فندق سيتي بلازا في أثينا. الصورة: شريف بيبي
فندق سيتي بلازا في أثينا. الصورة: شريف بيبي

فندق سيتي بلازا وسط العاصمة اليونانية أثينا، اسم يتردد في كافة أوساط العاملين في مجال مساعدة اللاجئين والمهاجرين في اليونان. بني خلال سبعينات القرن الماضي، كل شيء فيه بقي على حاله، من واجهته إلى أثاثه، حتى مكتب الاستقبال موجود ولكن بدل أن يستقبلك أحد الموظفين ليؤمن لك حجزا في الفندق، تجد مجموعة من المتطوعين الناشطين في مجموعات يسارية في منطقة إكسارشيا، معقل اليسار اليوناني في العاصمة أثينا.

لاجئون في فندق؟ أول ما يتبادر إلى ذهن المتابع هو هذا السؤال، إذ أن أوضاع اللاجئين في اليونان معروفة وهم موزعون إما على مراكز الاستقبال المؤقتة، أو في مراكز استقبال شبه دائمة ينتظرون خلالها إما أن يكملوا رحلتهم إلى دولة أوروبية أخرى أو يستقروا في اليونان.

2016 البداية

إليني، باحثة في مجال التاريخ والاجتماع وناشطة ضمن إحدى المجموعات اليسارية في إكسارشيا، قررت ومجموعتها اتخاذ منحى مختلف. كان القرار هو تأمين سكن للاجئين من ذوي الحالات الصعبة، وكان أن قاموا بالسيطرة على فندق "سيتي بلازا" المغلق والمهجور منذ سنوات، والمحاذي لمنطقة إكسارشيا في وسط العاصمة اليونانية.

وتشتهر منطقة إكسارشيا بكونها معقلا لليسار اليوناني، حيث تشهد بين الحين والآخر مواجهات بين المجموعات الشبابية والطلابية اليسارية ضد الشرطة، احتجاجا على سياسات الحكومة الاقتصادية والاجتماعية.

في نيسان/أبريل عام 2016، قررت المجموعة اقتحام الفندق مع عائلات من اللاجئين كانوا يقيمون في العراء، استولوا على الفندق ووزعوا العائلات على الغرف. "كان يوما رائعا" تقول إليني، "في البداية لم نكن واثقين من تبعات هذه الخطوة، إلا أنه كان علينا القيام بشيء من أجل هؤلاء المساكين، الفندق مغلق ومهجور وهو مجهز بـ125 غرفة، لماذا لا تتم الاستفادة منه".

يتألف الفندق من ستة طوابق، في الطابق الأول القاعات الرئيسية الكبيرة والمطبخ. يعج هذا الطابق باللاجئين، عائلات وأطفال، حيث تم تخصيص غرفة "للحضانة"، وهي قاعة صغيرة فتحها الناشطون لإقامة أنشطة للأطفال. كما يوجد على نفس الطابق "الكافيتيريا"، وهي المكان الذي يجتمع فيه اللاجئون للقاء واستقبال الضيوف وتمضية الوقت.

الكافيتيريا

جمعيات عمومية

الفندق يدار من قبل المتطوعين واللاجئين على حد سواء، هناك جمعية عمومية تعقد كل شهر لمناقشة شؤون إدارة الفندق، من ميزانية الطعام وجداول خدمات التنظيف وحل المشاكل بين اللاجئين في حال وجودها... كافة القرارات تؤخذ بالإجماع وبموافقة الجميع.

ولكل طابق في الفندق لجنة تنسيقية، مشكلة من العائلات المقيمة فيه، تهتم بشؤون الطابق ونظافته والتعامل مع أي طارئ قد يحدث.

يسعى الناشطون بشكل شبه يومي إلى تأمين التمويل اللازم لشراء الطعام والحاجيات. تقول إليني "عندما سيطرنا على الفندق، أطلقنا حملة عالمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي لجمع التبرعات. تكاليف الاهتمام بكل هؤلاء اللاجئين باهظة إذ تبلغ حوالي 15 ألف يورو شهريا... ما نريد أن نقوله هو أنه إذا تكاثفنا سوية يمكننا حل أزمة اللاجئين والمهاجرين ".

"الجميع يشارك في عمل الفندق اليومي"

المطبخ ضخم ومجهز بكل شيء، في الداخل هناك غارو، لاجئ أفغاني، يقوم بتحضير الطعام للمقيمين، تعاونه مجموعة من المتطوعين واللاجئين.

"الجميع هنا يشارك في عمل الفندق اليومي" تقول إليني، فإضافة إلى ما نقوم به نحن من تأمين للمواد الأولية والأدوية وحراسة المكان حتى لا تقوم الشرطة باقتحامه، يقوم اللاجئون بالتناوب على إعداد الوجبات هنا. الجميع يتعاون من أجل أن تبقى هذه التجربة مستمرة".

