قارب مهاجرين ستقوم بلدية مدينة كروتوني بترميمه، بالتعاون مع فنان محلي، وتحويله إلى نصب تذكاري في المدينة. المصدر: بلدية كروتوني
قارب مهاجرين ستقوم بلدية مدينة كروتوني بترميمه، بالتعاون مع فنان محلي، وتحويله إلى نصب تذكاري في المدينة. المصدر: بلدية كروتوني

يعتبر ميناءا كروتوني وروتشيلا يونيكا، نقطتين رئيسيتين لإنزال المهاجرين الذين يصلون إلى مقاطعة كالابريا في جنوب إيطاليا، قبل أن يتم نقلهم إلى مركزي الاستقبال في "سانتانا" أو روتشيلا يونيكا. فريق مهاجر نيوز زار المنطقة، وقابل الجهات القائمة على استقبال المهاجرين، بالإضافة إلى المهاجرين المتواجدين في مركز "سانتانا".

تشتهر مقاطعة كالابريا الواقعة في جنوب إيطاليا، بشواطئها الرملية الشاسعة وكروم الزيتون المصطفة على منحدرات التلال، ناهيك عن أطباقها المحلية الغنية بالمأكولات البحرية وزيت الزيتون. كما يُعرف سكانها بترحيبهم بالسياح وبلهجتهم "الكالابرية" التي يصعب على الإيطاليين القادمين من مناطق أخرى فهمها. لكنها تعرف أيضاً بأنها بوابة للمهاجرين القادمين عبر البحر المتوسط إلى القارة العجوز، فمنذ نحو عامين، بدأت موانئ هذه المقاطعة تشهد وصولاً متزايداً لقوارب المهاجرين القادمة من ليبيا وتركيا ولبنان. وصلت عمليات الهبوط هذه ذروتها خلال الأشهر الأخيرة، خاصة في مينائي كروتوني وروتشيلا يونيكا.

خريطة توضيحية تٌظهر مينائي كروتوني وروتشيلا يونيكا. المصدر: غوغل مابس
خريطة توضيحية تٌظهر مينائي كروتوني وروتشيلا يونيكا. المصدر: غوغل مابس


محمود أحمد سعد، طالب لجوء مصري يبلغ 39 عاماً، وصل إلى مقاطعة كلابريا في إيطاليا قبل أكثر من شهر، بعد أن قطع البحر على متن قارب صيد كبير برفقة نحو 470 مهاجراً آخرين. انطلق القارب من مدينة امساعد الليبية، القريبة من الحدود المصرية، وقضى في البحر نحو أربعة أيام، حتى تم إنقاذهم. يعيش المهاجر في مركز "سانتانا" منذ وصوله إلى إيطاليا. ويقول "خرجت من مصر لأبحث عن عمل، ولأوفر لأسرتي حياة أفضل. خلال الرحلة في البحر، شعرت أن الموت قريب جداً، وكنا متكدسين داخل القارب وعلى سطحه، لكن عندما وصلنا إلى إيطاليا، زال كل الضغط والخوف".

محمود أحمد سعد، طالب لجوء مصري يعيش في مخيم "سانتانا". المصدر: مهاجرنيوز
محمود أحمد سعد، طالب لجوء مصري يعيش في مخيم "سانتانا". المصدر: مهاجرنيوز


وفي اتصال مع مهاجر نيوز، قال جيوفاني بيرنا، المنسق الميداني لمنظمة "أطباء بلا حدود" في ميناء روتشيلا يونيكا، إنه منذ بداية العام الجاري حتى نهاية شهر أيلول/سبتمبر، وصل نحو ثمانية آلاف مهاجر إلى ميناء روتشيلا يونيكا على متن 130 قاربا، بينما في عام 2021 بأكمله، وصل سبعة آلاف مهاجر. وشرح أن القوارب التي تأتي من تركيا تكون غالباً قوارب إبحار صغيرة، أما تلك القادمة من ليبيا ولبنان فتكون قوارب خشبية كبيرة. فيما قال إنيانزو مانجيوني، منسق الصليب الأحمر والمسؤول عن مركز "سانتانا" للاستقبال، إن نحو أربعة آلاف مهاجر وصلوا إلى المقاطعة خلال شهري آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر فقط.

وتستغرق رحلة الهجرة إلى كالابريا من أربعة إلى سبعة أيام، يمكن أن تمتد إلى حد أسبوعين في بعض الحالات بسبب عدم وجود سفن إنقاذ في المنطقة أو "تردد" السلطات الأوروبية في تقديم المساعدة للقوارب، خاصة مع وجود قانون يمنع سفن الصيد من تقديم أي مساعدة لقوارب المهاجرين.


