يزعم الفيلم الوثائقي الذي بثته BBC أن أشخاصا أُخذوا بالقوة من الأراضي الإسبانية وجُرّوا عنوة إلى المغرب | الصورة: بي بي سي عين افريقيا
يزعم الفيلم الوثائقي الذي بثته BBC أن أشخاصا أُخذوا بالقوة من الأراضي الإسبانية وجُرّوا عنوة إلى المغرب | الصورة: بي بي سي عين افريقيا

كشف فيلم وثائقي مبني على البيانات والصور تم إنتاجه لبرنامج "Africa Eye" في بي بي سي عن تفاصيل الأحداث المميتة التي وقعت على حدود مليلية الإسبانية في 24 يونيو/حزيران، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 23 مهاجراً فيما لا يزال كثيرون في عداد المفقودين. يثير الفيلم بعض الاتهامات الخطيرة الموجهة ضد الحكومتين الإسبانية والمغربية.

سلط الفيلم الوثائقي الذي يحمل عنوان "الموت على الحدود" الضوء ليس فقط على أوجه القصور المختلفة من جانب السلطات المحلية في واقعة الرابعة والعشرين من يونيو/حزيران 2022، ولكنه يشير أيضاً إلى أن حكومتي إسبانيا والمغرب تصرفتا بطرق أدت إلى تدافع أسفر عن مقتل وإصابة العديد بجراح.

تقول الأرقام الرسمية إن 23 شخصاً لقوا مصرعهم في ذلك اليوم، في حين قدر خبراء الأمم المتحدة عدد القتلى بـ 37 شخصاً. تقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان - وهي منظمة حقوقية مستقلة - إن 77 شخصاً على الأقل إما لقوا مصرعهم أو فُقدت آثارهم.

بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الوفيات التي تم توثيقها، تُظهر اللقطات المستخدمة في الفيلم أيضاً عشرات المهاجرين يتعرضون للضرب بالعصي، كما تم تقييد أيدي عدد كبير منهم خلف ظهورهم وتم طرحهم أرضاً، ووجهت إليهم إهانات وشتائم. وفي أعقاب حادث التدافع، حُكم على 13 مهاجراً بالسجن لمدة عامين ونصف العام في المغرب بسبب محاولاتهم لعبور الحدود بطريقة غير نظامية، فيما لا يستبعد المراقبون أن تتكرر المحاولات لعبور الحدود مستقبلاً.

الجيوب الإسبانية سبتة ومليلية والمفصولة عن إسبانيا بمضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط | الحقوق: مهاجر نيوز
الجيوب الإسبانية سبتة ومليلية والمفصولة عن إسبانيا بمضيق جبل طارق والبحر الأبيض المتوسط | الحقوق: مهاجر نيوز

يجمع الفيلم الوثائقي "العشرات من مقاطع الفيديو سواء من الكاميرات الرسمية أو من جانب مستخدمين عاديين"، ويدعمها بمجموعة كبيرة من البيانات والخرائط الجغرافية إضافة إلى العديد من روايات شهود العيان، ويرسم صورة مروعة لما حدث في ذلك اليوم.

يأتي الفيديو مع تحذير في البداية أنه يحتوي على لقطات مزعجة للغاية


الحشر في زاوية مميتة

في 24 يونيو /حزيران، اقترب نحو 2000 مهاجر (وفقًا للأرقام الرسمية) من التحصينات الحدودية المتعددة والمقامة بين مليلية الإسبانية والمغرب، على أمل تسلق الأسوار والجدران وبالتالي الدخول إلى الجيب الإسباني - الذي تبلغ مساحته 12 كيلومتراً مربعًا فقط ولكنه جزء من الاتحاد الأوروبي. .

في الوقت الذي حاولت فيه السلطات المغربية السيطرة على الوضع غير المسبوق باستخدام الغاز المسيل للدموع وقنابل الدخان، اندفع المئات إلى زوايا على طول الجدران بطول الحدود، في محاولة للهروب من آثار الغاز الخانق والمسيل للدموع.

