رواد الأعمال من القادمين الجدد
رواد الأعمال من القادمين الجدد

لا يحمل القادمون الجدد إلى ألمانيا ذكرياتهم وحنينهم ومآسي أوطانهم معهم فحسب، بل وكثيرا من الأفكار المعرفية والعلمية والخدمية والتجارية الخلاقة. تنبهت بعض الجهات لتلك البذور وهيأت لها تربة خصبة لتنمو وتؤتي أكلها.

في مساء 21 يوليو/تموز الماضي أخذ المشاركون والمدعوون أماكنهم في قاعة "ليشتهوف Lichthof" في المبنى الرئيسي لجامعة برلين التقنية. والقاعة هي فسحة سماوية مفتوحة إلى السماء ومحاطة بأروقة وأعمدة من الجوانب. يطل تمثال مجنح لإلهة النصر عند اليونان من علٍ على الحضور. ست شبان يقفون على المنصة، إنهم ستة رواد أعمال من القادمين الجدد إلى ألمانيا.

"مع وليس لـ"

كانت تلك الأمسية الصيفية تتويج لجهود خمسة أشهر من العمل المكثف في البرنامج التأهيلي "أفكار في الحركة Ideas in Motin"  انطلق البرنامج في آذار/مارس الماضي بالتعاون بين مؤسستي "سيغنا ألمانيا SINGA Deutschland" و"ري ستارت Re Start" اللتين تساعدان اللاجئين والقادمين الجدد على الاندماج بسوق العمل في ألمانيا. يقوم البرنامج على تحديد الاحتياجات والتحديات التي تواجه القادمين الجدد الراغبين في تأسيس عمل خاص بهم ومشاريع فعالة وشركات ريادية. ومن ثم دعمهم ومساعدتهم في تنفيذ وتأسيس هذه المشاريع وصولاً إلى النجاح.

نعرّف عن مشروعنا دوماً بـ "برنامج حضانة المشاريع مع رواد أعمال من القادمين الجدد"، يقول غيث ناشد من مؤسسة "سينغا-ألمانيا" في حديثه مع "مهاجر نيوز"، مشدداً على حرف الجر "مع"، وليس "لـ". يطرح غيث بذلك خطاباً واتصالاً ذي اتجاهين، مما يعني تفاعلاً بين الطرفين وليس عملية تعليمية تقليدية ذات اتجاه واحد. كما يهدف البرنامج إلى "لفت أنظار الرأي العام الألماني للفرص التي يجلبها الوافدون الجدد معهم، وبالتالي فتح مجالات الأعمال أمام تلك الطاقات والإمكانيات. مما يساهم بالنتيجة في تطوير تلك القطاعات" يضيف غيث.


من الألف إلى الياء

استمر البرنامج التأهيلي ما يقارب الخمسة الأشهر، نهل رواد الأعمال الستة خلالها معارف واكتسبوا مهارات عدة. بدأ البرنامج بوضع منهجية تفكير صحيحة بشأن تطوير تصميم المشروع أو الشركة الناشئة والعمل على تحسين تلك التصاميم وتلافي الثغرات فيها باستمرار. كما شملت هذه المرحلة دراسة مبدئية للسوق والزبائن المحتملين. ثم تم تزويد الرواد الستة بـالمهارات الضرورية لافتتاح وإدارة مشروع ناجح كالتسويق والإدارة المالية والمهارات العملياتية والقيادية. كما قدم موجه مهني من نفس مجال عمل الشركة الناشئة، للرواد النصح والخبرة والمساعدة في بناء شبكة العلاقات المهنية في الوسط المحلي في برلين. وقدم أخصائيون خبراتهم بشأن المعاملات القانونية وتسجيل الشركة وطرق جلب التمويل والتبرعات والمحاسبة والضرائب والتأمين، وسبل تذليل العوائق البيروقراطية التي يمكن أن تعترض طريق المشروع وتعرقله.

إعجاب ونقد بنّاء

أشاد الباحث في مجال تكنولوجيا المعلومات والاستشاري الأكاديمي، د. شادي الحكيم، في تصريح لمهاجر نيوز بالبرنامج وبفوائده الجمة، غير أنه سجل بعض السلبيات والنواقص. من أهم السلبيات برأيه "عدم توفير التواصل المباشر مع حواضن المشاريع التي كان من الممكن أن توفر دعما ماليا أكبر لبعض المشاريع التي كانت مميزة بالفعل". وجدير بالذكر أن برلين تضم العديد من حواضن المشاريع والشركات الناشئة. السلبية الثانية هي حصر البرنامج بالمهاجرين. ويعتقد الأكاديمي المتابع للبرنامج والذي حضر الأمسية أنه كان من الأفضل لو كان هناك ألمان من ضمن الرواد؛ إذ "قد يكون للتنوع الفكري والثقافي أثر كبير في الإبداع والنجاح"، لكنه يستدرك ويضيف: "لكني مدرك بعض الشيء لطبيعة تمويل مثل هذه البرامج".

