Artist: Mohammad Alhelal / Photo: Ali Almakhlafi
Artist: Mohammad Alhelal / Photo: Ali Almakhlafi

ليسوا لاجئين فقط بل بشراً جلبوا معهم حضارتهم إلى أوروبا أيضاً، حيث بإمكانهم العمل والعيش بحرية. موقع مهاجر نيوز زار معرضا في كولونيا شارك فيه عشرات الرسامين والفوتوغرافيين والنحاتين السوريين، معظمهم من الشباب اللاجئين.

عشرات الفنانات والفنانين معظمهم شباب وشابات من سوريا. يبهرون ببراعة بأعمالهم الفنية عيون الألمان. منهم من درس الفن التصويري أو التطبيقي والرسم على الحيطان أو النحت في جامعة دمشق، ومنهم من واصل أو يواصل دراسته العليا للفن في جامعات ألمانية أو سويسرية أو غيرها من الجامعات الغربية.

معظمهم يعيشون في مدن ألمانية مثل كولونيا وبريمن وهامبورغ ومنهم من يعيش في العاصمة النمساوية فيينا، وقليل منهم ما زال في سوريا. ومنهم من اسمه أحمد أو نادر أو باهزاد أو محمد أو شيفان أو عمر أو علي، أو خولة أو لورين أو ليلى أو رزان أو نسيم أو سماح. معظمهم ولدوا في سوريا في درعا ودمشق والقامشلي وحمص والحسكة وفي غيرها من المدن السورية. ومنهم من شارك في معارض فنية في سوريا وألمانيا وفي بريطانيا والسعودية والإمارات والأردن وغيرها وحاز على جوائز على أعماله الفنية.

 Photo: Ali Almakhlafi

وها هم اليوم يحكون قصصهم وقصص شعبهم بعد أن انتقل معظمهم إلى محيطهم الجديد في أوروبا، وخصوصاً في ألمانيا. وفي هذا العام 2017 احتضنتهم مدينة كولونيا الألمانية حيث قدم الفنانون معرضهم بعنوان: "سوريا: الفن والهروب" في ثلاثة مواقع في المدينة: كنيسة غيرترود وقاعة الفن رينانيا وقاعة آرت إم إكس الفنية. وهم بذلك لا يسردون القصص من طرف واحد، بل أنهم باتوا جزءا من المجتمع الألماني فاتحين بفنهم طريقا للحوار بين الثقافات، حيث تبرز أيضاً الخلفية الثقافية والحضارية لسوريا والبراعة الفنية لأبنائها، وهو ما يعزز عدم اختزال السوريين بقضية اللجوء فقط. ولا تنحصر الأعمال الفنية على اللوحات المرسومة بل تتعداها إلى المنحوتات والصور الفوتوغرافية المعبرة عن حال اللاجئين في مخيمات اللجوء وفي بلدان الجوار السوري.

"لسنا مجرد لاجئين فقط بل إننا حَمَلَة ثقافة وحضارة أيضاً "

"نحن نريد أن نوصل رسالة بأننا لسنا فقط لاجئين هاربين من الحرب ومن الخوف بل إننا سوريون حاملون معنا ثقافة وحضارة أيضاً، ونريد إبرازها للشعب الألماني"، يقول لموقع مهاجر نيوز جبار عبد الله المنحدر من الرقة السورية، وهو أحد منظمي المعرض. فالحرب مفروضة على هؤلاء الفنانين السوريين مثل بقية شعبهم، ولا أحد سعيد بالخروج من بلده بإرادته. وقد تم إجبارهم على الهروب والاغتراب. وليست الملاحقات الأمنية عنهم ببعيد، كما أن الرجال في سوريا ملزمون بالخدمة العسكرية ولذلك يضطر كثير من الرجال إلى الهروب من المشاركة في الحرب أيضاً، ثم تكون طريقهم محفوفة بالمصاعب من سوريا، حيث لا مجال للحرية السياسية.

والفنانون والفنانات يحاولون توصيل هذه المعاناة والمشاعر الحزينة وكذلك مشاعر الأمل عن طريق الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي، "لأن الجو في ألمانيا وفي أوروبا بشكل عام هو جو مبني على الثقافة. ونحن نتواصل مع هذه الشعوب عن طريق الثقافة نفسها لتوصيل الرسالة التي نحب توصيلها"، يضيف جبار لموقع مهاجر نيوز.