وتقول الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (AMDH) إن ما يصل إلى 27 مهاجراً قُتلوا في التدافع الذي أعقب ذلك، بينما اعتبرت الحكومة المغربية أن "الاختناق المكانيكي"، وهو حالة نقص حاد في الإمداد بالأكسجين إلى الجسم، والذي ينشأ عن التنفس غير الطبيعي أو ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الدم لدرجة تمنع الخلايا من القيام بوظائفها، هو السبب الرسمي للوفاة.

كانت حصيلة القتلى هي الأعلى على الإطلاق في محاولات العبور إلى الأراضي الأوروبية، والتي تحدث عدة مرات سنوياً في مليلية وكذلك في جيب إسبانيا الآخر في المغرب، سبتة.

كان من بين الجرحى على الأرض عدة جثث بحسب ما أفاد شهود عيان الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا
كان من بين الجرحى على الأرض عدة جثث بحسب ما أفاد شهود عيان الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا

اتهامات خطيرة

في غضون ذلك، لم تتم إعادة جثث هؤلاء المهاجرين إلى عائلاتهم. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إنه بحسب مصادرها، لا تزال جثث من ماتوا في هذا اليوم محتجزة في مشرحة في مدينة الناظور المغربية الواقعة على بعد 15 كيلومتراً جنوب الجيب الإسباني.

من ناحية أخرى، قال عمر ناجي، نائب رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لبي بي سي إن فريق العمل الخاص بالجمعية شهد قيام السلطات في الناظور بحفر 21 قبراً. وقال ناجي: "أرادت السلطات دفن الجثث دون إجراء التحقيقات اللازمة ودون تحديد هويتها".

مقبرة سليم سالم في الناظور هي المكان الذي كانت ستدفن فيه دفن جثث المهاجرين الذين قضوا شمال المغرب خلال محاولتهم الوصول إلى أوروبا
مقبرة سليم سالم في الناظور هي المكان الذي كانت ستدفن فيه دفن جثث المهاجرين الذين قضوا شمال المغرب خلال محاولتهم الوصول إلى أوروبا

عنف وسوء معاملة

بالإضافة إلى الكشف عن تفاصيل التدافع، يعرض الفيلم الوثائقي أيضاً بالتفصيل ما حدث لعشرات المهاجرين الآخرين الذين كانوا لا يزالون خارج المنطقة الملاصقة للأسوار. يظهر المهاجرون وهم ملقون على الأرض وأيديهم مقيدة خلف ظهورهم، بينما يضربهم رجال الأمن بشكل عشوائي.

وقال شاهد عيان مجهول نجا من الحادث، إن المهاجرين المكبلين كانوا ملقون بين الجرحى والقتلى. وقالت هيئة الإذاعة البريطانية إن الناجين "قالوا إنهم لم يتلقوا رعاية طبية وأن قوات الأمن منعت المسعفين من مساعدة الجرحى".

بعد ساعات من الواقعة، تم إرسال المهاجرين إلى المدن المغربية الرئيسية في حافلات مستأجرة نقلتهم مئات الكيلومترات. يسلط أحد شهود العيان الضوء على وفاة مهاجر مصاب خلال الرحلة التي استمرت لساعات.

شاهد عيان يدعى يوسف نجا من اعتداء القوات المغربية وعبر الحدود إلى إسبانيا، أوضح بالتفصيل الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المهاجرون في فيلم البي بي سي | الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا
شاهد عيان يدعى يوسف نجا من اعتداء القوات المغربية وعبر الحدود إلى إسبانيا، أوضح بالتفصيل الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها المهاجرون في فيلم البي بي سي | الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا

الإعادة القسرية إلى المغرب

في نهاية المطاف، تغلبت السلطات المغربية على غالبية المهاجرين الذين حاولوا الوصول إلى مليلية، فيما تم توثيق العديد من حالات التعدي الوحشي على المهاجرين في الفيلم الوثائقي.

ومع ذلك، يُفترض أن مئات المهاجرين قد تجاوزوا الأسوار والجدران ودخلوا الأراضي الإسبانية بشكل أو بآخر. لكن 133 فقط من هذه المجموعة تمكنوا رسمياً من تقديم طلبات لجوء في إسبانيا، وفقًا للمعلومات التي حصلت عليها بي بي سي من وزارة الداخلية الإسبانية.