المتطوعون، يونانيون وأجانب، يملؤون المكان. عند المدخل تجد مجموعة من الناشطين اليونانيين الذين يحرسون الفندق. بمكتب الاستقبال، متطوعتان إحداهما يونانية والأخرى إيطالية مع شابين من اللاجئين، يقومون بالإجابة عن استفسارات المقيمين في الفندق حول مواعيد دروس اليونانية والإنكليزية وموعد قدوم الطبيب وحتى ترجمة بعض الأوراق من اليونانية إلى العربية أو الأفغانية.

مطبخ الفندق حيث يقوم اللاجئون بإعداد طعامهم

ممنوع إدخال المشروبات الروحية

سعد، لاجئ فلسطيني من الأردن جاء إلى اليونان قبل نحو سنتين. يقيم سعد في الفندق منذ قرابة الستة أشهر. يقول "جميعنا هنا متساوون، سواء كنا لاجئين من كافة الجنسيات أم متطوعين، لا توجد مشاكل تذكر هنا بيننا مثل تلك التي تحصل في مخيمات الاستقبال على الجزر، فالأمور منظمة وجميعنا نعرف بعضنا. وإن حصلت مشكلة يتم طرد المتسبب بها مباشرة، الأمر الذي أرسى قانونا هنا لا يمكن لأحد أن يتخطاه".

سعد ناشط ضمن اللجان التنسيقية في الفندق، يساهم بترجمة ما يحتاجه اللاجئون من العربية إلى الإنكليزية ويعمل على حل أي سوء تفاهم قد ينشئ بين العائلات، الجميع هنا يعرفه. "لا مجال للأخطاء" يقول سعد، "جميعنا لاجئون وجميعنا نسعى لنفس الهدف، علينا أن نتعاضد في هذه المرحلة، عرب وأفغان وكرد وأفارقة، حتى اللاجئين العازبين هنا رجالا ونساء ملتزمون بالنظام العام".

يمنع المتطوعون إدخال المشروبات الروحية والمخدرات إلى الفندق، فهذا وإن حصل يتم طرد المخالف، "لا يمكننا تحمل الفوضى هنا" تقول إليني، "هناك الكثير من الأشخاص المعارضين لوجودنا هنا ويحاولون بشتى الوسائل أن يشوهوا سمعة الفندق لتكون حجة لطردنا من هنا".

وكانت مالكة الفندق قد رفعت دعوى أمام القضاء اليوناني لاسترجاعه وطرد اللاجئين منه، وقد حصلت على حكم بذلك. إلا أن الشرطة ترفض تنفيذه لما قد يترتب عنه من تدهور للوضع الأمني في المنطقة، إضافة إلى أنه لا يوجد مكان حاليا لإيواء كل اللاجئين في المنطقة.

يحوي الفندق غرفة للمعاينات الطبية، حيث يأتي بين الحين والآخر أطباء ليكشفوا على الحالات المرضية. حتى أن بعض الناشطين خضعوا لدورات في مجال الإسعافات الأولية للتعاطي مع أي طارئ في حال لم يكن هناك طبيب متواجد.

غرفة المعاينة الطبية

في الباحة الخلفية للفندق طاولات خشبية وبعض الألعاب، إضافة إلى نحو 20 دراجة هوائية استطاع الناشطون والمتطوعون أن يؤمنوها حيث يمكن للاجئين أن يستعملوها أثناء تجوالهم في المدينة.

لائحة انتظار من ثلاثة آلاف اسم

لدى الناشطين والمتطوعين في الفندق لائحة انتظار لعائلات تريد المجيء إلى هنا تحوي أكثر من ثلاثة آلاف اسم. "الفندق الآن في أقصى طاقته الاستيعابية"، تقول إليني، "لدينا نحو 400 شخص هنا، منهم من يغادر فنقوم مباشرة بالاتصال بأحد الأشخاص ممن سجلوا أسماءهم للإقامة هنا".

يستقبل الناشطون يوميا أكثر من ثلاثين شخصا يرغبون في الإقامة هناك. تقول إليني "ليس لدينا معايير اختيار معينة، كما أننا لا نذهب إلى مراكز الاستقبال لنأتي باللاجئين، هم يأتون إلى هنا، السمعة الجيدة التي حققناها بوقت قصير أتت بنتيجة هائلة".

وتضيف إليني "هناك لاجئون يقولون لنا أن جمعيات ومنظمات دولية أرسلتهم إلينا، بإمكاناتنا المتواضعة أصبحنا نقوم بعمل تلك الجمعيات".

تبتسم وتكمل "بعيدا عن كافة المشاكل والصعوبات التي واجهتنا في البداية وحتى الآن، إلا أنه مازال أصعب شيء بالنسبة لنا جميعا هنا أننا لا نستطيع استقبال كل من يقصدنا. مؤلم الشعور عندما نرفض أحد، إذ نضطر لأن ننظر بوجهه ونقول ليس لدينا مكان، النظرة على وجوههم قاسية ويائسة. نأمل أن تنتشر هذه التجربة ويتم إيواء كل من هو بحاجة. ونتمنى أن تسود روح التضامن في كافة أنحاء العالم ونشهد نهاية لكل هذه المآسي".


 

للمزيد