منظر عام لمخيم سودا
منظر عام لمخيم سودا

يواجه المهاجرون في الجزر اليونانية وضعا صعبا، ويستقرون في مخيمات ذاع صيت البعض منها، بسبب الأوضاع فيها، بينها مخيما سودا وفيال في جزيرة كيوس. وينتظر هؤلاء في ظروف قاهرة داخل المخيمين البت في طلباتهم اللجوء. ويتحدثون عن انتشار الفوضى في "سجون مفتوحة"، يعيشون فيها "جحيما يوميا".

اشتهر مخيم سودا لللاجئين في جزيرة كيوس اليونانية بمشاكله الدائمة، حيث أن المخيم يتسع لحوالي 900 شخص، إلا أنه وفي فترات معينة استقبل أكثر من 2000 لاجئ ومهاجر، الأمر الذي انعكس على نوعية الخدمات فيه فازداد تذمر قاطنيه، إضافة إلى مشاكل المخدرات ونسب الجريمة المتزايدة وحالات العنف شبه الدائمة بين أفراد الإثنيات المختلفة.

عند مدخل سودا، تستقبلك حاويات النفايات غير المغطاة، تنبعث منها رائحة كريهة وإلى جانبها مجموعة من الكراسي والطاولات المعدنية تجلس عليها عائلات من المهاجرين ممن ينتظرون الحافلات التي ستقلهم بعيدا عن هذا "السجن المفتوح" وفقا لتعبير الكثيرين منهم.

يقع المخيم شمال مدينة كيوس، بمحاذاة السور التاريخي للمدينة الذي يشرف على بحر إيجة، الفاصل بينها وبين الأراضي التركية. يضم في الوقت الحالي نحو 250 مهاجرا من أصول مختلفة، معظمهم مازالوا ينتظرون القرارات النهائية حيال طلبات لجوئهم.

فاطمة، سورية من ريف دمشق، كانت تجلس على مدخل المخيم مع أطفالها الأربعة والبسمة تعلو محياها. بعد السلام والتعارف قالت إنها "سعيدة لأني اليوم سيتم نقلي وأطفالي إلى أثينا، مكثت في سودا 7 أشهر، لا أريد العودة إلى هنا، لا أريد أن أتذكر هذا المكان".

محمود، 28 عاما، شاب عراقي كان يجلس على إحدى الطاولات المعدنية، ينفث دخان سيجارته بعصبية وغضب. قال لمهاجر نيوز "أنا في هذا المخيم منذ نحو 9 أشهر، مازلت أنتظر قرار طلب اللجوء الذي تقدمت به، لم أعد أحتمل، الجميع يغادر وأنا مازلت هنا مع عصابات السرقة والمخدرات".

مخيم سودا

بؤرة لأعمال العنف والجريمة

ذاع صيت مخيم سودا في أرجاء جزيرة كيوس على أنه بؤرة للأعمال الإجرامية. حول ذلك يقول عثمان، الطبيب الليبي العامل مع جمعية "أطباء العالم"، "طبعا هناك مخدرات ونسبة العنف مرتفعة جدا، المهاجرون هنا يخرجون بحرية من المخيم ويتجولون في المدينة، بعضهم للأسف انخرط في الأعمال الإجرامية والعنف، مرت فترات على هذا المخيم كانت كالجحيم بالنسبة لهم ولنا نحن العاملين في المؤسسات غير الحكومية على حد سواء".

تظهر على عيادة منظمة "أطباء العالم" الواقعة عند مدخل المخيم آثار الحريق. إفجينيا سبيرو، الناطقة باسم المنظمة تقول إن بعض اللاجئين قاموا بإحراق العيادة إضافة إلى مرافق خدماتية أخرى في المخيم احتجاجا على إبقائهم هنا. طبعا من قاموا بهذا العمل كانوا قلة، وباقي اللاجئين كانوا يخشونهم لأنهم عنيفون جدا".

عند إحدى الخيم في بداية المخيم، كان أندرو، مهاجر نيجيري جالسا على كرسي بلاستيكي يستمع إلى الموسيقى. بادرنا بالسؤال عن هويتنا وسبب زيارتنا للمخيم، علامات التعب والإحباط بادية عليه. أندرو قدم إلى المخيم قبل نحو 5 أشهر، "الحياة هنا سيئة للغاية، إن لم تستطع الدفاع عن نفسك فأنت هالك. لا أعلم كيف استطاعت الأمهات اللواتي كن هنا تحمل هذا الوضع وحماية أطفالهن".

يعتبر أندرو نفسه محظوظا كونه حصل على اللجوء، إلا أن الطريق مازالت طويلة أمامه، "الآن علي أن أجد مكانا أستطيع استئناف حياتي الطبيعية فيه، لا أبالي إن كنت سأبقى في اليونان أم لا، كما أني لا أعرف إلى أين سيتم نقلي بعد سودا".

الخيم متراصة بشكل متقابل، ممرات ضيقة تفصلها عن بعضها، لكل أربعة خيم ساحة مشتركة. معظم الموجودين حاليا في المخيم هم رجال بمفردهم، وغادرت كافة العائلات هذا المخيم إما إلى فيال أو أثينا.

قرار رسمي يوناني بإغلاق "سودا"

طلال، شاب سوري يقيم في خيمة مع لاجئين آخرين من الجزائر والمغرب، متواجد في المخيم منذ أكثر من سنة، "رفض طلب اللجوء الخاص بي، تقدمت بطلب استئناف وأنتظر الرد. لا أعرف ما الذي سيحل بي إن رفضت نهائيا، لا أريد العودة إلى سوريا، أخشى على حياتي هناك".

