خلال 2021 تمكن 1,662 مهاجرا فقط من الاستفادة من برامج إعادة التوطين التي تشرف عليها مفوضية اللاجئين، من أصل 40 ألفا مسجلين. المصدر: المنظمة الدولية للهجرة
خلال 2021 تمكن 1,662 مهاجرا فقط من الاستفادة من برامج إعادة التوطين التي تشرف عليها مفوضية اللاجئين، من أصل 40 ألفا مسجلين. المصدر: المنظمة الدولية للهجرة

أصدرت منظمة "أطباء بلا حدود" تقريرها عن حصيلة أنشطتها في ليبيا، والأوضاع الحالية للمهاجرين وطالبي اللجوء هناك. التقرير الذي جاء بعنوان "خارج ليبيا: فتح ممرات آمنة للمهاجرين الضعفاء العالقين في ليبيا"، تحدث عن واقع ليبيا واستحالة حصول المهاجرين على رعاية شاملة ودائمة نتيجة الأوضاع الأمنية المضطربة، فضلا عن انعدام وجود آليات قانونية لحمايتهم هناك. المنظمة أوردت في تقريرها توصيات لكافة الهيئات والمنظمات المعنية بشأن آليات تطوير عملية حماية المهاجرين هناك.

نشرت منظمة "أطباء بلا حدود" تقريرا مفصلا حول عملها في ليبيا، ونظرتها للأوضاع العامة هناك، خاصة تلك المتعلقة بالمهاجرين وظروف معيشتهم.

التقرير جال على المصاعب التي اعتلت جهود المنظمة الدولية في ليبيا، وعلى رأسها استحالة حماية المهاجرين أو ضمان استمرارية رعايتهم الجسدية والنفسية وإعادة تأهيل ضحايا التعذيب.

التقرير أكد على أن الفرق التابعة للمنظمة غالبا ما تواجه مهاجرين ضحايا، "معرضين لخطر الوقوع ضحايا لشبكات الإتجار والتعذيب والاعتداء الجنسي والابتزاز والعنف بشكل عام. مع عدم وجود خيارات آمنة داخل ليبيا، لا يمكن للمهاجرين واللاجئين تحقيق السلامة والأمن إلا بمغادرة ليبيا".

للمزيد>>> انتحار سوداني في مركز احتجاز عين زارة يؤجّج المطالب بضرورة إيجاد حلول إنسانية للمهاجرين في ليبيا

إضافة إلى تجربتها، قدمت "أطباء بلا حدود" رؤيتها لمحاولة معالجة التحديات الرئيسية التي تواجه تلك الفئة، والمتمثلة بعدم رغبة "الدول الثالثة" تقديم الحماية لهم (إعادة التوطين)، وعجز وكالات الأمم المتحدة أمام ذلك الواقع. وتنظم مفوضية اللاجئين رحلات عمليات إعادة التوطين في دول أوروبية وكندا، في حين تنظم المنظمة الدولية للهجرة ما يسمى برحلات "العودة الطوعية" إلى بلد المنشأ.

"ليبيا ليست دولة آمنة"

تلك البرامج مفيدة لأنها تساهم بحل مشكلة المهاجرين في ليبيا نظريا، لكن في الواقع الوصول إليها صعب للغاية. هذا ما نددت به "أطباء بلا حدود" في تقريرها، مستنكرة "ضعف" آليات الحماية هذه، وطبيعتها الانتقائية. بالإجمال، تستهدف تلك البرامج تسع جنسيات فقط، وعلى من تنطبق عليهم الشروط أن يتواجدوا في طرابلس بشكل دائم.

في عام 2021، "تمكن 1,662 شخصا فقط من مغادرة ليبيا عبر آليات إعادة التوطين التابعة للمفوضية، من بين حوالي 40 ألفا مسجلين"، كما تقول منظمة "أطباء بلا حدود".


جمال زموم، نائب رئيس بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، أوضح قائلا "لم توقع ليبيا على اتفاقية جنيف، وتعتبر اللاجئين على أراضيها مهاجرين غير شرعيين. ولهذا السبب لا يسمح لنا بتضمين برامجنا أكثر من تسع جنسيات باعتبارها الأضعف".