تشير أدلة الفيديو التي تم عرضها في الفيلم الوثائقي إلى أن حرس الحدود وقوات الأمن المغربية - والتي عبرت الحدود إلى داخل الأراضي الإسبانية أثناء مطاردتهم للمهاجرين - قامت بإعادة بعض المهاجرين إلى داخل الأراضي المغربية.

تعتبر هذه الإجراءات بمثابة مخالفة للقانون الدولي وهي ممارسة تعرف بالصدّ أو الإعادة القسرية، والتي تحرم طالبي اللجوء من فرصة تقديم طلباتهم على الرغم من وجودهم في المنطقة التي يرغبون في طلب اللجوء فيها.

قال أحد المهاجرين لفريق بي بي سي الذي أجرى التحقيق في الأحداث إنه بعد إعادته إلى السلطات المغربية، تعرض للضرب حتى فقد وعيه لساعات.

أرض لا يسيطر عليها أحد

دافعت الحكومتان الإسبانية والمغربية عن الإجراءات المتخذة في 24 يونيو/حزيران، وقالتا إنهما كانتا تحميان الحدود فقط وتقولان إن المهاجرين أظهروا علامات عنف.

في الفيلم الوثائقي، شوهد العديد من المهاجرين وهم يحملون العصي؛ لكن أحد شهود العيان أوضح أن هذه العصي كان الغرض منها استخدامها لتسلق السياج الحدودي وليس لمهاجمة الحراس.

استخدم المهاجرون العصي والقضبان لتسلق السياج لكن السلطات تقول إنهم استخدموها في مناوشات مع حرس الحدود | الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا
استخدم المهاجرون العصي والقضبان لتسلق السياج لكن السلطات تقول إنهم استخدموها في مناوشات مع حرس الحدود | الصورة: بي بي سي - عين إفريقيا

وبحسب الفيلم، سعت الحكومتان أيضاً إلى الإفلات من العقاب فيما يتعلق بالوفيات، حتى أن إسبانيا قالت إن الأحداث وقعت في "تييرا دي ناد" او "no man's land"- والتي تُترجم على أنها "أرض لا تخضع لسيطرة أي جهة منزوعة السلاح".

من جانبه، حاول النائب الإسباني جون إناريتو خلال جلسة برلمانية الضغط على وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا للإجابة على ما يفترض أن يعنيه هذا المصطلح، حيث لا يوجد كيان من هذا القبيل بموجب القانون الدولي.

وينظر إلى إناريتو إلى المنطقة التي دخل اليها المهاجرون وتمت إعادتهم إلى المغرب منها "إنها أراض إسبانية.. هذا هو وضعها" بحسب ما قال خلال الفيلم الوثائقي الذي يظهر أن ثلاثة من المهاجرين المتوفين كانوا يرقدون في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسبانية عندما قضوا نحبهم. يعرض الفيلم الوثائقي أيضاً صورًاً لجثث يتم نقلها على بعد أمتار قليلة من الأراضي الإسبانية وإعادتها إلى المغرب.

انقسام في الأمم المتحدة حول صيغة البيان

نددت الأمم المتحدة باستخدام السلطات "القوة المفرطة" في الوقائع التي شهدها يوم 24 يونيو/حزيران، قائلة إنه أمر "مقلق لأنه لا توجد مساءلة ملموسة بعد أشهر" من الوفيات على الحدود.

وقال مكتب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالأشكال المعاصرة للعنصرية: "أصيب العشرات نتيجة الاستخدام المفرط والمميت للقوة من قبل السلطات المغربية والإسبانية".

وشددت آلية الخبراء الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة (IIEM) على أن "اي استخدام للقوة من قبل مسؤولي إنفاذ القانون يجب أن يسترشد بمبادئ الشرعية والحيطة والضرورة والتناسب والمساءلة وعدم التمييز."

