Capture d'écran Melila
Capture d'écran Melila

بعد اليوم الدموي الذي خلف عشرات القتلى والجرحى في جيب مليلية شمال المغرب، أعلنت السلطات الإسبانية عن فتحها تحقيقا "لتسليط الضوء على ما حدث"، بعد ساعات من مطالبة الأمم المتحدة فتح تحقيق مستقل في الحادثة وتحديد الأسباب التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 23 مهاجرا. المنظمات الإنسانية تتخوف من طي الملف وعدم التزام المغرب بتوفير المعلومات اللازمة للتحقيق، محذرة من أنها تتجهز لدفن جثث الضحايا دون إجراء تشريح طبي.

بعد حوالي خمسة أيام على سقوط 23 قتيلا على الأقل أثناء محاولة عبور السياج الحدودي في جيب مليلية الإسباني شمال المغرب، أعلن مكتب المدعي العام الإسباني أمس الثلاثاء أنه "طلب فتح تحقيق لتسليط الضوء على ما حدث"، يوم الجمعة 24 حزيران/يونيو في الحادثة الأكثر دموية شمال المغرب، التي تشكل الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية.


على الرغم من أن الوفيات وقعت فعليا على أراضي المغرب، إلا أن مكتب المدعي العام الإسباني يرى أنه من الضروري توضيح ما حدث، نظرا إلى "خطورة الأحداث التي قد تكون مست الحقوق الإنسانية الأساسية للأشخاص"، حسبما ورد في صحيفة "إل باييس" الإسبانية.

وسيجري التحقيق مباشرة من قبل المدعي العام لغرفة تنسيق الهجرة.

جاء ذلك بعد ساعات قليلة من مطالبة الأمم المتحدة بإجراء تحقيق مستقل، ودعت مفوضية حقوق الإنسان، رافينا شامداساني المغرب وإسبانيا إلى ضمان إجراء تحقيق فعال ومستقل كخطوة أولى في تحديد الظروف التي حدثت فيها الوفيات والإصابات وجميع المسؤوليات الممكنة.

استخدام مفرط للقوة

واعتبر الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك أن المغرب وإسبانيا تعاملا بعنف مع المهاجرين، واستنكر لجوء البلدين إلى "استخدام مفرط للقوة" ضد المهاجرين، معتبرا ذلك "غير مقبول" و"يجب التحقيق" في هذه المأساة.

تشير بعض المنظمات غير الحكومية إلى أن عدد الوفيات قد يكون أعلى من 23 حالة وفاة التي اعترفت بها الحكومة المغربية. إذ تقدر منظمة "كاميناندو فرونتيراس" الإسبانية، أن ما يصل إلى 37 شخصا فقدوا حياتهم، وأصيب العشرات.

وبناء على طلب من كينيا، من المقرر عقد جلسة مغلقة لمجلس الأمن اليوم الأربعاء بشأن الأحداث في مليلية.

وروى الشاب السوادني سيّد ما شهده من عنف أثناء عبوره الحدود يوم الجمعة الماضية، وقال لمهاجرنيوز إن الأحداث كانت "دامية وقاسية وتتعدى كل خيال. لم نكن لنتوقع أن تقوم قوات معنية بحفظ الأمن والاستقرار بتلك الممارسات غير الإنسانية، كنت أراهم كيف يلاحقون المهاجرين خلفي، الطريقة التي كانوا يتعاملون بها معهم، العنف الذي لا يوصف. أعتقد أنهم كانوا يستقصدون قتل الناس، وإلا ما الذي يعنيه أن يقوم أحد (عناصر من الأمن المغربي) بضرب شخص آخر (المهاجرين) بحجر كبير على رأسه، بشكل مباشر ودون أي رحمة".

تحميل الاتحاد الأوروبي والمغرب المسؤولية

وجاءت هذه الحادثة في سياق استئناف التعاون بين المغرب وإسبانيا لمحاربة الهجرة غير النظامية، بعد تعزيز علاقاتهما الدبلوماسية في الفترة الأخيرة، وما نتج عنه من مطاردة للمهاجرين في المناطق الحدودية، وفق نشطاء حقوقيين.

اعتبر ائتلاف لجمعيات مهاجرين من جنوب الصحراء في المغرب أن "الاتحاد الأوروبي، وبلدانه، والمغرب يتحملون مسؤولية هذه المأساة التي أحزنتنا وأحزنت الإنسانية جمعاء".

لجنة الأمم المتحدة المعنية بالعمال المهاجرين، اعتبرت أنه كان من الممكن تجنب هذه المأساة لو كانت مقاربة شاملة في سياسات الحدود تستند على ضمان الحقوق الأساسية" للأشخاص.

