العلم السويدي
العلم السويدي

لاجئون يطلبون اللجوء في أوروبا فترفض طلباتهم. هذه الجملة تنطبق على حال العشرات من العائلات اللاجئة الفلسطينية في السويد، ممن طلبوا اللجوء هناك ورفضت طلباتهم، فباتوا والسلطات أمام معضلة حقيقية: إلى أين ينبغي أن يتم ترحيلهم؟

تكثر قصص المهاجرين وطالبي اللجوء المتعلقة بإجراءاتهم في الدول التي يقصدون الاستقرار فيها. منهم من يحالفه الحظ ويلقى قبولا سريعا لطلب لجوئه، فيبدأ مباشرة بعملية الاستقرار والاندماج وباقي المتطلبات. آخرون قد ينتظرون وقتا أطول، أو قد يأتيهم رفض نتيجة لجملة من الأسباب تعتمدها كل دولة وفقا لقوانينها وسياساتها.

وفقا للإجراءات المعتادة، يتم تسليم من رفضت طلباتهم أوامر بضرورة مغادرة البلاد خلال فترة زمنية محددة، على أن يعودوا إلى البلد الأصلي الذي جاؤوا منه، وفي السواد الأعظم من تلك الحالات، هو بلد المنشأ أو البلد الذي يحمل طالب اللجوء جنسيته.

حتى هذه اللحظة قد تبدو تلك العملية منطقية وقانونية (وفقا لأنظمة الدول المحلية كما أسلفنا الذكر). لكن في بعض الحالات، تبرز مشكلات مرتبطة بعملية الترحيل لطالبي اللجوء ممن لا جنسية لهم، كما يحصل مع اللاجئين الفلسطينيين القدمين من دول "اللجوء الأصلية" ليطلبوا اللجوء في دول ثانية.

"عليك العودة للأردن"

مهاجر نيوز كان قد نشر في حزيران/يونيو من العام الماضي موضوعا حول عدد من العائلات الفلسطينية في دول أوروبية مختلفة، رفضت طلبات لجوئها وباتت عالقة في حالة من الضياع، فمن جهة لا يحق لهم البقاء في البلد الذي رفضوا فيه، ومن جهة أخرى ما من مكان في هذا العالم مستعد لاستقبالهم.

منتصر قطينة وعائلته، كانت إحدى الحالات التي غطاها المقال في ذلك الوقت. اللاجئ الفلسطيني آثر اللجوء إلى السويد قبل نحو سبع سنوات، رفض طلبه مرارا، فبات عالقا بين رفض السلطات من جهة واحتياجات عائلته وأولاده للأمان والاستقرار من جهة أخرى.

للمزيد>>> فلسطينيون ممنوعون من اللجوء في أوروبا.. قرارات ترحيل معلّقة لوجهة غير محددة

قبل التحدث عن مستجدات قضية منتصر، ينبغي الإضاءة على بعض التفاصيل الضرورية المتعلقة به. منتصر من القدس، وكان يحمل الهوية المقدسية والهوية الأردنية بالتوازي. في 1999، سحبت السلطات الإسرائيلية هوية القدس منه (أنظر هنا للمزيد)، وبعدها بثمان سنوات سحبت السلطات الأردنية بدورها الجنسية منه، فبات رسميا بلا جنسية، يملك وثيقة تعريف من السلطات الأردنية دون رقم وطني.

حينها كان منتصر يعمل في السعودية. في 2015، ومع رفض السلطات تجديد إقامته، قرر اللجوء إلى السويد. قال حينها "رفضوا طلب اللجوء الخاص بنا، تقدمت لهم بكافة الوثائق التي تثبت عدم قدرتي على العودة لأي مكان، لا القدس ولا الأردن ولا السعودية. استحصلت على رسالتين رسميتين من السفارتين السعودية والأردنية لتأكيد روايتي، مع ذلك لم أنل اللجوء".