ومع ذلك، وعلى الرغم من لغة الإدانة هذه، فشلت الأمم المتحدة في التوصل إلى اتفاق في مجلس الأمن بعد فترة وجيزة من مأساة مليلية. ورفض واحد على الأقل من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشروع بيان بشأن وفيات المهاجرين يدعو إلى مزيد من التحقيقات، وذلك بسبب صياغة البيان المقترح.

يذكر أنه من أجل إصدار قرارات وبيانات ملزمة من قبل مجلس الأمن، يجب أن يكون هناك إجماع على هذا القرار.

ساعات من أدلة الفيديو لازالت مختفية

في غضون ذلك، بدأت الحكومتان المغربية والإسبانية تحقيقاتهما الخاصة في مأساة ذلك اليوم. ومع ذلك، لم يكن أي من هذين التحقيقين مستقلاً عن إشراف الحكومة. في إسبانيا، تم إطلاق تحقيق منفصل أجراه أمين المظالم لاحقاً أيضاً، والذي لا يخضع لسيطرة الحكومة المباشرة.

وفي حين تم نشر عشرات مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي في أعقاب الحدث مباشرة، والتي تُظهر تعرض المهاجرين للضرب والإساءة اللفظية، لم تنشر أي من الحكومتين لقطات كاميرات المراقبة من أي من الكاميرات العديدة على طول الحدود.

قال أحد الناجين الذين تحدثوا في الفيلم الوثائقي إنه إذا كشفت السلطات عن هذه المواد كدليل، فسيتم الرد على الأسئلة المتبقية. وقال لبي بي سي إن "المنطقة الحدودية بأكملها في مليلية مغطاة بكاميرات المراقبة وهناك كاميرات على طول السياج بأكمله تقريباً وأيضاً في المنطقة التي حوصرنا فيها وتوفي البعض منا".

في غضون ذلك، تدّعي وزارة الداخلية الإسبانية أنه "تم تسليم جميع تسجيلات الدوائر التلفزيونية المغلقة إلى القضاء الإسباني وأمين المظالم كجزء من تحقيقاتهما". ومع ذلك، تبين فيما بعد أن هذا البيان خاطئ.

تمكن بعض المهاجرين من الفرار من قبضة القوات المغربية ونجحوا في الوصول إلى إسبانيا وقاموا بتقديم طلبات لجوء في الوقت الحالي | الصورة: AP - Javier Bernardo
تمكن بعض المهاجرين من الفرار من قبضة القوات المغربية ونجحوا في الوصول إلى إسبانيا وقاموا بتقديم طلبات لجوء في الوقت الحالي | الصورة: AP - Javier Bernardo

هل كذبت الحكومة الإسبانية؟

في أكتوبر/تشرين الأول، أصدر أمين المظالم الإسباني بعض النتائج الأولية لتحقيقه، مشدداً على أنه لم يتم توفير جميع لقطات الدوائر التلفزيونية المغلقة والتي كان يفترض إتاحتها للمحققين. كما ذكر الديوان أن محاولات إسبانيا السابقة إنكار عمليات الصد المزعومة لمئات من طالبي اللجوء المهاجرين كانت هي أيضاً محاولات غير صحيحة من الناحية الواقعية.

قال أمين المظالم إن 470 مهاجراً أعيدوا عبر الحدود. في حين لم يتم الكشف حتى الآن عن تفاصيل ما إذا كانت أي قوات إسبانية قد شاركت بنشاط في عمليات صد وإرجاع المهاجرين إلى المغرب، فمن الواضح أنها فشلت مع ذلك في السماح للمهاجرين الذين وصلوا إلى الأراضي الإسبانية بتأكيد حقهم في تقديم طلبات اللجوء.

ورداً على الفيلم الوثائقي الذي بثته هيئة الإذاعة البريطانية، قالت وزارة الداخلية الإسبانية إنه "من المخيب للآمال والمثير للدهشة" أن مثل هذه الاتهامات الخطيرة قد أثيرت "دون أي دليل". وقالت هيئة الإذاعة البريطانية في ردها: "نحن نعتمد على معاييرنا الصحفية في تنفيذ عملنا".

سيرتان ساندرسن

 

للمزيد