الرواد الستة مع بعض القائمين على البرنامج

عن بُعد...منصات تعليمية وإعادة إعمار

تنوعت المشاريع وأفكار الشركات الناشئة بين عدة مجالات معرفية وعلمية وخدمية وتجارية. أحد المشاريع يحمل اسم "إعادة إحياء عن بُعد". وتتلخص فكرته في إنشاء منصة رقمية لتنسيق الجهود لإعادة إحياء وإعمار مدينة حمص السورية. ويحمل مشروع آخر اسم "دليلي" وهو بمثابة منصة لـ "الصفحات الصفراء (دليل معلومات)" للاجئين والقادمين الجدد. وهناك مشروع ثالث يحمل اسم "نيوفيرسيتي Niuversity". وهو منصة تعليمية عن بُعد تهدف إلى تدريس القادمين الجدد-وباللغة العربية-مهارات تؤهلهم لإيجاد فرصة عمل أو البدء بعمل خاص بهم. "تشمل تلك المهارات التسويق الالكتروني وتصميم الغرافيك وتصميم المواقع الإلكترونية وإدارة المشاريع ومهارات القيادة وتطوير تطبيقات على أجهزة الهاتف المحمول وغيرها"، يوضح لنا صاحب فكرة تلك المنصة التعليمية، د. فادي الشلبي (39 عاماً) في حواره مع مهاجر نيوز. وعن رأيه بالبرنامج يقول الشلبي: "بالنسبة لي كان البرنامج نقلة معرفية نوعية؛ إذ منحني توجيها ممتازا وفتح عيني على أشياء كنت أجهلها". وعن الفائدة العملية التي انعكست مباشرة على مشروعه: "أطلقت تسمية جديدة على المنصة وأنا في طور تطوير الموقع الإلكتروني". بيّد أن السوري، الذي يحمل شهادة ماجستير في طرائق تدريس اللغة الإنكليزية من بريطانيا ودكتوراه في إدارة التعليم العالي من ألمانيا، ينتقد قصر مدة الدورة بقوله: "حبذا لو كانت مدة الدورة خمسة أشهر أخرى". ويضيف الأكاديمي، الذي يعمل كباحث في جامعة برلين التقنية: "وحبذا لو كان جميع المشاركين أكثر انضباطاً والتزاماً بالحضور والمشاركة". هذا وقد دعم ورعى "مركز ريادة الأعمال" في الجامعة البرنامج التأهيلي.

 تصميم أزياء وأطباق حلبيّة

يركز مشروع آخر على السياحة العلاجية وربط هذا القطاع الخدمي بالعالم العربي. مصمم الأزياء قصي شيشكلي (40 عاماً) أسس شركته الخاصة في برلين. ويقول الشاب السوري، الذي صمم فساتين لمشاهير من بينهم جنيفر لوبيز، في تصريح لمهاجر نيوز: "كان عملي السابق في لبنان ودبي يقتصر فقط على التصميم؛ لم تكن لي علاقة بالتسويق أو غيرها من الأمور المالية والإدارية والقانونية". يعتبر الشاب نفسه اليوم بعد إنهاء البرنامج أنه أصبح صاحب عمل مستقل "يحيط بكل جوانب عمله". غير أنه وبعكس فادي رأى أن مدة البرنامج كانت "طويلة؛ وكان من الأفضل لو تم تكثيفها على مدة أقصر زمنياً".

دعمت عدة جهات البرنامج التأهيلي ورعته. ومن بين أبرز الشركاء والداعمين: مركز العمل في برلين، جامعة برلين التقنية، غرفة صناعة وتجارة برلين، ومؤسسة روبرت بوش.

انقضت الأمسية بنجاح وتفاعل كبيرين. وكان ختامها مسك وطعام لذيذ قدمه أحد الرواد الستة من مشروعه، الذي يقوم على إعداد وجبات لذيذة منزلية الصنع وبجودة عالية من المطبخ الحلبي الذائع الصيت.

 مهاجر نيوز- خالد سلامه

 

للمزيد