عبد الناجي
عبد الناجي

يدعى عبد الناجي، وهو من الأسماء المعروفة في أوساط اللاجئين السوريين والفلسطينيين في ستوكهولم. مضى على وجوده في السويد حوالي أربع سنوات، مر خلالها بالكثير من التجارب وراكم كماَ من الخبرات. يحلم اليوم بحياة هادئة وناجحة وحرة، ويطمح لأن يكون مخرجا. "مهاجر نيوز" قابل عبد الناجي في ستوكهولم، وتحدث له عن هذه المرحلة المهمة من حياته.

كانت الساعة لم تتجاوز التاسعة صباحا، أمام محطة مترو أوتورغيت في العاصمة السويدية. كنا ننتظر عبد الناجي، أحد اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا والحاصلين على حق اللجوء في السويد. شاب ثلاثيني بشعر كستنائي طويل ولحية كثيفة. عندما تراه للوهلة الأولى تحضر في بالك الصورة الشهيرة للمسيح. بعد السلام والتعارف الأولي توجهنا إلى أحد المقاهي القريبة. ما إن جلسنا على الطاولة حتى بدأ تلقائيا بسرد حكايته، وكأنه كان بحاجة إلى من يسمعه.

"اسمي عبد الناجي، أنا من مخيم اليرموك في دمشق، ولدت عام 1984، أحب التصوير والإخراج". هكذا قدم نفسه في البداية. سألناه عن وجهته الأولى بعد أن غادر سوريا فقال "لبنان"، وأضاف "أعتبر نفسي محظوظا لكثير من الأسباب، سأخبرك عنها لاحقا، ولكني اضطررت لمغادرة سوريا بعد أن نقل إلي أحد أصدقائي أني مطلوب للأجهزة الأمنية. لم يكن أمامي خيار، قررت الهرب حتى دون أن أودع أهلي".

في سوريا، عمل عبد الناجي في مجال التصوير بعد أن درسه في معهد خاص في دمشق بين عامي 2005 و2007. إضافة إلى قيامه مع مجموعة من أصدقائه بتنظيم ورش عمل تدريبية للأطفال في المخيمات الفلسطينية مثل اليرموك والحسينية وجرمانة حول التصوير وفنون الدراما.

في بيروت

توجه عبد الناجي إلى بيروت، حيث مكث هناك قرابة الأسبوعين. "وصلتني دعوة من إحدى المنظمات الإنسانية الإيطالية كنت عملت معها سابقا في سوريا، لزيارة إيطاليا. توجهت إلى السفارة الإيطالية في بيروت لأطلب تأشيرة بناء على الدعوة، وبالفعل حصلت عليها بعد أسبوعين، لهذا أنا محظوظ فمكوثي في لبنان لم يطل وسفري كان سهلا".

ببسمة طفولية تعلو محياه يخبرنا عبد أنها كانت المرة الأولى بحياته التي يركب فيها طائرة، "كان شعوري جميلا ومهيبا في الوقت نفسه، كنت سعيدا لدرجة لا توصف".

لم تطل إقامة عبد في بيروت، إلا أنه استغلها حتى النهاية. "بيروت التي كانت بالنسبة لي قصص الفدائيين والمقاومة الفلسطينية وشعر محمود درويش، لم أتخيل أنني سأرى المخيمات الفلسطينية هناك على ذلك الحال، تلك صدمة لن أنساها بحياتي. بصراحة لا يمكنني أن أصف سعادتي وارتياحي بمغادرة بيروت، أريد أن أحفظ في مخيلتي بعضا من تلك الصور الجميلة التي كبرنا عليها ونحن أطفالا".

في المطار لم يكن قد استوعب بعد أنه على وشك ركوب الطائرة والرحيل بعيدا عن روما. إلا أن هذا الخيار كان أفضل ما لديه ولا رجعة عنه بعد الآن.

"في روما مكثت لدى صديقة إيطالية لبعض الوقت. بالكاد تعرفت على معالم المدينة الرئيسية. اتصلت بأصدقائي المقيمين في السويد منذ مدة طويلة، أحدهم أقنعني بالعدول عن فكرة اللجوء في إيطاليا والقدوم إلى السويد، فشروط اللجوء هناك أفضل من إيطاليا وأوضاع اللاجئين جيدة إلى حد كبير". يضيف عبد "اقتنعت، فحجزت تذكرة ذهاب إلى ستوكهولم بعد أن نسقت مواعيد الوصول مع أصدقائي ليلاقوني في المطار".