ويقول مكتب المفوض السامي ميشيل باشيليت إنه تلقى تقارير تفيد بأن "مهاجرين تعرضوا للضرب بالهراوات والركلات والدفع والحجارة من قبل عناصر مغربيين أثناء محاولتهم تسلق السياج الشائك الذي يبلغ ارتفاعه ستة إلى عشرة أمتار".

الحفاظ على الجثث من أجل التحقيق

وشددت اللجنة الأممية على أن الحكومة المغربية مطالبة بالحفاظ على جثث المتوفين، والتعرف عليهم بشكل كامل وإبلاغ أسرهم وتقديم الدعم اللازم لنقل الجثث.

بالنسبة إلى اللجنة، لم يُحدد بعد ما إذا كان الضحايا قد ماتوا وهم يسقطون من السياج، أو تدافعا أم نتيجة لعنف على يد عناصر مراقبة الحدود.

ونشرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في الناظور صور قبور قالت إن السلطات المغربية تجهزها من أجل دفن ضحايا المهاجرين. واعتبرت تلك الخطوة محاولة من قبل المغرب من أجل "إخفاء الكارثة" واصفة ذلك بـ"فضيحة حقيقية".


واعتبرت الجهات الحقوقية أن التقارير التي تفيد باحتمال قيام السلطات المغربية بتنظيم عمليات دفن جماعي متسرعة "مقلقة للغاية".

منظمة "هيومن رايتس ووتش" من خلال مراجعة هذه الصور، تمكنت من تحديد 10 قبور فردية تم حفرها حديثا. من خلال مطابقة شكل محيط المقبرة، وكذلك المباني والأشجار والمناظر الطبيعية التي تظهر في الخلفية مع صور الأقمار الصناعية تحقق من الموقع الدقيق للقبور ليكون في مقبرة سيدي سالم.

لكن دفن الجثث دون تشريح طبي يثير تخوف الجهات الحقوقية، وتؤكد "هيومن رايتس ووتش" أن الحفاظ على الأدلة أمر بالغ الأهمية لضمان إجراء تحقيق كامل، "من المهم للغاية أن تبذل السلطات المغربية قصارى جهدها للحفاظ على الجثث بطريقة كريمة ومناسبة للسماح بتشريح الجثث والتحقق من سبب الوفاة".

لا سيما وأن تقارير الأطباء الشرعيين يساعد عادة في تحديد نوع الإصابات وأسباب الوفاة.

تبادل الاتهامات

من الجانب المغربي الرسمي، قالت السلطات إن وفد من المجلس الوطني لحقوق الإنسان (حكومي) نفذ مهمة استطلاعية بمدينة الناظور ونواحيها، دون تقديم المزيد من التفاصيل.

والمغرب بدأ بالفعل تحقيقا، لكن ليس للكشف عن أسباب الوفاة وتحديد المسؤولين، وإنما من أجل محاكمة 65 شخصا حملتهم السلطات مسؤولية الكارثة. اتهمت محكمة الدرجة الأولى في مدينة الناظور المغربية، 37 مهاجرا بـ “الدخول غير القانوني إلى الأراضي المغربية”، و “العنف ضد الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون”، و “الحشد المسلح” و “رفض الامتثال”. كما أن مجموعة ثانية مكونة من 28 مهاجرا ستحاكم أيضا بتهمة “المشاركة في عصابة إجرامية لتنظيم وتسهيل الهجرة غير الشرعية إلى الخارج”.

للمزيد>>> "لا نعيش بسلام في العيون".. السلطات المغربية تشن حملات اعتقال للمهاجرين

ذلك يتماشى إلى حد ما مع رد الفعل الإسباني الرسمي، الذي شدد على تحميل المهربين مسؤولية ما حدث، وشدد مجددا رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز على ذلك اليوم الأربعاء في مقابلة مع إذاعة “كادينا سير”، قائلا "يؤسفني جدا سقوط أرواح بشرية"، متهما "المافيات (…) التي تتاجر بالبشر" بكونها وراء المأساة الأخيرة.

كما ذهبت المغرب إلى أبعد من ذلك محملة الجزائر أيضا مسؤولية ما حدث، إذ قالت سفارة المغرب في إسبانيا، أمس الثلاثاء، إن محاولة عبور السياج الحدودي لمليلية قد تم التخطيط لها من قبل مهاجمين متمرسين في مناطق النزاعات، دخلوا الأراضي المغربية من الجزائر بسبب "التراخي المتعمّد من هذا البلد في السيطرة على الحدود".

 

للمزيد