ما هي آلية استقبال المهاجرين في المقاطعة وما الذي تقدمه البلدية والدولة؟

في مقابلة مع مهاجر نيوز، قال فانسينو فوتشي، عمدة كروتوني، إنه بمجرد وصول المهاجرين إلى ميناء المدينة، تقوم البلدية بالاعتناء بالقاصرين غير المصحوبين بذويهم، حيث يوجد لدى البلدية 100 مكان لإيواء القاصرين، أضافوا إليها 10 أماكن بعد الأزمة بين أوكرانيا وروسيا. بينما ينتقل باقي المهاجرين إلى مركز "سانتانا" القريب من المدينة. ووفقاً للمصدر ذاته، وصل خلال هذا العام 250 مهاجراً قاصراً غير مصحوب إلى مدينة كروتوني.

وشرح العمدة أن جزءاً كبيراً من المهاجرين لا يطلبون اللجوء في إيطاليا، وبالتالي يُعطون قراراً بوجوب مغادرة الأراضي الإيطالية في مدة أقصاها سبعة أيام، لكن هؤلاء المهاجرين ينوون عادة عبور الحدود الإيطالية مع دول أوروبية أخرى، كفرنسا وألمانيا.

للمزيد >>>> العثور على العشرات من المهاجرين بينهم أطفال على إحدى جزر إيجه اليونانية

أما أولئك الذين يطلبون اللجوء في كالابريا، فيبقون في "سانتانا" وتقوم الدولة بصرف 40 يورو يومياً لكل طالب لجوء أثناء مرحلة الاستقبال، وهذا المبلغ يستخدم للطعام والشراب وتوفير المسكن والرعاية الصحية، كما يُعطى المهاجر بطاقة ممغنطة يُضاف إليها 2 يورو ونصف يومياً، يستطيع عبرها شراء بعض المأكولات السريعة والمشروبات من ماكينات موزعة في المركز.

وتعتبر بلدية كروتوني أول بلدية في إيطاليا أعطت أطفال المهاجرين جنسية إيطالية "رمزية"، تسمح لهم بالدخول إلى المدارس والحصول على الحقوق الأساسية.

رئيس بلدية كروتوني، فانسينو فوتشي، في مكتبه. المصدر: مهاجرنيوز
رئيس بلدية كروتوني، فانسينو فوتشي، في مكتبه. المصدر: مهاجرنيوز


وقال فوتشي "دائما ما نسمع بأن المهاجرين عنيفون ولا يتعايشون ولا يندمجون في المجتمعات، لكن لدينا الآلاف منهم، والمشاكل معهم تكاد لا تذكر. تعتبر مدينتنا بوابة للمهاجرين، وبسبب اتفاقية دابلن، بعضهم يتجولون في أوروبا لمدة خمس سنوات، وفي نهاية المطاف، يعودون إلى هنا ليندمجوا معنا ويتعايشوا". 

للمزيد >>>> فوز اليمين المتطرف في الانتخابات التشريعية الإيطالية.. مقترحات مثيرة للجدل ستلقي بأثرها على المهاجرين؟

وبالنسبة للعمدة، فالذي يحدد عدد المهاجرين الواصلين إلى شواطئ مدينته، هي "سياسة الحكومة الحالية"، وشرح قائلاً "إذا كانت الحكومة راغبة بأن يصل هؤلاء المهاجرون بسلام، سيصلون، أما إذا كانت لها توجهات للحد من وصولهم، فالأعداد ستكون أقل".

وفي مبادرة مشتركة بين بلدية كروتوني وفنان تشكيلي محلي، سيتم إعادة ترميم أحد القوارب التي استقلها مهاجرون للوصول إلى المدينة، ومن ثم سيحولها الفنان إلى عمل فني ليكون نصباً تذكارياً في المدينة. ووفقاً للبلدية، هذا العمل سيذكر الناس بما يمر به المهاجرون في البحر، وسيكون إشارة لما تقدمه المدينة لهؤلاء المهاجرين، بالإضافة إلى ما تقدمه الدولة في سبيل استقبالهم ودمجهم في المجتمع. 

مركز سانتانا.. "يعاملوننا بشكل جيد، ويقدمون لنا كل ما نحتاج"

خارج مدينة كروتوني، وفي قاعدة عسكرية سابقة، أقامت المحافظة مركز "سانتانا" لاستقبال المهاجرين. بسعة 640 شخصاً، تدير منظمة الصليب الأحمر الإيطالي هذا المركز، الذي يحتوي على غرف للنوم وقاعات للطعام، ومكتب للإجراءات الإدارية ومستوصف صحي، بالإضافة إلى قاعات لتعليم اللغة الإيطالية لطالبي اللجوء. كما يسمح للمقيمين بمغادرة المركز بين الساعة الثامنة صباحاً والثامنة مساء، حيث توجد محطة للحافلات بجانب المركز، تقلهم إلى وسط مدينة كروتوني. 