اليوم، وبعد مضي أكثر من عام على قصة منتصر، مازال اللاجئ يحاول الوصول إلى حل لقضيته، مع بروز تطور من قبل السلطات السويدية قد يؤثر على مستقبل عائلته جذريا. "كما كنت قد أخبرتكم سابقا، أنا حرفيا بلا جنسية، فمنذ سحب هوية القدس مني، ولاحقا الجواز الأردني بت بلا أوراق، وهذا ما دفعني أساسا للهجرة".

يقول منتصر لمهاجر نيوز "الجديد في القصة أن سلطات الهجرة هنا في السويد، وبعد رفض طلب اللجوء الخاص بي وبعائلتي، طلبت منا مغادرة البلاد باتجاه الأردن. حتى أنهم طلبوا مني التواصل مع السفارة الأردنية لاستصدار جواز سفر مؤقت يخولني دخول البلاد. واضح أنهم تواصلوا مع السلطات الأردنية بهذا الشأن، فقد تواصلت مع السفارة بالفعل وأكدوا لي أن هذا ممكن".

ويضيف "المشكلة الأساسية تكمن في كوني لا أملك الجنسية الأردنية، والجواز المؤقت لا يخولني للوصول إلى الحقوق والخدمات ككافة مواطني البلاد، فمثلا لا يمكنني العمل في الأردن كما أني سأكون تحت مراقبة أمنية دائمة".

ويختم قائلا "لم أستوعب حتى الآن كيف يمكن لبلاد تدعي الحفاظ على الإنسان وحقوقه أن تطلب مني مثل هذا الطلب. وصلنا في 2015، ولداي كانا في السابعة والتاسعة من عمرهما، الآن باتا في الـ14 والـ16 من عمرهما، متأقلمان بشكل تام ويتحدثان السويدية بطلاقة. كيف سأشرح لهما طلب السلطات، وكيف سيتمكنان من تقبل الحياة الجديدة التي يريد السويديون فرضها علينا في الأردن؟".

"عليك العودة للسعودية"

حالة منتصر ليست وحيدة في السويد، إذ يؤكد كثير من المتابعين لقضايا اللجوء هناك وجود المئات من الطلبات المشابهة، وجميعها لعائلات من اللاجئين الفلسطينيين.

للمزيد>>> يتصدرهم مغاربيون.. ارتفاع في أعداد المرحّلين من دول أوروبية

من تلك الحالات محمود وعائلته، الذين وصلوا السويد في 2014، ليغادروها في 2017 مرغمين عقب رفض طلب لجوئهم، ليعودوا إليها مرغمين أيضا مع انسداد الآفاق في وجوههم.

محمود من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، كان مقيما لسنوات طويلة في السعودية قبل أن يختار طريق الهجرة.

خلال اتصال هاتفي، قال محمود لمهاجر نيوز "حصلت على رفض لطلب لجوئي ثلاث مرات متتالية بحجة أننا نأتي من بلد يصنف آمن. في كل مرة كنت أستأنف على قرار الرفض كنت أوضح أنني لست سعوديا ولا أحمل الجواز السعودي، وأنني فلسطيني لاجئ من سوريا، وبالتالي لا يمكنني العودة إلى السعودية، كما بطبيعة الحال لا يمكنني العودة إلى سوريا... لم يتم الأخذ بمطالباتي، في كل مرة كان يقال لي أن طلبي مرفوض وعلي العودة لبلدي، أي السعودية".

ويورد "في 2017 كنت قد بدأت بالاستسلام، تفقدت أوراقي السعودية واكتشفت أن إقامتي كانت ماتزال صالحة لأيام قليلة. اتصلت بالسفارة السعودية بالسويد وسألت عن إمكانية عودتي، اشترطوا موافقة الكفيل الذي صدرت بطاقة الإقامة على اسمه أول مرة (وفقا لنظام الكفالة السعودي الذي يقضي بأن يكون الوافد على كفالة شخص سعودي. وبموجب هذه الكفالة يسمح للوافد بالدخول والخروج من المملكة أو شراء سيارة أو الحصول على قرض أو غيرها من الاجراءات أو المعاملات...). بالفعل، تواصلت معه وأبدى كل استعداد لمساعدتنا بالعودة".