على الرغم من الأوضاع السيئة التي يعيشها اللاجئون هناك، إلا أن انخفاض أعدادهم جعل من إمكانية توفير الخدمات اللائقة لهم أسهل بكثير، عثمان، الطبيب الليبي، قال لـ"مهاجر نيوز" إن العيادة التي يعمل فيها تستقبل أغلب مرضاها الآن من مخيم فيال، حيث أن المرافق الخدماتية هناك تتعرض لضغط هائل نتيجة ارتفاع أعداد اللاجئين".

أثناء التجول في المخيم يمكن ملاحظة أن حجمه تقلص من خلال الأشغال التي يقوم بها عمال البلدية لإزالة الأجزاء التي لم تعد مسكونة منه. فبعد قرار الحكومة اليونانية إغلاق هذا المخيم وإعادة توزيع اللاجئين فيه، انخفضت الأعداد هناك من حوالي ألف مهاجر إلى 250، ومازال وعد الحكومة ماثلا في أذهان سكان المنطقة بإغلاقه نهائيا مع نهاية شهر أيلول \ سبتمبر.

مخيم فيال... جحيم اللاجئين!

ويبلغ عدد المهاجرين واللاجئين في جزيرة كيوس 2814 شخصا، من بينهم 1104 موجودون في مخيم فيال في قرية هالكيوس، وهو مخيم لا تزيد سعته الأساسية عن 894 شخصا، ويعد واحدا من أكثر المناطق سخونة.

يقبع مخيم فيال على إحدى التلال المشرفة على قرية هالكيوس، غرب مدينة كيوس. تلال وهضاب مكسوة بأشجار الزيتون والرمان، منازل ذات أسقف قرميدية محاطة بحقول الليمون، رائحة الياسمين عابقة في الهواء، لا يمكن للسائر في تلك الطريق أن يتوقع أن نهايتها ستؤدي إلى أحد أكثر المخيمات اكتظاظا ومشاكل على جزيرة كيوس اليونانية.

عند مدخل المخيم الشمالي، كانت نوروز تجلس وبيدها كوب من القهوة، تراقب ابنها وهو يلعب الكرة في الساحة المقابلة. قالت لـ"مهاجر نيوز"، "أنا في فيال منذ 9 أيام، مررت وعائلتي بظروف صعبة جدا، تركنا كوباني قبل نحو 7 أشهر، ومنذ ذلك الحين ونحن نتنقل بين المناطق المختلفة في سوريا. عندما حاولت أنا وزوجي وأطفالي عبور الحدود التركية، أطلقوا النار علينا (قوات الأمن التركية) وافترقنا حينها أنا وزوجي، ابني البكر بقي معه وأنا كان معي الأصغر، تمكنت من عبور الحدود والدخول إلى تركيا ومن ثم تواصلت مع مهرب تركي أعطيته كل ما كان معي لأحجز مكانا على أحد القوارب المتجهة إلى هنا، الآن أنا لا أملك شيئا ولا أعرف أي أخبار عن زوجي".

"خائفة على مصير أولادي"

قصة نوروز تتكرر داخل مخيم فيال. سهام، لاجئة كردية سورية من منطقة عفرين في حلب تتحدث عن مشكلتها ومعاناتها في المخيم "وصلنا هنا قبل تسعة أيام، لم يكلمنا أحد، أحتاج لأن أعرف مصيرنا، بناتي لم يحظين بحمام لائق منذ وصولنا، تسود الفوضى هنا وأنا خائفة جدا على مصير بناتي الأربعة وابني الوحيد".

تتكرر الأخبار عن المشاكل العنيفة التي تقع داخل المخيم، فغالبا ما تندلع المشادات التي تتطور إلى تضارب بالأيدي والعصي والسكاكين بين الأفغان والعرب. نوروز تشتكي من عدم تواجد العناصر الأمنية بشكل دائم، "يظهرون فجأة عند حصول مشكلة ما، يتعاملون مع الجميع بقسوة بالغة، تلك المشاكل غالبا ما تكون أسبابها قلة التنظيم في المخيم".

يضم المخيم حاليا نحو 1500 لاجئ ومهاجر وفقا لتقديرات مقيمين فيه. معظمهم تم جلبه إلى هنا بعد أن اتخذ قرار بإغلاق مخيم سودا ذائع الصيت في الجزيرة.

"طلبت نقلي إلى فيال لأني اعتقدت أن الوضع هنا أفضل"

تتناثر حاويات النفايات في الأزقة الضيقة التي تفصل الخيم. كل يوم مساء يأتي عمال النظافة ويفرغونها، إلا أن النفايات مازالت منتشرة في المخيم. أينما التفت تجد أشخاصا يتسكعون بجانب خيمهم لا يقومون بشيء، إلا أن القاسم المشترك بينهم هو علامات الغضب واليأس التي تظهر على وجوههم.

أحد اللاجئين الأفارقة يدعى سوني، قادم من نيجيريا، قال إنه طلب أن يتم نقله من مخيم سودا، حيث كان يقيم إلى هنا، "الوضع هناك لا يحتمل، لا يمكنك أن تنام وأنت مطمئن، تعرضت للكثير من المشاكل هناك، طلبت نقلي إلى هنا لأني اعتقدت أن الوضع أفضل ومنظم أكثر، كنت مخطئا". كافة الشهادات القادمة من داخل مخيم فيال تحمل نفس الفحوى، فوضى وغياب للأمن ومعاملة سيئة، فيما رفض المسؤلون على المخيم تقديم تفسير لهذا الوضع.


 

للمزيد