وخلال زيارة فريق مهاجر نيوز للمركز، أجمع مهاجرون مصريون وباكستانيون ونيجيريون وأفغان، على أنهم يتلقون رعاية جيدة في المركز، وأن المسؤولين يعاملوهم باحترام ولطف، وأن جودة الطعام جيدة وكمياتها كافية.

ويحتوي المركز على أقسام مغلقة للنساء والعائلات، وهو مراقب أمنياً بشكل محكم، مع تواجد مستمر لقوات من الشرطة في المنطقة، بالإضافة إلى تفتيش المهاجرين في كل مرة يعودون فيها إلى المركز من الخارج.

ما الذي يدفع المهاجرين للتوجه إلى كالابريا؟ وكيف تكون حالتهم عند الوصول إليها؟

وبناء على عمله، يرى جيوفاني بيرنا، المنسق الميداني لمنظمة "أطباء بلا حدود" في ميناء روتشيلا يونيكا، بأن المهاجرين يفضلون التوجه إلى كلابريا قادمين من تركيا، لتجنب عمليات الدفع التي تقوم بها دوريات خفر السواحل اليوناني في بحر إيجة. أما من يصلون من ليبيا، فإنهم أحياناً يرون لامبيدوزا أثناء رحلتهم، ولكن يقررون ألا يتوقفوا وأن يتابعوا رحلتهم باتجاه كالابريا، ما يعني يومين أو ثلاثة أيام إضافية في البحر، "لأنهم يحظون بحرية حركة أكبر في كالابريا، مقارنة بلامبيدوزا". 

وفيما يتعلق بالمهاجرين القادمين من لبنان وسوريا، قال بيرنا "يأتون على سفن كبيرة بسعة 400 إلى 500 شخص، ولا ينزلون عادة في ميناء روتشيلا لأنه صغير وسعة مركز الاستقبال فيه لا تتجاوز الـ250 شخصاً، لذا ينزلون في كروتوني، ثم مركز سانتانا".

ويرى بيرنا بأن أكثر من 90% من المهاجرين الذين يصلون من تركيا، لا يطلبون اللجوء في إيطاليا، وينوون التوجه إلى دول أوروبية أخرى، معللا ذلك بقلة المعلومات المتعلقة بالحماية في إيطاليا، وعدم فهم المهاجرين لاتفاقية دابلن وأنهم مجبرون على تقديم طلب اللجوء في إيطاليا، فضلاً عن عمليات الصد على الحدود مع فرنسا، وبالتالي مهمتهم للوصول إلى بلدان أخرى ليست بالسهلة، وهم يخاطرون بأن يتم اعتقالهم أو ترحيلهم.

للمزيد >>>> عشرات الغرقى والمفقودين حصيلة غرق قارب هجرة قبالة السواحل السورية انطلق من لبنان

وبحسب المسؤول في "أطباء بلا حدود"، المهاجرون الذين يصلون من تركيا يكون وضعهم الصحي والنفسي أفضل من أولئك القادمين من ليبيا، لأن الأخيرين يتعرضون للتعذيب والاستعباد لفترات طويلة في ليبيا. وعادة ما يعاني المهاجرون من حروق بسبب الشمس أو اختلاط وقود القارب بمياه البحر، بالإضافة إلى الاكتئاب وبعض الأمراض المزمنة.

ووفقاً لأرقام وزارة الداخلية الإيطالية، وصل إلى إيطاليا منذ بداية العام الجاري حتى نهاية أيلول/سبتمبر الماضي، 71,325 مهاجراً، معظمهم تونسيون ومصريون. بينما وصل خلال العام الماضي 46,329 مهاجراً.

للمزيد >>>> إنقاذ 56 مهاجرا قبالة السواحل اليونانية بعد أن واجهوا صعوبات في الإبحار

ومع غروب الشمس خلف تلال مدينة كروتوني، وقبل أن يتوجه المصري محمود أحمد سعد إلى مهاجع النوم في مركز "سانتانا"، قال العامل السابق في مجال الفنادق والأب لطفلتين "طلبت اللجوء وأنتظر رد السلطات، وفي الوقت الحالي، ألتزم في دروس اللغة الإيطالية وأتطوع لمساعدة القائمين على المركز. أريد البقاء هنا حتى أحصل على قرار بخصوص طلب اللجوء، ثم سأبحث عن عمل، وأجلب زوجتي وابنتاي. إيطاليا كانت وجهتي منذ البداية ولا أريد مغادرتها".

 

للمزيد