الإنجاز الذي قام به.

لم يتمم دراسته الثانوية بل اختار الحرفة الفنية التي تشرب عشقها من والده، النقش على الخشب، التحق بركب والده وبدأ بالتعلم على يديه منذ كان سنه 12 عاماً، إلى أن صار سنه 30 سنة لم يغادر محل عمل والده أبدا، حيث تعلم قواعد الحرفة وأتقنها.

غادر فاضل الخضر رفقة أسرته وعائلته حلب مكرهاً بعد بدء الحرب، خلال 2012 نزحوا إلى لبنان، وهناك ظل لما يناهز 3 سنوات، يعمل في مجاله ويؤمن احتياجات الأسرة.

مآسي الهجرة في كتاب مصور لرسام كاريكاتور جزائري

لكن رغبته في تطوير نفسه أكثر جعلته يقرر الهجرة مرة أخرى، وهذه المرة كان ألمانيا الوجهة المقصودة. يقول فاضل "أردت أن أتقدم وأطور من نفسي، تركت عائلتي وأبنائي في تركيا وخضت رحلة محفوفة بالمخاطر، لم أستطع جلب أبنائي معي خوفاً على سلامتهم. عن طريق البحر وصلت إلى اليونان، وبعدها واصلت الطريق عبر دول كثيرة وسجنت عشرة أيام خلال الرحلة، ثم تابعت إلى أن وصلت إلى ألمانيا".

فاضل الخضر أثناء عمله على استكمال مجسم كاتدرائية "دوم" بمدينة كولن. الصورة: خاصة
فاضل الخضر أثناء عمله على استكمال مجسم كاتدرائية "دوم" بمدينة كولن. الصورة: خاصة

كان فراق الأب صعباً على فاضل حسب ما يحكيه، "علاقتي معه تجاوزت علاقة الأب بابنه، لقد كان معلمي والحرفي الذي علمني أساسيات العمل، لم أفارقه أبدا إلا بعد قرار اللجوء إلى ألمانيا". بعد وصوله منتصف سنة 2015، طلب اللجوء وحصل على حق الحماية بعد ستة أشهر في إحدى مدن ألمانيا الشرقية، لكنه قرر السفر إلى مدينة كولن حيث يوجد أصدقائه وبعض أفراد عائلته، وهناك كانت كاتدرائية "دوم" أول ما رأته عيناه بعد مغادرة محطة القطار.

فكرة إبداع من أول نظرة!

"كانت معلمة مثيرة للإعجاب، وكانت أول ما يعلق في ذهني"، لكنه أجل فكرة بدأ العمل عليها إلى حين إنهائه متاهة لم شمل أسرته، فقد كانت مهمة جلب زوجته وخمسة أبناء من تركيا صعبة، وأخذت منه ما يناهز سنتين ليحقق ذلك.

بعد استقراره رفقة أسرته، بدأ العمل في مختلف المجالات التي اقترحها عليه Job Center، مثل العمل في مجال تحميل البضائع وشحنها. لكن فاضل لم يقتنع يوما بقدره. يقول "لم أتمكن من الصمود طويلا في مثل هذه الوظائف، أنا أحب مهنتي وأريد أن أستمر في العطاء ضمن حدودها وأطور نفسي فيها".

المجسم الذي أبدعه اللاجئ السوري بعد عرضه في رواق داخل الكاتدرائية بمدينة كولن.الصورة: خاصة
المجسم الذي أبدعه اللاجئ السوري بعد عرضه في رواق داخل الكاتدرائية بمدينة كولن.الصورة: خاصة

كانت كورونا سبباً في توقف الخضر عن عمله، فقد تم توقيف الكثيرين في بداية انتشار المرض، حينها قرر تحقيق مخططه، وبناء المجسم الخاص بالكاتدرائية الشهيرة. يشدد فاضل على أنه "حاولت كثيراً عرض حرفتي وقدراتي على الكثير من الحرفيين في ألمانيا، دون أن تلاقى اهتماماً، فقررت عدم الاستعانة بأحد وإنجاز شيء خاص اعتمادا على نفسي".

قبل مجسم كاتدرائية "دوم"، كان فاضل قد أبدع لوحة عن المهاجرين واللاجئين نقشها على الخشب، وأثارت اهتمام مديرة متحف التاريخ بمدينة بون المجاورة، وهي الآن معروضة داخل أروقته بعد شرائها من فاضل. بعدها انصب كل اهتمامه وجهده ووقته على إتمام مجسم الكاتدرائية الشهيرة بمدينة كولن، التي استغرق إنجازها خمس سنوات.

عكس البدايات، حين محاولاته إيجاد فرصة للعمل في مجاله بعد اللجوء، أصبح اليوم محط اهتمام الإعلام الألماني الذي سلط الضوء على قصته. يقول الخضر "كان ذلك بالنسبة لي متوقعاً، لكن لحدود الآن، لم أحصل على عرض عمل في مجالي، ولم يتواصل بي أحد، التشجيع الكبير الذي حظيت به كان من إدارة الكنيسة التي قبلت عرض المجسم".

مجسم كاتدرائية "دوم" الخشبي معروض داخل الكنيسة. الصورة: خاصة
مجسم كاتدرائية "دوم" الخشبي معروض داخل الكنيسة. الصورة: خاصة

لن أشتغل في مجال آخر غير حرفتي!

رغم كل الإحباط الذي مر به سابقا وعدم موافقة الكثيرين على تشغيله بسبب لغته الألمانية الضعيفة، يصر فاضل على التشبت بمهنته ويقول "إن لم أحظى بفرصة، سأحاول صناعتها بنفسي، لكني لن أعمل في مجال لا أتقنه، هذا ما أحسن صنعه، لذلك سأبحث لنفسي عن طريق فيما أريده". ويؤكد المتحدث أن الجوب سنتر يقدر هوايته وساعده كثيرا، لكن موظفيه يصرون على تذكيره بضرورة إيجاد فرصة عمل ما، لأجل كسب ماله بنفسه دون الاعتماد كلياً على المساعدات، بينما يرد هو أنه يريد العمل في النحت على الخشب.

وأنهى فاضل حديثه لمهاجر نيوز بالقول "إنجاز مجسم الدوم باعتمادي على نفسي فقط، كان محاولة لرد الجميل لدولة استقبلتني أنا وأسرتي ووفرت لنا الأمن الذي فقدناه، وأيضا رسالة لكل من واجه صعوبات في حياته، ما على الإنسان سوى التشبت بأحلامه وتحقيقها دون الاعتماد على أحد، حينها ستكسب تقدير الجميع".

وذكر المتحدث أن قدومة لألمانيا وقبل ذلك تركيا، كان تحت ضغط وإكراه ظروف الحرب، لكنه ما كان ليترك بلده وحياته ومحل والده وحرفته في ظروف عادية، معبرا عن أمله في أن تعود سوريا لسابق عهدها، ويعود لها السلام والآمان المعتاد فيها.

ماجدة بوعزة

 

للمزيد