ليبيا تعتبر وجود المهاجرين على أراضيها غير قانوني

بحلول تشرين الثاني/نوفمبر 2021، كان يتواجد في ليبيا نحو 600 ألف مهاجر من أكثر من 44 جنسية مختلفة. غالبية هؤلاء يأتون للعمل، ويقيمون في ليبيا لعدة سنوات. ينظر لهذه الفئة على أنها القوة العاملة (عمال بناء، عمال زراعيون...) التي يعتمد عليها الاقتصاد الليبي بشكل كبير.

أقلية من المهاجرين كانت تحاول الوصول إلى أوروبا بحثا عن الأمان والظروف المعيشية الأفضل. لكن منذ 2011، حاول عدد متزايد منهم عبور المتوسط لأوروبا لسببين رئيسيين: الأول هو الحرب الدائرة في ليبيا وتدهور الوضع الأمني، والثاني التكلفة الباهظة للبقاء في ليبيا كمهاجرين، سواء لناحية التنقل في البلاد أو الخطر للتعرض للاعتقال والابتزاز من أجل دفع الأموال مقابل إطلاق سراحهم.

للمزيد>>> سجن "المايا" غرب طرابلس.. آلاف ينتظرون من ينظر بحالهم بينهم نساء وأطفال

التقرير أكد على أن ليبيا ليست دولة آمنة، وهي منطقة خطيرة للمهاجرين. فإلى جانب المصاعب اليومية، يعتبر وجود معظمهم هناك غير قانوني، وهذا وفق القانون الليبي الذي يعرضهم للمساءلة القانونية. ومع غياب حماية قانونية رسمية، يتعرض المهاجرون للاستغلال والاحتجاز التعسفي...

مهاجر نيوز كان قد نشر عددا من التقارير والشهادات التي توثق الفظائع التي يتعرض لها المهاجرون في ليبيا، سواء لناحية الاحتجاز أو التعذيب أو الاغتصاب، وحتى على مستوى الاستعباد.

كما جال التقرير على سلسلة من الأحداث الرئيسية التي عصفت بليبيا، منذ اندلاع الثورة، ودور "أطباء بلا حدود" خلال كل تلك الفترة. التقرير ألمح إلى غياب شبه تام لدور الدولة، خاصة فيما يتعلق بتنظيم عمل المجموعات المسلحة التي عملت تحت مسميات توحي بأنها رسمية، سواء خلال عهد حكومة الوفاق أو حكومة الوحدة الوطنية.

هذا يجعل من ليبيا مكانا غير آمن، خاصة للمهاجرين وطالبي اللجوء المقيمين فيها أو العابرين من خلالها، تحديدا أولئك القادمين من دول جنوب الصحراء.

كما تطرق التقرير إلى حملة الاعتقالات التي شنتها الحكومة الليبية في تشرين الأول/أكتوبر 2021 في طرابلس، والتي أسفر عنها اعتقال نحو خمسة آلاف مهاجر، تم توزيعهم على مراكز احتجاز تعاني أصلا من الاكتظاظ. تلك العملية لم تنته إلا بسقوط ضحايا، بعد أن أطلق حراس مركز المباني النار على مجموعة من المهاجرين، احتجت على ظروف الاحتجاز وحاولت الهرب من المركز، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

"الخيارات القانونية للمهاجرين محدودة"

يركز التقرير على أن هشاشة وضعية المهاجرين في ليبيا تعود أساسا إلى "عدم الاستقرار والنزاع المسلح المتكرر... مجموعات الميليشيات المختلفة بعضها يعمل كقوة إنفاذ قانون بحكم الواقع، يقومون بشكل مباشر في احتجاز المهاجرين، بالإضافة إلى إدارة شبكات تهريب البشر أو الإتجار سواء داخل مراكز الاحتجاز ‘الرسمية‘ أو خارجها".

للمزيد>>> لجنة تقصي حقائق أممية: وضع المهاجرين في ليبيا "مريع جدا جدا"

وأورد أن "الخيارات الآمنة والقانونية للمهاجرين الذين يرغبون في مغادرة ليبيا محدودة"، سواء بالنسبة للعمال المهاجرين العائدين إلى بلدانهم المجاورة، أو الذين سيحاولون عبور المتوسط باتجاه أوروبا. في كلتا الحالتين، يواجه المهاجرون مخاطر مماثلة. بالنسبة للذين يحاولون عبور البحر، هناك احتمال كبير أن يتم اللحاق بهم من قبل "خفر السواحل الليبي المدعوم من الاتحاد الأوروبي"، حيث سيتم اعتراضهم وإعادتهم إلى ليبيا. لذا، يشكل برنامج العودة الطوعية، الذي تشرف عليه المنظمة الدولية للهجرة، الخيار الوحيد المتاح حاليا أمام المهاجرين في ليبيا للهرب من مخاطر الاحتجاز.