يضيف "أيام قليلة وعدنا للسعودية، لكن مع اقتراب موعد انتهاء صلاحية إقامتي، رفض الكفيل تجديدها لنا. مرت علينا أيام سوداء هناك، تسعة أشهر خسرت كل ما تبقى لي وكنا على حافة التشرد. لم يكن أمامي من خيارات سوى أن ألجأ لمهربين تمكنوا من إصدار جوازات مزورة لنا جميعا وتأشيرات دخول إلى فرنسا. نهاية 2017 عدنا إلى أوروبا، إلى فرنسا ومنها إلى السويد".

قرر محمود خوض التجربة من جديد، متأملا أن تغير السلطات من قرارها هذه المرة، "2021 تقدمت بطلب لجوء ثان في السويد، عادوا ورفضوه. مسؤول في مكتب الهجرة أوضح لي بما أنني تمكنت من السفر بسهولة للسعودية، فهذا يعني أنه لا مشكلة لدي بالعودة إلى هناك. أوضحت لهم موضوع الإقامة ونظام الكفالة، وإذا انتهت الإقامة ورفض الكفيل تجديدها لا يمكنك البقاء في السعودية. شرحت لهم، كما من قبل، الوضعية الخاصة للاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، وأنني بحكم القانون الدولي بلا وطن ولست سعوديا. كل ذلك لم ينفع واستمروا بروايتهم ومطالبتهم لي بالمغادرة. غضبت، وقلت لهم إن البلد الوحيد الذي يمكنني دخوله الآن هو سوريا، أعيدوني إلى هناك، فقام أحد الموظفين بالنظر إلي باستغراب، قال لا يمكننا إعادتك إلى بلد ليس بلدك الأصلي، هنا استشطت غضبا وقلت له كيف قررتم أنني سعودي، وكيف تريدون إعادتي إلى السعودية. طبعا لم ينفع ذلك بشيء".

يعيش محمود كما منتصر كما العشرات من العائلات الفلسطينية في السويد حالة ضياع ولا استقرار. بالنسبة لمحمود، "من جهة لم أعد أريد البقاء في هنا ومحاولة الحصول على حياة طبيعية، فكل ذلك غير مجد في وجه نظام قائم على رفض روايتي بغض النظر عن تفاصيلها. ومن جهة أخرى أنظر لأولادي الذين كبروا ونشأوا هنا وباتوا نسبيا يعتبرون هذه البلاد موطنهم. كيف سأشرح لهم أنهم ليسوا كذلك وبالتالي أحرمهم من الشعور بالسلام والطمأنينة. إلى أين سآخذ عائلتي...".

المعضلة التي تواجه كلا من منتصر ومحمود، هي معضلة مزدوجة، بمعنى أنها تشكل أزمة حتى بالنسبة للسلطات السويدية. فلتتمكن السلطات من ترحيل طالبي اللجوء المرفوضين، يجب أولا أن تتمكن من معرفة جنسياتهم الأصلية واعتبار بلدانهم آمنة لتتم إعادتهم إليها. في حالة منتصر ومحمود، لا يمكن اعتبار الأردن أو السعودية بلديهما، وبالتالي لا يحملان جنسية أي منهما. وفقا للقانون الدولي، منتصر ومحمود لاجئان فلسطينيان بحكم التعريف الذي اعتمدته وكالة الأنروا، وبالتالي البلد الوحيد الذي يمكن إعادتهما إليه هو فلسطين، وهذه معضلة أخرى كون فلسطين غير موجودة على الخريطة السياسية، وجنسيتها غير موجودة بحكم القانون الدولي. فكيف يمكن التعاطي مع هاتين الحالتين؟

 

للمزيد