منزل لإيواء القاصرين في ستوكهولم/ شريف بيبي
منزل لإيواء القاصرين في ستوكهولم/ شريف بيبي

مع اندلاع أزمة الهجرة التي شهدتها أوروبا مؤخرا، استقبلت السويد عشرات الآلاف من القاصرين اللاجئين غير المصحوبين بذويهم، الأمر الذي أجبر السلطات على الاهتمام بهذه الفئة من خلال برنامج "منازل الاستقبال" الموزعة على كامل مساحة الأراضي السويدية. فما هي هذه المنازل وكيف تعمل؟

كان اليوم مشمسا، الطريق إلى منطقة سولنتونا كانت سهلة وميسرة، حيثما التفت تجد أشجارا ونباتات. معروف عن السويديين حبهم للأشجار وحفاظهم على بيئة بلادهم. كاثرينا، المديرة الإقليمية لمنظمة "فارليوس" شمال ستوكهولم، تقود السيارة، تنظر إلينا عبر المرآة وتبتسم "إن المنزل الذي نتجه لزيارته هو أحدث منازلنا، فقد حصلنا عليه عام 2015 وقمنا بتجهيزه كليا، من الصفر". تتحدث وفي عينيها بريق من الفخر، تشعر وكأن هذا "المنزل" هو باكورة أعمالها وإنجازاتها في المؤسسة التي تعمل بها.

ما إن وصلنا وركنت كاثرينا السيارة، حتى تكشفت لنا منطقة فائقة الجمال، مجموعة من المباني المبنية على الطراز السويدي محاطة بشتى أنواع الأشجار والصخور والنباتات. كان "المنزل" عبارة عن طابق كامل في إحدى تلك المباني المخصصة لرعاية المسنين.

"منازل" لإيواء المهاجرين القاصرين

تدير المنزل مؤسسة "فارليوس" أو "ريح الربيع"، حيث يتم الاهتمام بـ19 طفلا بين سن الـ14 والـ19 عاما.


مركز إيواء القاصرين

في المصعد، تولى ضياء، أحد المرشدين والعاملين الاجتماعيين في المركز، التعريف بـ"المنزل" وأهميته بالنسبة إليه والأطفال فيه، "هناك 19 طفلا لدينا في هذا المنزل، معظمهم جاؤوا من أفغانستان"، يقول ضياء. نخرج من المصعد إلى ممر طويل نسبيا تتوزع على جانبيه الغرف. في نهايته، على كل جانب منه بهو. يعطينا ضياء لمحة عن المكان بغرفه وتقسيمه. يطل في هذه الأثناء فريديريكو، بإنكليزيته المتواضعة يرحب بنا معرفا بنفسه أنه مدير "المنزل".

عقب اللقاء الأول، جلسنا إلى مائدة الغداء مع كاثرينا وضياء، انضم إلينا لاحقا شابان صغيران عرفا بنفسيهما، الأول يدعى باسم الله والثاني علي رضا، قال لنا ضياء إنهما من أفغانستان ووصلا السويد منذ ما يقارب السنتين. يضيف "هنا نقوم بتحضير طعامنا وطعام الأطفال بأنفسنا، يقوم المرشدون بذلك. الأطفال يمكنهم المساعدة ولكننا لا نطلب منهم". يكمل ضياء الحديث عن طريقة إدارة المنزل: "هنا الأطفال مسؤولون عن نظافة غرفهم وغسيل ثيابهم، بشكل عام. نقوم من حين إلى آخر بإشراكهم في تنظيف الأجزاء المشتركة من المنزل ليشعروا بمسؤوليتهم فيه. ولكن في أغلب الأحيان هناك شركة تنظيفات خاصة تهتم بذلك".


باسم الله وعلي

"أشعر بالأمان هنا"

قالت كاترينا وهي تنظر إلى الغابات "بداية، اعتقدت أن الأطفال سيختارون الغرف المطلة على الشارع. هناك حركة دائمة وسيارات، إلا أن معظمهم اختار الغرف المطلة على الغابة...تفاجأت".