Artist: Mohammad Alhelal / Photo: Ali Almakhlafi

يجسد الفنانون السوريون بأعمالهم الفنية على الأرض الألمانية الحرب في بلادهم وكيفية تأثير الترحيل والهروب على أعمالهم الفنية، معبرين عن تجارب عديدة من العنف والدمار ممزوجة بمشاعر العجز والأمل والموت والحياة والقمع والحرية من خلال لوحات فنية مرسومة أو أعمال منحوتة أو صور ملتقطة معبرة عما شهدوه أو شهده شعبهم من وقائع.

"الحرب واقع موجود ومهما حاول الفنان التهرب منها تظهر في لوحاته"

وفي هذا السياق يقول الرسام والفنان التشكيلي مصطفى قطيفان في جلسة نقاشية حول المعرض -في قاعة رينينا الفنية على نهر الراين في كولونيا حضرها فنانون سوريون وألمان وكذلك حضرها موقع مهاجر نيوز (يوم الجمعة 18 أغسطس/آب 2017)- إن الفنان حتى حين يحاول ألا يضع تعبيرات سياسية في لوحاته فإن الناس رغم ذلك يجدون شيئاً سياسياً في لوحاته دائماً، وذلك لأن "الحرب واقع موجود ومهما حاول الفنان التهرب منها تظهر في لوحاته"، مؤكداً طريقة الفنان في التعبير عن سخطه حول ما يدور في بلاده بالقول: "البعض حين يغضبون قد يكسرون الكأس الذي أمامهم، والبعض قد يأكلون كثيراً، لكن رد فعل الفنان حين يغضب هو أن يرسم لوحة". وحول حياته وحياة الفنانين إجمالاً في ألمانيا يضيف مصطفى: "الثلاثة أشهر الأولى في ألمانيا كانت صعبة علينا. لكننا بعد ذلك انطلقنا في عالم الفن في ألمانيا".

مشاركة فنانات وفنانين ألمان في مواضيع اللجوء

ومن الداعمين للمعرض مؤسسات ثقافية ألمانية وبلدية مدينة كولونيا ومؤسسات كنسية ثقافية ومؤسسات ثفافية تابعة لشركات تجارية. كما يوجد فنانون وفنانات ألمان مشاركون في معرض "الفن والهروب" حول سوريا، مثل زيلكه فورست مايَر التي تجسد بلوحاتها الزيتية معاناة اللاجئين حيث يبدو في أحدى لوحاتها ما يشبه حشود الناس وهم يخرجون من مخيم اليرموك المدمَّر، وفي لوحة أخرى تجسد العيش المشترك بين الثقافات والأديان المختلفة، حيث تظهر في اللوحة مدينة مكوَّنة من مساجد وكنائس وكنس ومعابد بوذية مرصوف بعضها إلى جانب بعض على ساحل البحر.

Silke Forstmeyer Zahran Alaqeel Mustafa Ilktefan Photo Ali Almakhlafi

أما المصورة الفوتوغرافية الألمانية إيفي بلينك فقد سلطت أعمالها الفنية الضوء على اللاجئين وطالبي اللجوء داخل ألمانيا، وتمحورت أعمالها على المعاناة الناتجة عن الانتظار الذي يعايشونه حتى يتم قبول لجوئهم، والقلق النفسي الذي يمر بها طالب اللجوء حتى يتم البت من قبل السلطات بطلبه. وهي فترة قد تستمر شهورا أو سنوات.

"تحمُّل حالة الانتظار  هو في مركز أعمالي الفوتوغرافية"

"عنوان صوري الفوتوغرافية في هذا المعرض هو: "ماذا أنا فاعل هنا؟" وهذا سؤال وجودي يخطر لكل إنسان، وهو سؤال لا يتعلق بالمكان فقط ولكن أيضاً بالحال الراهن الذي يمر به الإنسان"، تقول إيفي بلِينْك لموقع مهاجر نيوز، وتضيف: "عملي متركز على حالة الانتظار أو التأرجح التي يمر بها اللاجئون عند وصولهم إلى بلد آمن وبعد أن يكونوا قد قدموا طلب اللجوء في هذا البلد وهم في حالة انتظار للبت في الطلب سواء أكان الرد بالقبول أو الرفض".