يذكر أن "أطباء بلا حدود" كانت من ضمن المنظمات الدولية التي لطالما نادت باعتبار ليبيا بلدا غير آمن للمهاجرين، والتوقف عن إعادة المهاجرين إليه.

توصيات

ووجه تقرير المنظمة الإنسانية الدولية توصيات لهيئات اعتبر أنها مسؤولة أو قادرة على إحداث فرق فيما يتعلق بكيفية إيجاد حلول مستدامة للمهاجرين في ليبيا.

ودعت "بلدان اللجوء الثالثة"، أي الدول المرتبطة ببرنامج إعادة التوطين الذي تشرف عليه مفوضية اللاجئين، إلى "زيادة فرص انتقال هؤلاء إليها" واستقبال أعداد أكبر منهم. ورأت أن "زيادة عمليات الإجلاء الإنساني وإعادة التوطين وكل ما له صلة، بما في ذلك عمليات العبور عبر المرافق في النيجر أو رواندا" من شأنه أن يقدم حلولا لأزمات المهاجرين، كما يمكن أن يساهم بدعم جهود المفوضية (حماية المهاجرين وطالبي اللجوء وإعادة التوطين). كما دعت إلى أن تشمل عمليات الإجلاء من ليبيا حالات الحماية الحرجة، بما في ذلك الحالات الطبية الحرجة.

كلوديا لوديساني، مسؤولة البرامج في ليبيا في منظمة "أطباء بلا حدود"، قالت "في إيطاليا تم بالفعل فتح ممر إنساني يسمح بخروج عدد معين من الأشخاص المصنفين ضمن الحالات الأكثر ضعفا، لا سيما مرضى منظمة أطباء بلا حدود في ليبيا. يجب أن يكون من الممكن تكرار هذا النوع من الآليات في بلدان آمنة أخرى".

للمزيد>>> حلم الهجرة لأوروبا تحول كابوسا.. سوريون غادروا لبنان "ليُختطفوا" في ليبيا

يقول جمال زموم "إننا نناشدهم (الدول الثالثة) زيادة حصصهم... ولكن الآن بسبب الحرب في أوكرانيا، أصبح الوضع أكثر تعقيدا". وفقا للمسؤول الأممي، تقول الدول الأوروبية اليوم إنها "غارقة" في تدفقات اللاجئين الأوكرانيين، "حتى الآن، فقط السويد وافقت على إعادة توطين 350 شخصا على أراضيها... وبالتالي، لا توجد أماكن للجميع. هذا يجبرنا على تطبيق معايير استهداف أكثر صرامة".

كما توجهت "أطباء بلا حدود" إلى كل من المنظمة الدولية للهجرة والاتحاد الأفريقي والسلطات الليبية بضرورة ضمان العودة الطوعية السريعة لكل من يرغب بذلك، وتأمين كافة الشروط والإجراءات لحصول ذلك. كما أوصت مفوضية اللاجئين بإصلاح شامل لمعايير تحديد من هم الفئات التي تندرج تحت وصايتها، إضافة إلى توسيع أنشطتها إلى ما بعد طرابلس.

أما السلطات الليبية، فتوجهت إليها المنظمة بالمطالبة بتسهيل رحلات الإجلاء عن ليبيا، والتوقيع على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والإفراج الفوري عن كافة المهاجرين وطالبي اللجوء المحتجزين على أراضيها، ووضع حد فوري لكافة عمليات الإبعاد القسري التي تتم عبر أراضيها.

كما أوصت المنظمة الاتحاد الأوروبي بمراجعة اتفاقيات التعاون مع ليبيا للتأكد من تقيدها بكافة التزاماتها تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء. إضافة إلى ذلك، التأكد من أن السلطات الليبية "تقدم كافة الدعم المطلوب للمؤسسات الأممية، وإنهاء الدعم السياسي والمالي لنظام الإعادة القسرية من المياه الدولية" في وسط المتوسط ​​إلى ليبيا. وأعادت التشديد على أن ذلك هو "موقف مكرر من قبل هيئات دولية، بما فيها الأمم المتحدة ومفوضية الاتحاد الأوروبي، فليبيا ليست مكانا آمنا يمكن إعادة المهاجرين إليه".

 

للمزيد