خلال الحديث، كان الشابان الأفغانيان ينظران إلينا بفضول. البسمة لم تفارق محياهما. سألنا باسم الله عن شعوره في هذا المكان فقال "أشعر بالأمان هنا". مضى على وجوده  في هذا "المنزل" حوالي السنتين، بعد أن وصل إلى السويد عام 2015 ثم تم إرساله إلى هنا.

وحول الدراسة ومتابعة التحصيل العلمي، "كل الأطفال في هذا المنزل مسجلون في المدرسة المحلية. يتابعون دروسهم بشكل نظامي مثل أي طالب سويدي آخر" يقول ضياء.


المنظر المطل من مركز إيواء القاصرين

يذكر أن السويد شهدت عام 2015 مجيء أكثر من 35 ألف لاجئ قاصر. الجزء الأكبر منهم قادم من أفغانستان. تم توزيعهم على منازل مشابهة منتشرة على كامل مساحة الأراضي السويدية.

بعد الغداء جلنا في أرجاء "المنزل" الذي يضم قاعتين كبيرتين للجلوس، تحوي كل منهما تلفازا وكنبة كبيرة وطاولة طعام. ويضم المنزل 20 غرفة مستقلة للأطفال، فضلا عن غرفتين موزعتين على جزأي المنزل للمشرفين المناوبين.

اصطحبنا باسم الله إلى غرفته. "كل غرف الأطفال لها حماماتها الخاصة" يقول ضياء. للغرفة أيضا شرفة واسعة فيها طاولة وكرسيان. واضح أن الاهتمام بخصوصية الأطفال وراحتهم النفسية جزء أساسي من عمل هذا المنزل اليومي.


قاعة مركز إيواء القاصرين

على الرغم من وجود 19 طفلا، أو شابا صغيرا، في هذا المكان، إلا أن ما يلفت الانتباه هو الهدوء الذي يخيم على كافة أرجاء المنزل. فتجد الأطفال إما مجتمعين يشاهدون التلفاز بصوت منخفض، أو يتناقشون في ما بينهم في قضايا تهمهم. ويمكنك  أن تلاحظ تلقائيا مدى احترامهم للحيز العام ولخصوصية بعضهم من الطريقة التي يتعاملون بها.

"احترام النظام العام والتقيد به"

لكل ثلاثة أطفال مرشد واحد يتابع شؤونهم اليومية. من الدراسة إلى الطعام إلى زيارات الطبيب الدورية إلى متابعة أوراقهم الرسمية. الأمر الذي يؤدي إلى "نشوء علاقة خاصة تحكمها الثقة بين الأولاد والمرشدين" يقول ضياء، "وهذا ضروري لنا لنستطيع مساعدتهم على المدى البعيد".

"يسمح للأطفال بمغادرة المنزل ساعة يشاؤون كما نشجعهم على زيارة ستوكهولم والتجول فيها بعد أن زودنا كل واحد منهم ببطاقة تخوله استخدام كافة وسائل المواصلات المتاحة في المنطقة" يضيف ضياء. "نحاول أن نعودهم على الاعتماد على أنفسهم وتكوين حياة اجتماعية بعيدا عن روتين يوميات المنزل". إلا أن تلك الحرية ليست مطلقة. إذ يوضح ضياء أن على الأطفال أن يعودوا قبل الساعة التاسعة. ويشدد على عدم السماح بإدخال المشروبات الكحولية والمخدرات إلى المنزل. "بعض الأطفال يدخنون، اتفقنا معهم على أن يدخنوا على الشرفات، بعضهم لم يلتزم فقمنا بإرساله إلى منازل أخرى".

يعتبر ضياء أنه من الضروري أن يكون هناك نظام واضح في حياة الأولاد "نتعامل هنا كالعائلة، لا نجبرهم على شيء وإنما نعودهم على احترام النظام العام والتقيد به، سيحتاجون لذلك عندما يخرجون من هنا إلى الحياة".


 

للمزيد