يرتشف عبد القليل من القهوة، ينظر إلى الشارع ثم إلينا ويبتسم قائلا: "ولكنهم (أصدقائي) لم يخبروني عن الطقس والأحوال الجوية الصعبة هنا"، ثم يضحك.

كل شيء أبيض

"وصلت إلى ستوكهولم في كانون الثاني 2013، خرجت من المطار بعد أن وجدت أصدقائي وكانت الصدمة... كل شيء أبيض، الثلج كان قد غطى أصغر تفاصيل الشارع"، يقول عبد.

لدى سؤاله عن اللغة السويدية ودرجة إتقانه لها يبتسم قبل أن ييجيب: "هنا يمكنك الحديث بالإنكليزية مع الجميع، طبعا لغتي تحسنت كثيرا ولكني بحاجة إلى المزيد، إلا أن النقطة الأصعب في كل قصة لجوئي هنا هي الطقس، لم أعتد عليه بعد".

وفي هذه النقطة، أغلب اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط يجدون صعوبة في التأقلم مع طقس السويد القاسي. فالشمس نادرة الظهور والمطر على أبواب كل الفصول.

"صراحة لم أكن أعلم شيئا عن السويد قبل مجيئي. كل ما أعرفه هو بضعة معلومات ارتشفتها من مسلسل كرتوني كنت أشاهده وأنا صغير اسمه نيلز". ويكمل "فعلا لم نكن نعلم الكثير عن أوروبا إلا من الأخبار ووسائل التواصل التي انتشرت منذ زمن ليس ببعيد".

ويؤكد عبد "طبعا ما هو أشد من سوء الطقس هو ثقل الغربة والبعد عن الأهل، فأنا لم أر أهلي منذ 2011، وهذا بحد ذاته عذابا مختلفا وشديدا". يعود ويضيف بصوت ثقيل "وأنا في الغربة سمعت أنباء عن مقتل أصدقاء لي في سوريا، حتى أخي الأكبر فراس، الذي كان يعمل في مجال الإغاثة في مخيم اليرموك، تم اغتياله. كل هذا وأنا بعيد في بلاد غريبة، هذه تجارب قاسية لا تنسى".

اللجوء والعمل

عندما وصل إلى ستوكهولم، تنقل بين منازل أصدقائه لحوالي ستة أشهر، "الفترة التي انتظرتها لأقدم طلب لجوء"، يوضح عبد ثم يتابع: "خشيت أن أقدم قبل ذلك فأرفض، لأني كنت قد بصمت في إيطاليا (اتفاقية دبلن للاجئين). عملت خلال تلك الفترة في الكثير من الأماكن بشكل غير شرعي، تارة في بيع الخضار وطورا في مطاعم بيتزا".

ويعمل بالوقت الحالي في متحف تاريخ ستوكهولم ضمن مشروع حفظ وترقيم الصور التاريخية. "ليست الوظيفة التي كنت أحلم بها، ولكنها تؤمن لي مدخولا ثابتا وأجرة منزلي" يلفت عبد.

قد أزور سوريا يوما ما، ولكن الاحتمال الأكبر هو عدم عودتي...

وحول العودة إلى سوريا ومخيم اليرموك يقول عبد "حاليا لن أعود إلى سوريا. وهذا منطقي في ظل الأوضاع الأمنية السائدة هناك. ولكني قد أزورها يوما ما إلا أن الاحتمال الأكبر هو أني لن أعود".

"كوني فلسطيني تربيت منذ صغري على أن سوريا محطة مؤقتة في انتظار العودة إلى فلسطين. هذه سوريا بالنسبة إلي. الآن جل ما أريده هو أن أحصل على الجواز السويدي ليتسنى لي زيارة فلسطين. عائلتي أصلها من طيرة حيفا. خالتي ما زالت تسكن هناك. أريد أن أقرن الصورة التي ترعرعت عليها منذ صغري بالحقيقة والواقع"، يقول عبد بشوق كبير.

وحول أحلامه وتوقعاته يقول عبد "السويد الآن هي البلد التي أريد أن أبني فيها حياتي. فهنا الفرص كثيرة! حلمي أن أصبح مخرجا في يوم من الأيام... وهذا لن يحصل إلا هنا".


 

للمزيد