فهذه المرحلة المتأرجحة صعبة التحمل إلى درجة لا تُصدَّق لأن اللاجئ ليس بإمكانه فيها اتخاذ القرار بنفسه وتبقى إمكانياته محدودة باحثاً عن حياة جديدة في مكان جديد ومع أناس جدد وبيئة جديدة. وتبدي الفنانة الألمانية تضامنها مع اللاجئين قائلةً: "لقد لامس شغاف قلبي أن أعرف المراحل الكثيرة التي يضطر فيها اللاجئ للانتظار: كانتظار الأوراق والوثائق وانتظار الدورة الأولى للغة الألمانية وانتظار العائلة في حالة لمّ الشمل وانتظار أشياء كثيرة ،سوالمتاعب النفسية المرافقة لذلك". وهذا ما ركزت عليه إيفي بلينك في صورها الفوتوغرافية. فيظهر في إحدى صورها مثلاً لاجئات ولاجئون في قاعة انتظار سواء في المطار أو في الدوائر الرسمية. 

Evi Blink  Photo Ali Almakhlafi

ولم يكن التركيز في أعمالها الفوتوغرافية على أسباب اللجوء بقدر ما كان التركيز على "تفكيك الزمان والمكان في حالة التأرجح والانتظار هذه، وتحليل المشاعر المتناقضة لدى اللاجئ"، فمن جانب يشعر اللاجئ بالارتياح بوصوله إلى ألمانيا بالسلامة ورغم ذلك يعتريه قلق بسبب ما يحدث على أرض الوطن وبسبب ما ينتظره في المستقبل. "تحمُّل حالة الانتظار هذه هي في مركز أعمالي الفوتوغرافية"، كما توضح إيفي بلينك لموقع مهاجر نيوز.

"رسالة الحب والسلام هي الرسالة التي نود إيصالها عبر فنوننا"

المعرض مستمر في موسمه الثالث هذا العام في كولونيا حتى نهاية أغسطس/آب 2017. ويخطط القائمون على المعرض ومنهم جبار عبد الله وزهران العقيل وسونيا فوندَرليش على إقامته أيضاً في مدن ألمانية أخرى مثل هامبورغ وفرنكفورت وميونخ. زهران العقيل، نحات سوري الجنسية من مدينة درعا، درس النحت في دمشق. وهو منذ ثلاث سنوات ونصف تقريباً في ألمانيا، وأول معرض فني له في ألمانيا أقامه حتى قبل أن يحصل رسميا على إقامة.  وهو يرى أن هناك فرقا بين الفن في ألمانيا والفن السوري، وهو أن الفن السوري كلاسيكي ويقترب من المدرسة الروسية، في حين أن الفن الألماني يتسم بسمة الحداثة. ويرى أن الفنان يتأثر بما حوله، فأعمال زهران العقيل باتت تتمحور حول الحزن والحرب والتعاسة بعد أن كانت تتمحور حول الحب والسعادة، بحسب قوله.

Artist Hamza Alhariri  Photo Ali Almakhlafi

لكن زهران رغم ذلك يضيف لموقع مهاجر نيوز قائلاً: "رسالة الحب والسلام هي الرسالة التي نود إيصالها عبر فنوننا. نحن شعب محب وشعب مسالم. وشعب يحب الشعوب الأخرى. ونحب جميع الناس. والفن هو لغة يفهمها جميع البشر. ولا حاجة للفنان للكلام باللغة الألمانية أو الإنكليزية حين يرسم لوحة فنية: فالصيني يفهمها والأمريكي يفهمها والألماني يفهمها. وكل العالم يفهم اللوحة الفنية".

ستون فنانا تمكن المنظمون من جمع بعض أعمالهم في هذا المعرض. معظم الفنانين المشاركين جاؤوا في السنوات الأخيرة من سوريا إلى ألمانيا. منهم العرب ومنهم الأكراد. واجبهم توثيق واقعهم وواقع بلدهم الحقيقي. الأحداث في سوريا غيرت لوحاتهم الفنية، التي بات يحدوها الحنين إلى حمَامات السلام، وتلفها أحاسيس مختلطة من الحزن والتضامن، وخصوصا مع الضحايا الأطفال.

 

علي المخلافي – كولونيا

حقوق النشر: مهاجر نيوز 2017

 

 

للمزيد